هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ

مقالات وبحوث

هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ

985 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 05-08-2021

عمَّار حسن الخزاعي

((إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا))[الإنسان: 5 - 12] . هذه بعض آياتٍ من سورة الإنسان خلَّدت فعلًا لقومٍ وصفهم الله تعالى بالأبرار، ونعتهم بعباد الرحمن، ثمَّ سرد القرآن طويلًا ما ادَّخره لهؤلاء الأبرار من جزاءٍ لا أحسب له مثيلًا في غير هذا الموضع من القرآن الكريم، وكلُّ ذلك لأنَّهم أوفوا بالنَّذر، وأطعموا مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا، وكانت نيَّتهم لله تعالى خالصة، ولو أمعنَّا النظر في ما أوردته هذه الآيات وما بعدها لوجدنا عظيمًا، قرآنًا من الله تعالى يمدح قومًا بالمطلق بلا تقييد، ويصفهم بالأبرار عباد الرحمن، ويُخصِّص لهم سورة كاملة في القرآن الكريم تُتلى إلى قيام الساعة أو إلى ما شاء الله تعالى بعدها، وحريٌّ بنا أن نعرف المقصودين بهذه الآيات الكريمات، وسأعتمد على المدونات التفسيريَّة للمسلمين أتباع الصحابة من دون أن أذكر مصدرًا واحدًا لأتباع أهل البيت (عليهم السلام).

لقد ذكرت جمهرت من تفاسير أهل السُّنَّة أتباع الصَّحابة أنَّ هذه الآيات نزلت في أمير المؤمنين علي وفاطمة وابنيهما وهناك من ضمَّت لهم جارية لهم اسمها فضَّة، ولكنِّي سأعتمد على ما نقله أبو إسحاق الثعلبي (ت: 427هـ)؛ لأنَّه كان أكثر تفصيلًا وإحاطةً بالحادثة، وقد روى بقوله: ((عن ابن عبَّاس في قول الله سبحانه وتعالى (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً) قال: مرض الحسن والحسين فعادهما جدّهما محمد رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، ومعه أبو بكر وعمر وعادهما عامَّة العرب فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرًا، وكل نذر لا يكون له وفاء فليس بشيء. فقال علي [عليه السلام]: إن برأ ولداي ممَّا بهما صمت ثلاثة أيَّام شكرا، وقالت فاطمة [عليها السلام]: إن برأ ولداي ممَّا بهما صمت لله ثلاثة أيَّام شكرا ما لبس الغلامان العافية، وليس عند آل محمد قليل ولا كثير، فانطلق علي [عليه السلام] إلى شمعون بن جابا الخيبري، وكان يهوديًّا فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعير، وفي حديث المزني عن ابن مهران الباهلي فانطلق إلى جار له من اليهود يعالج الصوف يقال له: شمعون بن جابا، فقال: هل لك أن تعطيني جزّة من الصوف تغزلها لك بنت محمد (صلى الله عليه [وآله] وسلم) بثلاثة أصوع من الشعير قال: نعم، فأعطاه فجاء بالسوق والشعير فأخبر فاطمة بذلك فقبلت وأطاعت قالوا: فقامت فاطمة [عليها السلام] إلى صاع فطحنته واختبزت منه خمسة أقراص، لكلِّ واحد منهم قرصًا، وصلَّى علي مع النبي [صلى الله عليه وآله] المغرب، ثمَّ أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم مسكين فوقف بالباب، فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم من موائد الجنَّة، فسمعه علي [عليه السلام] فأنشأ يقول:

فاطم ذات المجد واليقين ... يا ابنة خير الناس أجمعين

أما ترين البائس المسكين ... قد قام بالباب له حنين

يشكوا إلى الله ويستكين ... يشكوا إلينا جائع حزين

كل امرئ بكسبه رهين ... وفاعل الخيرات يستبين

موعدنا جنة عليين ... حرمها الله على الضنين

وللبخيل موقف مهين ... تهوى به النار إلى سجين

شرابه الحميم والغسلين ... من يفعل الخير يقم سمين

ويدخل الجنة أي حين

فأنشأت فاطمة:

أمرك عندي يا ابن عمّ طاعة ... ما بي من لؤم ولا وضاعه

غذيت من خبز له صناعة ... أطعمه ولا أبالي الساعة

أرجو إذا أشبعت ذا المجاعة ... أن ألحق الأخيار والجماعة

وأدخل الخلد ولي شفاعه

قال: فأعطوه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئًا إلَّا الماء القراح، فلمَّا كان اليوم الثاني قامت فاطمة إلى صاع فطحنته فاختبزته وصلَّى علي مع النبي (عليه السلام)، ثمَّ أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فأتاهم يتيم فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، يتيم من أولاد المهاجرين، استشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمكم الله على موائد الجنَّة فسمعه علي [عليه السلام] فأخذ يقول:

فاطم بنت السيد الكريم ... بنت نبي ليس بالزنيم

لقد أتى الله بذي اليتيم ... من يرحم اليوم يكن رحيم

موعده في جنّة النعيم ... قد حرّم الخلد على اللئيم

ألا يجوز الصراط المستقيم ... يزل في النار إلى الجحيم

فأنشأت فاطمة:

أطعمه اليوم ولا أبالي ... وأوثر الله على عيالي

أمسوا جياعا وهم أشبالي ... أصغرهم يقتل في القتال

بكربلا يقتل باغتيال ... للقاتل الويل مع الوبال

تهوى به النار إلى سفال ... وفي يديه الغل والأغلال

كبوله زادت على الأكبال.

قال: فأعطوه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئا إلّا الماء القراح، فلمَّا كان في اليوم الثالث قامت فاطمة [عليه السلام] إلى الصاع الباقي فطحنته واختبزته، وصلَّى علي مع النبي (عليه السلام) ثمَّ أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم أسير فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، تأسرونا وتشدوننا ولا تطعمونا، أطعموني فإنِّي أسير محمد أطعمكم الله على موائد الجنة، فسمعه علي فأنشأ يقول:

فاطم يا ابنة النبي أحمد ... بنت نبي سيد مسوّد

هذا أسير للنبي المهتد ... مكبَّل في غلَّه مقيَّد

يشكو إلينا الجوع قد تمدد ... من يطعم اليوم يجده من غد

عند العلي الواحد الموحّد ... ما يزرع الزارع سوف يحصد

فأنشأت فاطمة تقول:

لم يبق مما جاء غير صاع ... قد ذهبت كفي مع الذراع

ابناي والله من الجياع ... يا رب لا تتركهما ضياع

أبوهما للخير ذو اصطناع ... يصطنع المعروف بابتداع

عبل الذراعين طويل الباع ... وما على رأسي من قناع

إلَّا قناعًا نسجه انساع.

قال: فأعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئًا إلَّا الماء القراح، فلمَّا أن كان في اليوم الرابع، وقد قضوا نذرهم أخذ علي [عليه السلام] بيده اليمنى الحسن وبيده اليسرى الحسين، وأقبل نحو رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وهم يرتعشون كالفراخ من شدَّة الجوع، فلمَّا نضر به النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال: يا أبا الحسن ما أشدّ ما يسوؤني ما أرى بكم، أنطلق إلى ابنتي فاطمة فانطلقوا إليها وهي في محرابها، وقد لصق بطنها بظهرها من شدَّة الجوع وغارت عيناها، فلمَّا رآها النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] قال: «وا غوثاه بالله، أهل بيت محمد يموتون جوعا» فهبط جبرائيل (عليه السلام) فقال: يا محمد خذها، هنَّأك الله في أهل بيتك قال: «وما أخذنا يا جبرائيل» فاقرأه هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ إلى قوله وَلا شُكُوراً إلى آخر السورة. قتادة بن مهران الباهلي في هذا الحديث: فوثب النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] حتَّى دخل على فاطمة، فلمَّا رأى ما بهم انكب عليهم يبكي، ثمَّ قال: أنتم من منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم، فهبط جبرائيل (عليه السلام) بهذه الآيات إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً قال: هي عين في دار النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] تفجر إلى دور الأنبياء (عليهم السلام) والمؤمنين. يُوفُونَ بِالنَّذْرِ يعني عليًّا وفاطمة والحسن والحسين وجاريتهم فضة وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ يقول على شهوتهم للطعام، وإيثارهم مسكينًا من مساكين المسلمين ويتيما من يتامى المسلمين، وأسيرًا من أسارى المشركين، ويقولون: إذا أطعموهم إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً قال: والله ما قالوا لهم هذا بألسنتهم، ولكنهم أضمروه في نفوسهم، فأخبر الله سبحانه بإضمارهم يقولون: لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً، فيتمنون علينا به ولكنَّا أعطيناكم لوجه الله وطلب ثوابه، قال الله سبحانه: فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً في الوجوه وَسُرُوراً في القلوب وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً يسكنونها وَحَرِيرًا يلبسونه، ويفترشونه مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً. قال ابن عباس: وبينا أهل الجنة في الجنة إذا رأوا ضوءًا كضوء الشمس وقد أشرقت الجنان لها فيقول أهل الجنة: يا رضوان قال: ربَّنا (عزّ وجلَّ) لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا فيقول لهم رضوان: ليست هذه بشمس ولا قمر ولكن هذه فاطمة وعلي ضحكًا ضحكًا أشرقت الجنان من نور ضحكهما، وفيهما أنزل الله سبحانه: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ إلى قوله: وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا))([1]).
وهناك من ذكر هذه المنقبة بصورةٍ موجزة([2])، إلَّا أنَّ بعض النفوس المريضة تأبى إلَّا حقدًا لآل البيت (عليهم السلام)، فتحاول تشتيت مناقبهم أو اجتزائها بالاختصار، أو جعل مناقبهم عامَّة وهي خاصَّة فيهم بنصِّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله)، أو يُشركون معهم غيرهم على نحو الاحتمال فيشتتون أذهان المسلمين كما في هذه المنقبة التي نسبها بعضهم إلى أحد الأنصار وهو أبو الدحداح([3])؛ ولكن يأبى الله تعالى إلَّا أن يُتمَّ نوره بتخليد هذه الفضائل ولو كره أعداء آل محمد (صلى الله عليه وآله)، فإنَّ الله تعالى له جنوده في حفظ منزلة أوليائه وكراماتهم .

الهوامش:
([1]) الكشف والبيان عن تفسير القرآن، الثعلبي (ت: 427هـ)، تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق: الأستاذ نظير الساعدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، ، ط1، 1422، هـ - 2002 م: 10/99 – 102 ، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، الألوسي (ت: 1270هـ)، تحقيق: علي عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية – بيروت، ط1، 1415 هـ: 15/173 .
([2]) ينظر: بحر العلوم، السمرقندي (ت: 373هـ): 3/526 ، تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زَمَنِين المالكي (ت: 399هـ)، تحقيق: أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز، الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة، ط1، 1423هـ - 2002م: 5/71.
([3]) تفسير مقاتل بن سليمان، أبو الحسن مقاتل بن سليمان البلخى (ت: 150هـ)، تحقيق: عبد الله محمود شحاته، دار إحياء التراث – بيروت، ط1، 1423 هـ: 4/525 .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1501 Seconds