يُوفُونَ بِالنَّذْرِ...

مقالات وبحوث

يُوفُونَ بِالنَّذْرِ...

292 مشاهدة

الباحث: علي عباس فاضل
الحمد لله الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجا، والصلاة والسلام على المبلغ الأمين مستودع سر إله العالمين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين...
وبعد
ذكر القرآن الكريم حوادث كثيرة رافقت المدة التي نزل فيها وشرع لهذه الحوادث أحكاما، وكذلك نزلت آيات منه وسور بحق أشخاص محددين منها ما نزل بحق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، ومنها ما نزل بحق أعدائهم، وقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: (نَزَلَ الْقُرْآنُ أَثْلَاثاً ثُلُثٌ فِينَا وفِي عَدُوِّنَا وثُلُثٌ سُنَنٌ وأَمْثَالٌ وثُلُثٌ فَرَائِضُ وأَحْكَامٌ)([1]).
ووما نزل في أهل البيت (عليهم السلام) سورة الإنسان وهي قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا * إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا * إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا)([2]).
وسبب نزول هذه السورة مثلما نقلت لنا الروايات عن أئمة الهدى أنها نزلت في أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم صلوات ربي وسلامه)، إذ جاء عن الإمام الباقر (عليه السلام): (في قوله عز وجل: (يوفون بالنذر)، قال: مرض الحسن والحسين (عليهما السلام) وهما صبيان صغيران، فعادهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه رجلان ، فقال أحدهما: يا أبا الحسن، لو نذرت في ابنيك نذرا إن الله عافاهما. فقال : أصوم ثلاثة أيام شكرا لله عز وجل، وكذلك قالت فاطمة (عليها السلام)، وقال الصبيان: ونحن أيضا نصوم ثلاثة أيام، وكذلك قالت جاريتهم فضة، فألبسهما الله عافية، فأصبحوا صياما وليس عندهم طعام)([3]).

ومن ثم ذهب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى جار له من اليهود يقال له شمعون يعالج الصوف، فقال: هل لك أن تعطيني جزة([4]) من صوف تغزلها لك ابنة محمد بثلاثة أصوع من شعير؟ قال: نعم. فأعطاه فجاء بالصوف والشعير، وأخبر فاطمة (عليها السلام) فقبلت وأطاعت، ثم عمدت فغزلت ثلث الصوف، ثم أخذت صاعا من الشعير، فطحنته وعجنته، وخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد قرص، وصلى علي (عليه السلام) مع النبي (صلى الله عليه وآله) المغرب، ثم أتى منزله، فوضع الخوان وجلسوا خمستهم، فأول لقمة كسرها علي (عليه السلام) إذا مسكين قد وقف بالباب، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة. فوضع اللقمة من يده، وأمر بأن يعطى للمسكين، وعمدت مولاتنا فاطمة إلى ما كان في الخوان فدفعته إلى المسكين، وباتوا جياعا، وأصبحوا صياما لم يذوقوا إلا الماء القراح، ثم غزلت الثلث الثاني ممن الصوف في اليوم الثاني وأخذت صاعا آخر من شعير وعملت منه ما عملته بالأمس فتكررت الحال، وإذا بيتيم وقف ببابهم وطلب منهم إطعامه، فأعطوه ما كان عندهم، وأصبحوا صياما، ثم عمدت مولاتنا فاطمة إلى الثلث الباقي من الصوف فغزلته وأخذت صاعا من شعير وعملت منه خبر كسابقه، وما أن جلسوا كالسابق إذ وقف على بابهم أسير وطلب طعاما وقال تأسرونا وتشدونا ولا تطعمونا، فأمر أمير المؤمنين بإطعامه، فأعطوه طعامهم، وباتوا جياعا، وأصبحو مفطرين وليس عندهم شيء يأكلونه([5]).

فهذه التضحية وهذا الصبر والفداء الذي ظهر في هذه الحادثة العظيمة التي بينت مكانة هذا البيت المقدس في الملكوت الإلهي وخصهم الله بلطفه ورعايته وعنايته.

وأخذ أمير المؤمنين بالحسنين إلى جدهم رسول الله (صلوات الله عليهم) (فلما بصر بهم النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يا أبا الحسن، شد ما يسوءني ما أرى بكم، انطلق إلى ابنتي فاطمة. فانطلقوا إليها وهي في محرابها، قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها، فلما رآها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ضمها إليه وقال: وا غوثاه بالله، أنتم منذ ثلاث فيما أرى! فهبط جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد، خذ ما هيأ الله لك في أهل بيتك. قال: وما آخذ يا جبرئيل؟ قال: (هل أتى على الانسان حين من الدهر) حتى إذا بلغ (إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا))([6]).

وقد ضرب أهل البيت النبوي الشريف المثل الأروع في الإيثار، والمثل الأعلى في الصبر والصمود وقوة الإرادة، صغارًا وكبارًا، رجالاً ونساءً، وهذه هي سيرتهم العطرة التي ساروا عليها، وربوا عليها أبناءهم ومتعلقيهم، سيرة الإيثار والصمود والإرادة وقوة السلطان على النفس، وتربى عليها كثير ممن نشأوا في هذا البيت الطاهر، ومنهم أبو الفضل العباس والسيدة زينب الكبرى وغيرهم، من الذين تربوا في حجر هؤلاء، ونهلوا من سيرة هؤلاء، وساروا عليها([7]).

وختاما: نسأل الله العلي القدير أن يثبتنا على ولايتهم ومحبتهم في الدينا، ويرزقنا شفاعتهم وقربهم في الآخرة، إنه سميع الدعاء.
الهوامش:
[1])) الكافي: 2/ 627.
[2])) سورة الإنسان: 1-22.
[3])) الأمالي الصدوق: 329، تفسير نور الثقلين: 5/ 471.
[4])) الجزة: صوف شاه في سنة.
[5])) ينظر: الأمالي الصدوق: 329، تفسير نور الثقلين: 5/ 471.
[6])) الأمالي: 332.
[7])) ينظر: مقال محاضرة لسماحة السيد منير الخباز منشورة على الرابط: https://almoneer.org/?act=artc&id=1040.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 14.1567 Seconds