الدنيا في خطب الإمام علي عليه السلام: في خطبة له (عليه السلام) تسمى بالقاصعة ومنها قال (عليه السلام) في التحذير من الشيطان

سلسلة قصار الحكم

الدنيا في خطب الإمام علي عليه السلام: في خطبة له (عليه السلام) تسمى بالقاصعة ومنها قال (عليه السلام) في التحذير من الشيطان

445 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 25-05-2024

بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي

الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد:
فَاحْذَرُوا - عِبَادَ اللَّه([1])-  عَدُوَّ اللَّه([2]) أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِه، وأَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ (بِنِدَائِه، وأَنْ يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ)([3]) بِخَيْلِه ورَجِلِه – إلى أن يقول عليه السلام: -  حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَه الْجَامِحَةُ مِنْكُمْ، واسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِيَّةُ مِنْه فِيكُمْ، فَنَجَمَتِ الْحَالُ مِنَ السّـِرِّ الْخَفِيِّ إِلَى الأَمْرِ الْجَلِيِّ، اسْتَفْحَلَ سُلْطَانُه عَلَيْكُمْ، ودَلَفَ بِجُنُودِه نَحْوَكُمْ، فَأَقْحَمُوكُمْ، وَلَجَاتِ الذُّلِّ، وأَحَلُّوكُمْ وَرَطَاتِ الْقَتْلِ، وأَوْطَئُوكُمْ إِثْخَانَ الْجِرَاحَةِ، طَعْناً فِي عُيُونِكُمْ، وحَزّاً فِي حُلُوقِكُمْ، ودَقّاً لِمَنَاخِرِكُمْ، وقَصْداً لِمَقَاتِلِكُمْ وسَوْقاً بِخَزَائِمِ الْقَهْرِ  إِلَى النَّارِ الْمُعَدَّةِ، فَأَصْبَحَ أَعْظَمَ فِي دِينِكُمْ حَرْجاً([4]) - وأَوْرَى فِي دُنْيَاكُمْ قَدْحاً  مِنَ الَّذِينَ أَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِبِينَ، وعَلَيْهِمْ مُتَأَلِّبِينَ([5])

شرح الألفاظ الغريبة:
يعدكم بدائه: أي يصيبكم بشيء من دائه بالمخالطة كما يعدي الأجرب السليم والضمير لإبليس؛ يستفزكم: يستنهضكم لما يريد؛ أجلب عليكم بخيله: أي ركبانه؛ ورجله: أي مشاقته، والمراد أعوان السوء؛ الجامحة: من جمح الفرس، وأراد بها هنا الطائفة التي لم تطعه؛ الطماعية: الطمع؛ ونجمت من السر إلى الخفي: أي بعد أن كانت وسوسة في الصدور، وهمساً  في القول، ظهرت إلى المجاهرة بالنداء ورفع الأيدي بالسلاح؛ دلفت: تقدمت؛ أقحموكم: ادخلوكم بغتة؛ الولجات: - جمع ولجة- بالتحريك – كهف يستتر فيه المارة من مطر ونحوه؛ أوطأه: أركبه؛ إثخان الجراحة: المبالغة فيها، أي أركبوكم الجراحات البالغة، كناية في إشعال الفتنة بينهم حتى يتقاتلوا؛ الخزائم: - جمع خزامة ككناية – وهي حلقة توضع في وتره أنف البعير فيشد فيها الزمام؛ أورى: أي أشد قدحاً للنار؛ مناصبين: مجاهرين لهم بالعداوة؛ متألبين مجتمعين([6])

الشرح:
حذرهم من إبليس باعتبار كونه عدو الله بعد أمرهم باعتبار حاله وما لزمه من الشقاوة بسبب معصية له أن يعيدهم بذلك الداء وهو الكبر الذي بسببه لزمته تلك الشقاوة.
ومعنى عداوته لله مجانبته لأوامره ومجاورته لطاعته إلى معصيته وهو مستعار، ولفظ الداء مستعار للكبر يقرب من الحقيقة فإن أدواء النفوس أشد من أدواء الأبدان ومحل أن يعديكم نصب على البدل من عدو.
ونقل عن القطب الرواوندي (رحمه الله) أنه مفعول ثان عن احذروا، وهو سهو، إذ هذا الفعل لا يتعدى إلى مفعولين.
وقوله: ((بخيله ورجله)): كناية عن اعوانه من الضالين المضلين الذين يستخفون الناس بالوسوسة والدعوة إلى طرق الضلال.
وقوله: ((حتى...)) إلى قوله: ((الجلي)): غاية من قوله: فوق وأغرق ورماكم.
واستعار وصف الجامحة للنفوس التي كانت عاصية لإبليس آبية عن الانقياد له.
وقوله: ((فنجمت الحال)): أي ظهرت الحال التي كان يرومها منكم ويظنها فيكم وهي الغواية والضلال من السر الخفي إلى الأمر الجلي: أي من القوة فيكم إلى سطوته وسلطانه إشارة إلى كمال قدرته على تطويع النفوس وقهرها.
((وجنوده)) كناية عن أهل الفساد في الأرض كما علمته فيما سبق.
ودلفه بهم، دخولهم بالفساد على الناس وتزييفهم لهم رذائل الخلاق وإغواؤهم إياهم.
ومن لوازم ذلك التحاسد والتباغض والتقاطع والتدابر وتفرق الكلمة.
ومن لوازم تفرق الكلمة أن يقحمهم العدو ولجات الذل ويحلهم ورطات القتل ويوطئهم إثخان الجراحة، ويحتمل أن يريد بسلطانه الذي استفحل عليه هو سلطان عدوهم ومن خالفهم كمعاوية وغيره وقوتهم عليهم بعد تفرق كلمتهم وقلة طاعتهم له عليه السلام وإضافة ذلك السلطان وجنوده إلى الشيطان ظاهرة لن سلطان الحق وجنوده يقال له سلطان وجنود الله، وسلطان الباطل يقال له سلطان الشيطان وجنوده جنود الشيطان وأوليائه وأعوانه، والظاهر أنهم عند تفرق كلمتهم قد استفحل عليهم سلطان إبليس ودلف بجنوده إليهم وهو مخالفوه عليه السلام، وانتصب إثخان الجراحة على أنه مفعول ثان لأوطأوكم.
ولفظ ((الولجات والورطات)) مستعاران للأحوال التي هي مظان الذل والقتل كالأماكن التي يفرون إليها من عدوهم ذلاً، والمواطن التي قتلوا فيها، أو لطاعتهم والاستسلام لهم.

وإقحامهم وإحلالهم إياها إلجاؤهم لهم إلى تلك الأحوال والأماكن ولذلك استعار وصف إيطائهم إثخان الجراحة ملاحظة لمشابهة وقوعها بهم للوطئ في استلزامه للأذى؛ وكنى بذلك المستعار عن إيقاعهم في حرارات الجراح؛ وإثخان مصدر قولك: أثخن في الجراح إذا كاثر فيه وبالغ حتى فشا فكانه ثخن.
قوله: ((طمعاً...)) إلى قوله: ((لمقاتلكم)): جعل محل الطعن العيون.
والحزّ: الحلوق، والدق: المناخر، والقصد المقاتل لأنها محالها المتعارفة عند إرادة الإذلال والإهانة والإهلاك، لأن الطعن وإن كان قد يقع في سائر البدن إلا أنه ابلغ في العيون وأفحش وكذلك في باقيها.
قال بعض الشارحين: انتصب طعناً وحزاً ودقاً وقصداً وسوقاً على المصادر عن أفعالها المقدرة، ومن روى لإثخان الجراحة – بوجود اللام – فيحتمل أن يجعل طعناً مفعولاً لأوطأوكم، ويكون اللام في الإثخان لام الغرض: أي أوطأوكم طعناً وحزاً ودقاً ليخنوا الجراحة فيكم، قال: ويكون قصداً وسوقاً خالصين للمصدرية لبعدهما عن المفعول به. والأظهر هو الوجه الأول أعني كون كل منهما مصدراً لفعله.
ولما كان الفاعل بهم هذه الأفعال كلها هو إبليس وجنوده فإن كان المراد بجنوده الساعين  بين الناس بالوسوسة والفساد في الأرض فمعنى فعلهم بهم هذه الأفعال كونهم أسبابا معدة لهم بالوسوسة المستلزمة لتفريق الكلمة ومخالفة الإمام لوقوع هذه الأفعال بهم من أعدائهم ومحاربيهم ثم يتبع فعل العدو لهم أن يسوقهم إلى النار بخزائم القهر، ولفظ الخزائم مستعار لما يمكن في جواهر نفوسهم من الرذايل الموبقة وملكات السوء التي لا محيص لهم من النار بسببها لمشابهتها الخزائم التي يقاد بها الإبل في كونها لا مخلص عما يقاد إليه بسببها.

ولفظ السوق ترشيح للاستعارة، وإن كان المراد بجنوده هم المخالفون له عليه السلام والمحاربون لأصحابه ففعلهم بهم تلك الأفعال ظاهر.
وأما السائق لهم إلى النار فيحتمل أن يكون هؤلاء وذلك بإذلالهم لهم وإدخالهم في باطلهم من قهر وذلة، ولا شك أن الدخول في باطلهم سبب جاذب إلى النار ولفظ الخزائم مستعار إذن إما لما يتمكن من باطلهم وعبثهم في النفوس، وإما لأوامرهم بالباطل وحملهم على ارتكاب المنكر، ويحتمل أن يكون السائل لهم هو إبليس وجنوده من الوسوسة.
ثم رجع إلى أفراده بالفعل نظراً إلى قوله: ((ودلف بجنوده)).
فقال بعده: ((فأصبح أعظم في دينكم جرحاً))، فاستعار لفظ الجرح للفساد المعقول الحاصل بسبب إبليس في دينهم، ووجه المشابهة كون الجرح فساداً في العضو أيضاً، وكذلك استعار لفظ القدح لوساوس إبليس المستلزمة لوجود الإحن والتباغض والتحاسد بينهم الموجب لتفريق كلمتهم المستلزم لتشتت سلطانهم وفساد نظامهم وما هم عليه من الأبهة واستقامة المعاش في الدنيا، ووجه المشابهة إفساد تلك الوساوس لأحوال معاشهم كإفساد قدح النار ما يقدح فيه، وجعله في حرج دينهم وإفساد دنياهم أشد من أعدائهم الذين هم مناصبون لهم والحم ظاهر الصدق؛ إذ كانت فتنة إبليس لهم في دينهم ودنياهم أصلاً لكل فتنة تلحقهم من أعدائهم باعتبار أنها سبب تفرقهم كما سبق([7]))([8]).

الهوامش:
([1]) (عباد الله): ليس في شرح نهج البلاغة لابن ميثم.
([2]) (عدو الله): ليس في نهج البلاغة للشيخ محمد عبده.
([3]) ما بين القوسين ليس في نهج البلاغة للشيخ العطار.
([4]) في نهج البلاغة لصبحي صالح: حَرْجاً) بدل: (جَرْحاً).
([5]) نهج البلاغة لصبحي صالح 287-288/ ضمن الخطبة رقم 192، نهج البلاغة للشيخ العطار: 384-385/ ضمن الخطبة رقم 192، شرح نهج البلاغة لاين ميثم 242/ ضمن الخطبة رقم 234، ونهج البلاغة للشيخ محمد عبده 1: 397-399.
([6]) شرح الألفاظ الغريبة: 651.
([7]) شرح نهج البلاغة لابن ميثم 4: 249-255/ ضمن شرح الخطبة رقم 234.
([8]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 234-239.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2167 Seconds