حقُ الدِّينِ نُّمْرُقَةُ وُسطى

مقالات وبحوث

حقُ الدِّينِ نُّمْرُقَةُ وُسطى

244 مشاهدة

خُطَى الخُزَاعي
بين إفراطٍ (فعل ما يجب تركه) وتفريطٍ (ترك ما يجب فعله)، رتبة وسطى تُمثّل نقطة توازن مطلوبة يتحتَّم على الفرد المسلم في تحصيله للنجاة الكون في حيز حماها اعتقادًا وعملًا، ومن التطبيقات القرآنية العملية المؤسِّسة للوسطية في الإنفاق والناهية عن الإفراط والتفريط فيه قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} (الإسراء:29)؛ بل أنَّ الوسطية في الأمور منهجية عقلائية، جرت عليها سيرة العقلاء وعادتهم بعيدًا عن تقنين الدين وتوصياته، ومن تطبيقات الوسطية في الاعتقاد، الاعتقاد بالمنزلة الوسطى لأهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) بمعنى أنَّ طريقهم هو الطريق المقبول عند الله تعالى في الاعتقاد ثم العمل، وما عداه سُبل زَلِقَة تؤدي إلى حيث التقصير عنهم أو الغلو في مقاماتهم وكلا الأمرين يخرجان عن دائرة الدين ويوقعان في هوة الهلكة والخسران.
والبداية من رياض النهج وقول المولى أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): ((َنحْنُ النُّمْرُقَةُ الْوُسْطَى بِهَا يَلْحَقُ التَّالِي، وإِلَيْهَا يَرْجِعُ الْغَالِي))([1])، مستعيرًا (صلوات الله وسلامه عليه) النمرقة (وهي الوسادة) التي تتوسط المجلس ويُستند إلى جانبيها للتشبيه بمرتبتهم الوسط التي تمثل نقطة الاتزان بين جانبي اعتقاد مُهلك، فلا التالي (التابع المقصِّر) سينجو مع عدم اللحاق بهم، ولا الغالي (المُفْرِط والمتجاوز في الحدِّ) سيهتدي مع عدم الرجوع إليهم. ومضمون أنَّ منهجهم يمثل سبيل الحق بين مفترقين قد أورده الرسول (صلى الله عليه وآله) في ذيل حديث الثقلين المتواتر؛ إذ قال: ((فلا تسبقوهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنَّهم أعلم منكم))([2])، وبذات النَفَس يوصي أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) مخاطبًا أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بملازمة أهل البيت (صلوات الله عليهم) محذِّرًا من سبقهم أو التأخر عنهم وبالتالي من الضلال والهلاك فقال: ((انْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ، فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ، واتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ، فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًى، ولَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدًى، فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا، وإِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا، ولَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا، ولَا تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا))([3])، وما بين المُفرِط والمُفرِّط تابع لاحق قد التزم النهج على وفق طريقتهم بلا غلو أو تقصير، والقول لأمير المؤمنين (عليه السلام): ((إلينا يرجع الغالي وبنا يلحق المقصِّر الذي يقصِّر بحقنا، من تمسك بنا لحق، ومن سلك غير طريقتنا غرق، لمحبينا أفواج من رحمة الله، ولمبغضينا أفواج من غضب الله، وطريقنا القصد وفي أمرنا الرشد))([4])، مبيِّنًا (صلوات الله عليه) وسطية طريقهم واصفًا إياه بالقصد أي العدل أو الاعتدال، وأمرهم بالرشد أي يدل هاديًا فيؤدِّي إلى حيث الفوز والنجاة، فيستأهل المهتدي بأوسطيتهم اعتقادًا بضميمة عمله أفواجًا من رحمة تحيطه شآبيبها أينما حلَّ، أضف إلى ذلك فإنَّ للملتحق الملازم  شأنٌّ في الأثر الروائي الشريف، ومن ذلك وصف الأئمة لمن لازمهم من شيعتهم بأنَّهم (النمط الأوسط) بالنظر إلى غيرهم من الناس مسرِّين هذا الوصف إليهم رفعًا لشأنهم ومكانتهم، من ذلك  قول أمير المؤمنين لأحد أصحابه عندما شكا له اختلاف الناس وخصومتهم فيه وفي الثلاثة من قبله فقال: ((وفيم خصومتهم؟ قال: فيك وفي الثلاثة قبلك، فمن مفرط منهم غال، ومقتصد، ومبغض قال، ومتردّد مرتاب، لا يدري أيقدّم أم يحجم؟ فقال: حسبك يا أخا همدان، ألا إنّ خير شيعتي النّمط الأوسط، إليهم يرجع الغالي، وبهم يلحق التّالي))([5]).
وللتفريط بمنهجيتهم مناشئ كُثر، قد يكون المنشأ لبغض أو حسد، أو طلبًا للدنيا وزهرتها، وقد يكون لشبهة عارضة أو قصور في التوصل إلى حقائق الأمور بحيث لو زالت شبهة ذلك الإنسان أو وصل إليه بريق الحقيقة بنحو ما لأذعن والتحق، وقطعًا أنَّ حكم هؤلاء سيختلف عمَّن تخلّف عن علم وعناد، وكم قد هيأ تعالى أسباب الهداية لمثل هؤلاء فركبوا سفينة الآل مستغفرين شاكرين؛ فالله أعلم بما في نفوس عباده، وأمَّا التفريط أو الغلو بمقاماتهم (صلوات الله عليهم) الذي أصبح اليوم من أكثر المفاهيم تعاطيًا في الجدل والتراشق، والفصل قولهم (صلوات الله عليهم) في بيان حدِّه، والقول لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في حديث الأربعمائة: ((إياكم والغلو فينا قولوا إنا عبيد مربوبون، وقولوا في فضلنا ما شئتم))([6])، فالغلو أن يُعتقد بأهل البيت (صلوات الله عليهم) أنَّهم ليسوا عبادًا أو تنسب إليهم الأفعال بالاستقلال، كالشفاعة، والرزق، والشفاء ونحو ذلك، أمَّا ذكر كراماتهم بولايتهم التكوينية التابعة لمشيئة الله تعالى والكائنة في طول قدرته لا في عرضها والتغني بجميل مآثرهم ومناقبهم لا يُعدُّ من الغلو في شيء، كما قال الصادق (صلوات الله عليه): ((إنَّا مخلوقون وعباد مربوبون؛ ولكن لنا من ربنا منزلة لم ينزلها أحدًا غيرنا، ولا تصلح إلَّا لنا، ونحن نور من نور الله، وشيعتنا منّا، وسائر من خالفنا من الخلق فهو في النار، نحن جيران الله غدًا في داره، فمن قَبِل منّا وأطاعنا فهو في الجنة))([7])، على أنّناَ نعتقد جازمين أنَّا مهما تعمقنا في أمرهم وتتبعنا فضائلهم لن نصل إلى غاية الشأن ومنتهى المنزلة، وللرسول الله (صلى الله عليه وآله) بيان في ذلك إذ قال لأمير المؤمنين: ((لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في المسيح، لقلت فيك قولًا لا تمر بملأ إلَّا أخذوا من تراب قدميك، يستشفون به))([8])، فلم يقل الرسول ذلك القول، ومع ذاك انبهر فيه قوم فأحبوه مغالين حدَّ الربوبية؛ إذ لم يستوعبوا كم كمالاته ومثالية صفاته التي تجاوزت بمنظورهم حدَّ المخلوق، وباتجاه مباين قصّر آخرون إذ لم يرقهم مثل هكذا أقوال في حقه فابغضوه بغضًا ذروته التكفير، والختام قوله (صلوات الله عليه): ((هَلَكَ فِيَّ رَجُلَانِ: مُحِبٌّ غَالٍ ومُبْغِضٌ قَالٍ))([9])، اللهم النمط الأوسط بمحمد وآله الطاهرين.
الهوامش:
[1])) نهج البلاغة: تحقيق صبحي الصالح: 488.
[2])) الكافي، الشيخ الكليني (ت: 329): 1/294.
[3])) نهج البلاغة: تحقيق صبحي الصالح: 143.
[4])) الخصال، الشيخ الصدوق (ت: 381): 627.
[5])) الأمالي، الشيخ المفيد (ت:413)، 4-5.
[6])) الخصال: 614.
[7])) دعائم الإسلام: القاضي النعمان المغربي (ت: 363): 1/50.
[8])) الأمالي: الشيخ الصدق: 709.
[9])) نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح: 489، رقم (117)

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1072 Seconds