شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام) الفكرية/ رابعاً: احتجاجاته القرآنية

مقالات وبحوث

شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام) الفكرية/ رابعاً: احتجاجاته القرآنية

347 مشاهدة

بقلم: الدكتور خليل خلف بشير

((الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.

وبعد:

قام أمير المؤمنين (عليه السلام) بفتح باب الحوار والسؤال عن القرآن وكل ما يتعلق بالشريعة المقدسة أمام الجماهير المسلمة وبصورة علنية وعامة دونما تردد حتى في جواب مخالفيه وأعدائه الحاقدين [1]،و لأمير المؤمنين (عليه السلام)  احتجاجات قرآنية في موضوعات متعددة، واتجاهات متباينة فلم يعجزه الجواب عن كل ما سئل، ولم يستطع أحد أن يفلج حجته ويسفه برهانه، وراح الناس يقصدونه أينما حلّ وارتح يسألونه عما يدور في خلدهم من أسئلة حائرة وأفكار غامضة، ويناقشونه في معتقداتهم، ويتباحثون معه في مختلف قضاياهم، وهو ما جعله يملك القلوب والعقول معاً[2]؛ لأنه ذو ((ذكاء حي، قدير، واسع، عميق لا تفوته أغوار إذا هو عمل في موضوع أحاط به بعداً فما يفلت منه جانب ولا يُظلم منه كثير أو قليل . وغاص عليه عمقاً، وقلّبه تقليباً وعركه عركاً، وأدرك منه أخفى الأسباب وأمعنها في الاختفاء كما أدرك أصدق النتائج المترتبة على تلك الأسباب ما قرُب منها أد القرب، وما بعد أقصى البُعد))[3].

ولعل احتجاجاته القرآنية تحكي طبيعة علاقة الإمام علي (عليه السلام) بالقرآن ومدى تفاعله معه فما من نص من احتجاجاته إلا وتجد فيه ما يعيدك إلى القرآن بنص آية منه، أو إظهار بصيرة من وحيه فالقرآن كتابه الأوحد الذي يستمد منه علومه ومعارفه، ويأخذ منه رؤاه وأفكاره، ويستنبط منه أحكامه وشرائعه من هنا كان القرآن سلاحه الأول في منازلاته الفكرية والعقائدية إذ كان يعود إليه في كل بحث، ويستنطقه في كل قضية فهو المتقن لعلوم القرآن، والحافظ لآياته، والمتابع لنزوله، والعارف بأسراره، والملم ببصائره فمن يتأمل احتجاجاته يلمس حقيقة معرفة الإمام بالقرآن، وسعة فهمه لنصوصه، وقدرته الكبيرة على الاستدلال بآياته في كل موضوع [4]،وللتدليل على ذلك نذكر بعضاً من احتجاجاته :

احتجاجه (عليه السلام) على زنديق جاء مستدلا عليه بأي من القرآن متشابهة، ((تحتاج إلى التأويل، على أنها تقتضي التناقض والاختلاف فيه، وعلى أمثاله في أشياء أخرى. جاء بعض الزنادقة إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام وقال له : لولا ما في القرآن من الاختلاف والتناقض لدخلت في دينكم . فقال له عليه السلام : وما هو؟ قال : قوله تعالى : ﴿نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾  [5]وقوله : ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [6]، وقوله : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ [7]،وقوله : ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾ [8]

 وقوله :﴿وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ [9]، وقوله تعالى : ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [10]، وقوله : ﴿ِإنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [11]، وقوله : ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ﴾  [12]، وقوله : ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾  [13]، وقوله تعــــالى : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ۝ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [14]، وقوله : ﴿  لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [15]، وقوله : ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ۝ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾  [16]، وقوله : ﴿لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباَ﴾[17]، وقوله :  ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلَّا وَحْيًا  ﴾[18]،وقوله :﴿كلا إنهم يومئذ لمحجوبون ﴾ [19]، وقوله : ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾[20]، وقوله: ﴿بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ﴾ [21]،وقوله : ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ  ﴾[22]،وقوله : ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ  ﴾[23]، وقوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا  ﴾[24]،
وقوله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [25]، وقوله : (فمن ثقلت موازينه، ومن خفت موازينه)[26] . فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : فأما قوله تعالى : ﴿نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ [27]  إنما يعني نسوا الله في دار الدنيا لم يعملوا بطاعته، فنسيهم في الآخرة أي: لم يجعل لهم من ثوابه شيئا، فصاروا منسيين من الخير، وكذلك تفسير قوله عز وجل: ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا﴾[28]يعني بالنسيان : أنه لم يثيبهم كما يثيب أوليائه، والذين كانوا في دار الدنيا مطيعين ذاكرين حين
آمنوا به وبرسوله وخافوه بالغيب. وأما قوله﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ [29] فإن ربنا تبارك وتعالى علوا كبيرا ليس بالذي ينسى، ولا يغفل، بل هو الحفيظ العليم، وقد تقول العرب : نسينا فلان فلا يذكرنا : أي إنه لا يأمر لهم بخير، ولا يذكرهم به . قال علي عليه السلام وأما قوله عز وجل : ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾[30]،وقوله : ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [31] وقوله عز وجل﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ [32] وقوله عز وجل يوم القيامة ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾[33]،وقوله﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾[34]وقوله : ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾[35]فإن ذلك في مواطن غير واحد من مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة، المراد : يكفر أهل المعاصي بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا، والكفر في هذه الآية : « البراءة « يقول : فيبرأ بعضهم من بعض، ونظيرها في سورة إبراهيم.
ويستمر الإمام (عليه السلام) في الإجابة على شبهات السائل بكل وضوح، وفي النهاية يقول له : ((فافهم هذا واعلمه، واعمل به، واعلم أنك ما قد تركت مما يجب عليك السؤال عنه أكثر مما سألت عنه، وأني قد اقتصرت على تفسير يسير من كثير لعدم حملة العلم، وقلة الراغبين في التماسه، وفي دون ما بينت لك بلاغ لذوي الألباب.  قال السائل : حسبي ما سمعت يا أمير المؤمنين، شكرا لله لك على استنقاذي من عماية الشرك، وطخية الإفك، وأجزل على ذلك مثوبتك، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله أولا وآخرا على أنوار الهدايات، وأعلام البريات، محمد وآله أصحاب الدلالات الواضحات، وسلم تسليما كثيرا))[36].[37].

الهوامش:
[1]- ينظر : أعلام الهداية -  الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) (أمير المؤمنين) / لجنة التأليف 2/186.
[2]-  الإمام علي القرآن الناطق / طالب خان 134.
[3]-  الإمام علي صوت العدالة الإنسانية 283.
[4]- الإمام علي القرآن الناطق / طالب خان 135- 136.
[5]-  الآية 67 من سورة التوبة.
[6]-  الآية 451من سورة الأعراف.
[7]-  الآية 64من سورة مريم.
[8]-  الآية 38 من سورة النبأ.
[9]-  الآية 23 من سورة الأنعام.
[10]- الآية 25 من سورة العنكبوت.
[11]- الآية 64 من سورة ص.
[12]- الآية 28 من سورة ق.
[13]- الآية65 من سورة يس.
[14]-الآيتان 22 - 23 من سورة القيامة.
[15]-  الآية 103 من سورة الأنعام.
[16]- الآيتان 13و14 من سورة النجم.
[17]- دمج الآيتين : ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ﴾ - طه / 109، وقـــــــوله ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾  -  النبأ/38.
[18]- الآية 51 من سورة الشورى.
[19]- الآية 15 من سورة المطففين، وقد سقطت منها كلمتان هما (عن، ربهم) فالآية هي ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾.
[20]-  الآية 158 من سورة الأنعام.
[21]- الآية 10 من سورة السجدة.
[22]-  الآية 77 من سورة التوبة.
[23]- الآية 110 من سورة الكهف.
[24]- الآية53من سورة الكهف.
[25]- الآية 47 من سورة الأنبياء.
[26]- إشارة الى الآيتين 8و9 من سورة الأعراف ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾، والآيتين 102و103 من سورة المؤمنون ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾.
[27]- الآية 67 من سورة التوبة.
[28]- الآية 51 من سورة الأعراف.
[29]- الآية 64 من سورة مريم.
[30]- الآية 38 من سورة النبأ.  
[31]-   الآية 23 من سورة الأنعام.
[32]-  الآية 25 من سورة العنكبوت.
[33]-  الآية64 من سورة ص.
[34]-  الآية 28 من سورة ق.
[35]- الآية 65 من سورة يس .
[36]- الاحتجاج 1/358-360.
[37]لمزيد من الاطلاع ينظر: من النتاج الفكري لأمير المؤمنين عليه السلام تفسيره المغيب للقرآن الكريم وادعيته العلوية للدكتور خليل خلف بشير، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 34 –38.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1457 Seconds