السعة الإلهية في العطاء

مقالات وبحوث

السعة الإلهية في العطاء

396 مشاهدة

الباحث: محمد حمزة الخفاجي
الْحَمْدُ لله خَالِقِ الْعِبَادِ وسَاطِحِ الْمِهَادِ، ومُسِيلِ الْوِهَادِ ومُخْصِبِ النِّجَادِ، لَيْسَ لأَوَّلِيَّتِه ابْتِدَاءٌ ولَا لأَزَلِيَّتِه انْقِضَاءٌ . . .
وبعد
قال تعالى في محكم كتابه الكريم: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[1].
تُبين الآية المباركة أن الله سبحانه وتعالى بيده العطاء والحرمان وأنه سبحانه يقبض ويبسط وإليه ترجع الأمور، ولكن سبحانه يبسط بأسباب ويقبض بأسباب وكان من أسباب زيادة الرزق الصدقة ومساعدة الآخرين قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}[2].
فالذي يبسط يده للناس وينفق مما آتاه الله من فضله فسبحانه وتعالى يبسط له يده بالعطاء، ويد الله أوسع من يد العبد، قَالَ الإمام علي (عليه السلام): (مَنْ يُعْطِ بِالْيَدِ الْقَصِيرَةِ يُعْطَ بِالْيَدِ الطَّوِيلَةِ). قال الرضي (رحمه الله): (ومعنى ذلك أن ما ينفقه المرء من ماله في سبيل الخير والبر وإن كان يسيرا، فإن الله تعالى يجعل الجزاء عليه عظيما كثيرا، واليدان هاهنا عبارة عن النعمتين، ففرق (عليه السلام) بين نعمة العبد ونعمة الرب تعالى ذكره بالقصيرة والطويلة فجعل تلك قصيرة وهذه طويلة لأن نعم الله أبدا تضعف على نعم المخلوق أضعافا كثيرة إذ كانت نعم الله أصل النعم كلها فكل نعمة إليها ترجع ومنها تنزع)[3].
فالإنسان مهما كان كريما فيد الله أكرم ومهما كان عطاء الإنسان جزيلاً فإن عطاء الله أجزل هذا ما بينه الامام (عليه السلام) في هذه الحكمة.
وفي طرق العامة قال أبو ذرّ: (يا نبي الله أرأيت الصدقة ماذا هي؟ قال: «أضعاف مضاعفة وعند الله المزيد»)[4]، وقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}[5].
جاء في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}. قال (عليه السلام): فأما الحسنى فهي الجنة، وأما الزيادة فالدنيا، ما أعطاهم الله فيها لم يحاسبهم به في الآخرة، ويجمع الله لهم ثواب الدنيا والآخرة، ويثيبهم بأحسن أعمالهم في الدنيا والآخرة، يقول الله: {وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[6].
فهذا هو العطاء الذي يتحدث عنه الإمام علي (عليه السلام) فسبحانه وتعالى يعطي بغير حساب وهذا العطاء ممدود لا نفاد له ولا انقطاع سواء في عالم الدنيا أو في الآخرة، قال تعالى: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}[7]، أي غير مقطوع.
فنسأل الله أن لا يحرمنا عطاءه وأن يجعلنا من عباده المقربين.
الهوامش:
[1] - سورة البقرة: 245.
[2] - سورة الحديد: 11.
[3] - نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح: 509.
[4] - شرح أصول الكافي: 1 / 179.
[5] - سورة يونس: 26.
[6] - البرهان في تفسير القرآن: السيد هاشم البحراني: 3 / 25.
[7] - سورة هود: 108.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1169 Seconds