من اثار نهج البلاغة في المستوى العقائدي لدى المفسرين: رابعاً: الجبر والتفويض.

مقالات وبحوث

من اثار نهج البلاغة في المستوى العقائدي لدى المفسرين: رابعاً: الجبر والتفويض.

611 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 08-05-2022

بقلم م. م. الشيخ محسن الخزاعي- جامعة الكوفة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين أساس الدين وعماد اليقين.

أما بعد:
من المؤكد أنَّ الثواب والعقاب لا يتعلقان إلاّ بالفعل الاختياري، فلو أنَّه سبحانه أجبر عباده على الطاعات أو المعاصي لم يكنْ جزاء المطيع بالجنة، والعاصي بالنار إلا جزافاً في مورد المطيع، وظلماً في مورد العاصي، والجزاف والظلم قبيحان عند العقلاء، ولزم الترجيح من غير مرجح، وهو قبيح عندهم أيضاً، ولا حجة في قبيح، إذ قال عزَّ من قائل: {... لِئلّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ}([1])، وقال تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا منْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}([2]).
وقد وقف المسلمون عند هذه المسألة بالبحث والنقاش، وقد اختلفوا في مسألتي الجبر والتفويض، وجاء المفسرون من اتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام ليلاحقوا ما ورد عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في هذه المسألة ليكون ذلك عاملاً موجهاً لآرائهم التفسيرية، فقد ورد عن الإمام علي عليه السلام أنَّ رجلاً سأله أثناء مسيره إلى صفين، قال: "يا أمير المؤمنين خبِّرنا عن مسيرنا هذا أبقضاء من الله وقدر، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: "أجل يا شيخ فو الله ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلا بقضاء من الله وقدر، فقال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين فقال: مهلاً يا شيخ ظننت قضاءً لازماً وقدراً حاتماً ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، إنَّ الله سبحانه أمر عباده تخيراً ونهاهم تحذيراً"([3]).
وقد جاء أئمة أهل البيت عليهم السلام ليؤكدوا هذه الرؤية عن الإمام علي عليه السلام في القول المشهر "لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين"([4]).
وقد أفاد السيد العلامة الطباطبائي من روايات أهل البيت ومن النهج بخاصة، فقد قال في معرض كلامه عن قوله تعالى: Pيُضِلّ بِهِ كثِيراً ويَهْدِى بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلّ بِهِ الا الْفَاسِقِينَO([5]): "أنَّ التشريع ليس مبنياً على أساسِ الإجبار في الأفعال، فالتكاليف مجعولة على وفق مصالح العباد في معاشهم، ومعادهم أولاً، وهي متوجهة إلى العباد من حيث إنَّهم مختارون في الفعل والترك ثانياً، والمكلفون إنما يثابون أو يعاقبون بما كسبت أيديهم من خير أو شر اختياراً "([6]).
مستدلاً بكلام الإمام علي عليه السلام الوارد في نهج البلاغة، بل أنه لم يكتفي بإيراد النص من نصوص نهج البلاغة وإنما علق عليه بقوله "أقول: قوله: (بقضاء من الله وقدر)، إلى قوله: (عند الله أحتسب عنائي)، ليعلم أنَّ من أقدم المباحث التي وقعت في الإسلام مورداً للنقض والإبرام، وتشاغبت فيه الأنظار مسألة الكلام، ومسألة القضاء والقدر"([7]).
فهو يجعل من كلام الإمام علي عليه السلام مساراً فكرياً يسير به نحو الكشف عن أدق التفاصيل في الآية القرآنية، ليعضد به رأيه التفسيري.
وهكذا فقد أفاد المفسرون من خطب وأقوال ووصايا الإمام علي عليه السلام التي وردت في نهج البلاغة وأصبحت مساراً فكرياً يسير المفسرون بموجبه[8].

الهوامش:
([1]) النساء، 165.
([2]) الأنفال، 44.
([3]) الميزان، 1/ 86، ونهج البلاغة، 4/ 17.
([4]) الكافي، 1/ 16، باب الاستطاعة، الهداية (في الأصول والفروع)، والتوحيد، الشيخ الصدوق، 380.
([5]) البقرة، 26.
([6]) الميزان، 1/ 85.
([7]) الميزان، 1/ 86.
([8] )لمزيد من الاطلاع ينظر: أثر نهج البلاغة في تفاسير الإمامية، الشيخ محسن الخزاعي، طبعة مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص  143-146.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1635 Seconds