بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي
الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.
وبعد:
لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو اَلْآخِرَةَ بِغَيْرِ الْعَمَلِ ، وَيُرَجِّي التَّوْبَةَ بِطُولِ الْأَمَلِ، يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِدِينَ، وَيَعَمْلُ فِيهَا بِعَمَلِ الرَّاغِبِينَ، إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ؛ يَعْجِزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ ، وَيَبْتَغِي الزِّيَادَةَ فِيمَا بَقِيَ ، يَنْهَى وَلَا يَنْتَهِي ، وَيَأْمُرُ بِمَا لَا يَأْتِي، يُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَا يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ، وَيُبْغِضُ الْمُذْنِبِينَ وَهُوَ أَحَدُهُمْ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ، وَيُقِيمُ عَلَى مَا يَكْرَهُ الْمَوْتَ لَهُ، إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً، وَإِنْ صَحَ أَمِنَ لَاهِياً([1])
شرح الألفاظ الغريبة:
يُرَجِّي التوبة: - بالتشديد - أي يؤخّر التوبة؛ يقيم على الشيء: يداوم على إتيانه؛ سَقِيم : مَرِض([2]).
الشرح:
حاصل الفصل نهي طالب الموعظة عن أربع وثلاثين رذيلة، نذكر منها اثنا عشر رذيلة لما أخذنا من كلامه (عليه السلام):
أحدها: رجاء الآخرة وثوابها بغير عمل، فإنّ ذلك منى على الله، وقد علمت أن المنى بضائع النوكي.
الثانية: ترجيه التوبة أو إرجاؤها بطول الأمل فإن ذلك يستلزم البقاء على المعصية والعذاب بها في الآخرة.
الثالثة: أن يجمع بين قول الزاهدين في الدنيا وعمل الراغبين فيها، وهو خداع الله، وعمله فيها عمل الراغبين يستلزم أن يصيبه ما أصابهم من عذاب الآخرة بها.
الرابعة: أن لا يشبع مما يعطى منها، وذلك رذيلة الشره والحرص.
الخامسة: أن لا يقنع إن منع، وذلك رذيلة التفريط من فضيلة القناعة.
السادسة: أن يجمع بين العجز عن شكر ما أوتي من نعمة الله وبين طلب الزيادة من فاضلها، وهو جمع بين رذيلة التفريط من فضيلة الشكر وبين رذيلة الحرص.
السابعة: أن يجمع بين نهيه عن المعاصي وعدم تناهيه عنها، وهو نفاق وخداع الله.
الثامنة: أن يأمر بما يقصر عن فعله، وهو كالذي قبله.
التاسعة: أن يحب الصالحين ويقصر عن عملهم، وتقصيره النقض على محبته لهم.
العاشرة: أن يبغض المذنبين، وهو أحدهم، فيكون فعله كالنقض على بغضه لهم.
الحادية عشر: أن يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم على ما يكره الموت له من كثرة الذنوب فإقامته على ذنوبه كالنقض على كراهيته للموت لأجلها مع ما يلزمها من العذاب الأُخروي.
الثانية عشر : أن يجمع بين ندمه حال سقمه على تفريطه في جنب الله وبين لهوه في لذته حال أمنه وهو أيضاً كالتناقض([3]))([4]).
الهوامش:
([1]) نهج البلاغة لصبحي صالح: ٤٩٧ - ٤٩٨ / في (وقال (عليه السلام) لرجل سأله أن يعظه) رقم ١٥٠، ونهج البلاغة للشيخ العطار: ٦٦٢ / في (وقال (عليه السلام) لرجل سأله أن يعظه) رقم ١٤٠، وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ۵: ۳۲۸ في (وقال (عليه السلام) لرجل سأله أن يعظه) رقم ۱۳۷، ونهج البلاغة للشيخ محمد عبده ۲: ۱۸۱ في (وقال (عليه السلام) لرجل سأله أن يعظه).
([2]) شرح الألفاظ الغريبة: ۷۱۸.
([3]) شرح نهج البلاغة لابن ميثم ٥: ۳۲۹ - ۳۳۰ ضمن شرح وقال الله لرجل سأله أن يعظه) رقم ۱۳۷.
([4]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 348-350.