الادارة المالية عند الإمام علي (عليه السلام) / أولاً: الخراج وعمارة الأرض.

مقالات وبحوث

الادارة المالية عند الإمام علي (عليه السلام) / أولاً: الخراج وعمارة الأرض.

641 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 04-04-2022

بقلم: م. م. هدى ياسر سعدون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين.

أما بعد:
يضع أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام القوانين في الإدارة المالية للولاة لا سيما في عهده لمالك الأشتر رحمه الله فيبين له أن الطبقة الرابعة من المجتمع هم أهل الخراج الذين يقومون بزراعة الأرض والاعتناء بها وجني المحاصيل التي تقوم عليها اقتصاديات البلد.. والإمام هنا يجسد روح العطف والحنان على هذه الطبقة ويأمر الوالي أن يهتم بها ويصلح من شأنها ولا يحملها من الأمر ما لا تطيق، فلا يرهقها ولا يثقل عليها بل ان الاعتناء بأهل الخراج وصلاحهم صلاح لعامة الناس، فإنهم ميمونو الأمة ويغدقون على الرعية بأهم احتياجاتها فإذا كانوا بخير استطاعوا أن يقدموا أحسن إنتاج وأفضله[1]، وذلك بقوله:
«وتفقّدْ أمْر الْخراجِ بِما يُصْلِحُ أهْلهُ، فإِنّ فِي صلاحِهِ وصلاحِهِمْ صلاحاً لِمنْ سِواهُمْ، ولا صلاح لِمنْ سِواهُمْ إِلاّ بِهِمْ، لانّ النّاس كُلّهُمْ عِيالٌ على الْخراجِ وأهْلِهِ...»[2].
فيما يضع الإمام (عليه السلام) قاعدة وهي: يجب أن تكون جباية الخراج (الضرائب) تراعي مصالح الذين يدفعونها وبذلك يكون نظاماً صالحاً وبصلاحه يصلح الناس فيما بينهم دون تمييز؛ لأنهم محتاجون إلى هذه الضرائب، فضلاً عن ذلك فقد عدّ الإمام (عليه السلام) منهجية الخراج وجبايته ركن الإصلاح، وبطبيعة الحال فإن هذا الإصلاح يمثل صلاح المجتمع اقتصادياً من جهة، ولمراعاة تكامل هذا الإصلاح فقد حث الإمام (عليه السلام) على أن يكون الناس بعضهم لبعض لأنهم –كما قال-:
«عِيالٌ على الْخراجِ وأهْلِهِ»[3].

من جهة أخرى. ولم تكن ضريبة الخراج هي الهدف –لدى الإمام (عليه السلام)- إنما السبيل لتحصيل الخراج لتحقيق التنمية الاقتصادية لأي مجتمع، لذلك أكد (عليه السلام) أن يكون الحاكم دقيقًا في هذه الأمور:
«ولْيكُنْ نظرُك فِي عِمارةِ الاْرْضِ أبْلغ مِنْ نظرِك فِي اسْتِجْلابِ الْخراجِ[4] لاِنّ ذلِك لا يُدْركُ إِلاّ بالْعِمارةِ، ومنْ طلب الْخراج بِغيْرِ عِمارة، أخْرب الْبِلاد، وأهْلك الْعِباد، ولمْ يسْتقِمْ أمْرُهُ إِلاّ قلِيلاًً..»[5].
أي ينبغي ان يكون اخذ هذه الضرائب ضمن نظام عادل وعلى أساس خطة محكمة، وليس لملء الخزينة فإنَّ ذلك يحدث خللاً في النظام الاقتصادي، ومن ثم يؤدي إلى تدهور أوضاع الرعية، ثم يعلل ذلك إذ يقول:
«لاِنّ ذلِك لا يُدْركُ إِلاّ بالْعِمارةِ»[6].
وبذلك أشار الإمام (عليه السلام) إلى عمارة الأرض[7].

«وهذه القاعدة عرفت عند علماء أصول علم المال في عصرنا بقاعدة «ليس للخراج أن يعرقل الإنتاج» وبقاعدة «الإنفاق العام منوط بالمصلحة العامة» أما قاعدة ليس للخراج أن يعرقل الإنتاج فمعناها «لا يجدر بالحكومة أن تضع ضريبة تحول دون السعي والإنتاج ونقص ثمرات المساعي الشعبية بتخريب وإهمال الأراضي الزراعية»[8]، وهذه القاعدة معناها أن تكون أموال الخراج في صالح الرعية جميعها دون تمييز. وبذلك الصدد يقول ابن خلدون: إن «معظم الجباية إنما هي من الفلاحين والتجار ولاسيما بعد وضع المكوس[9] ونمو الجباية بها فإذا انقبض الفلاحون عن الفلاحة وقعد التجار عن التجارة ذهبت جملة أو دخلها النقص المتفاحش وإذا قايس السلطان بين ما يحصل له من الجباية وبين هذه الأرباح القليلة وجدها بالنسبة إلى الجباية أقل من القليل ثم انه ولو كان مفيداً فيذهب له بحظ عظيم من الجباية فيما يعانيه من شراء أو بيعٌ فإنه من البعيد أن يوجد فيه من المكس، ولو كان غيره في تلك الصفقات لكان تكسبها كلها حاصلاً من جهة الجباية ثم فيه التعرّض لأهل عمرانه واختلال الدولة بفسادهم ونقصه، فإن الرعايا إذا قعدوا عن تثمير أموالهم بالفلاحة والتجارة نقصت»[10].
فيما يقول الإمام (عليه السلام) لواليه مالِك بْن الْحارِثِ الاْشْتر فِي عهْدِهِ إِليْهِ، حِين ولاّهُ مِصْر:
«جِبْاية خراجِها[11]، واسْتِصْلاح أهْلِها، وعِمارة بِلادِها»[12].

على حين تنبه ابن خلدون إلى ما أشار إليه الإمام (عليه السلام) بشأن عمارة الأرض وجبايتها وما لها في تقدم المجتمع من أثر، قائلاً: «إن الدولة هي السوق الأعظم للعالم ومنها مادة العمران فإذا احتجز السلطان الأموال والجبايات أو فقدت فلم يصرفها في مصارفها، قلّ حينئذ ما بأيدي الحاشية والحامية، وانقطع أيضاً ما كان يصل منهم لحاشيتهم وذويهم، وقلّت نفقاتهم جملة، وهو معظم السواد ونفقاتهم أكثر مادة للأسواق ممن سواهم، فيقع الكساد حينئذ في الأسواق، وتضعف الأرباح في المتاجر، فيقل الخراج لذلك، لأن الخراج والجباية إنما تكون في الاعتماد والمعاملات، ونفاق الأسواق وطلب الناس للفوائد والأرباح ووبال ذلك عائد على الدولة بالنقص لقلة أموال السلطان حينئذ بقلة الخراج، فالمال إنما هو متردد بين الرعية والسلطان منهم إليه ومنه إليهم، فإذا حبسه السلطان عنده فقدته الرعية سنة الله في عباده»[13]. فنخرج بمحصلة مفادها ان الإمام (عليه السلام) حث على أن يكون الهدف من جباية الخراج هو لعمارة البلاد وذلك من خلال ما أوصى به الوالي –ان يعمر بلده بالخراج- وليس لغرض جمعه.

وقد ذكّر الدكتور عبد المنعم الناصر بهذا بقوله: «نرى في أيامنا هذه أن الدول التي تريد رفع مستوى النمو الاقتصادي في بلادها تلجأ إلى تخفيض مقدار الضرائب على الدخل، لكي يشجع المستثمرون على توظيف أموالهم في التنمية والاستثمار، فتكون محصلة هذا القرار زيادة في مجمل ما يأتي الدولة من ضرائب على الدخل نتيجة التوسع في الإنتاج وارتفاع معدلات النمو الاقتصادي»[14]. ويبدو لنا ان الإمام (عليه السلام) أراد ذلك كون إصلاح الخراج لايكون إلا بعمارة البلاد. على حين ذكر الإمام (عليه السلام) عاقبة من يتوجه لجمع الخراج من دون النظر لعمارة الأرض معللاً ذلك بخراب البلاد وهلاك العباد، وذلك على اثر زيادة الخراج حيث يؤدي إلى ضعف خدمة الفلاحين[15] المزارعين في الأرض، ومن ثّم عدم استصلاحها ثم شعور الفلاحين بعدم النفع من عملهم هذا، فضلاً عن ذلك فإن الوالي جراء هذه المشاكل-ان عجز عن حلها- سيواجه اضطراباً في اقتصاد الدولة ولن يستقيم أمره إلا قليلاً[16])[17].

الهوامش:
[1] القمي، شرح نهج البلاغة، 5/59.
[2] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة (53)، 17/52.
[3] المصدر نفسه، 17/52.
[4] يقول ابن أبي الحديد «وجاءت برواية استحلاب الخراج»، المصدر نفسه، 17/53.
[5] المصدر نفسه، 17/52-53.
[6] المصدر نفسه، 17/52.
[7] جاء في أحد كتب الإمام (عليه السلام) مؤكداً على أهمية الأرض للحد من حدوث مشاكل كثيرة: «أما بعد فإنّ رجالاً من أهل الذمة من عملك ذكروا نهراً في أرضهم قد عفا وادفن وفيه لهم عمارة على المسلمين، فانظر أنت وهم، ثم أعمر وأصلح النهر، ولعمري لأن يعمروا أحب إلينا من أن يخرجوا أو يقصروا في واجب من صلاح البلاد والسلام». اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، 2/141؛ المحمودي، محمد باقر، منهاج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، مطبعة النعمان، (النجف- 1968)، 5/29-30؛ الاصبهاني، حسن الميرجهاني: مصباح البلاغة، (مستدركات نهج البلاغة)، مؤسسة التاريخ الإسلامي، (بيروت-2008)، 2/245.
[8] الفكيكي، الراعي والرعية، ص216؛ الفضلي، عبد الهادي، مشكلة الفقر، مطبعة النعمان، (النجف، د.ت)، ص36-41.
[9] المكوس: المكس: هو ضريبة كانت تؤخذ على السفن الواردة في البحر، ينظر: الخوارزمي، مفاتيح العلوم، ص59؛ وتسمى أيضاً بالمال الهلالي؛ لأنها تجبى مع كل هلال شهر عربي بعكس المال الخراجي الذي يجبى كل سنة، ينظر: المقريزي، المواعظ والاعتبار، 1/111.
[10] المقدمة، ص239؛ العبر، 1/182.
[11] قال القمي: جباية خراجها: المعبر عنه في عصرنا بالضرائب ولكنها ضرائب إسلامية، لم تؤخذ لجيوب الكبار من الطبقة الحاكمة... للأمير والملك وحاشيتهما في أمريكا وأوربا كما يفعله أمراء الضلال وحكام الباطل، بل دور هذه الضرائب أن تصرف في سد حاجة المحتاجين ورفع عوز المسكنة وستر عورة الفقراء البائسين، ينظر: شرح نهج البلاغة، 5/59.
[12] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، (53)، 17/25.
[13] المقدمة، ص239.
[14] فن إدارة الدولة، ص133-134.
[15] فيما ذكر الإمام (عليه السلام) في أحد كتبه قائلاً: «أنشدكم الله في فلاحي الأرض أن يظلموا قبلكم»؛ المجلسي، بحار الأنوار، 97/33.
[16] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 17/54.
[17] لمزيد من الاطلاع ينظر: الفكر الإداري عند الامام علي عليه السلام في نهج البلاغة، هدى ياسر سعدون، طبعة مؤسسة علوم نهج البلاغة، العتبة الحسينية المقدسة: ص 278 – 283.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1621 Seconds