خَبَّاب بن الأرت، سابق النبط

علي ومعاصروه

خَبَّاب بن الأرت، سابق النبط

1K مشاهدة

خُطَى الخُزَاعي

((يرحم الله خبَّاب بن الأرت، فلقد أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله، وعاش مجاهدًا))([1]).
قدَّم أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) الصحابي الجليل خبابَ بن الأرت (رضي الله عنه) واضعًا إياه في دائرة ضوء مفصحًا عمَّا تمتعت به شخصيته الفذة في الواقع من مزايا عالية وصفات جليلة، خاصًا إياه بتزكية لا تُتاح إلَا للقلة المميزة من الناس بمحضر جمع متلقٍ قد يكون فيهم من قصد أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) التعريض به والتلميح إلى تقصيره، أو من أراد حثَّه على اقتفاء الأثر والسير على الطريق، بإضاءة أبانت حسن اعتقاد، وحسن صفات، وحسن سيرة وعطاء، ثم حسن عاقبة.
((هو خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، يكنى أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد وقيل: أبو يحيى، أصابه سبى فبيع بمكة)) ([2]).
باكورة فضائله إسلام عن رغبة فقال (صلوات الله عليه) عن ذلك: ((فلقد أسلم راغبًا))، مجليًّا بهذه الحقيقة عن خلوص اعتقاد من شوائب الغايات وفوضى المقاصد، فالتحق بالدين معتقدًا به راغبًا فيه مصدِّقًا اعتقاده بتحمله في سبيل دينه ألوانًا من الأذى والتنكيل، وقد وثَّق التاريخ رحلة عذابات مريرة طالته على أيدي المشركين الذين عجزوا في نهاية المطاف عن حرفه عمَّا اختاره برغبته من الوجهة الحق لينظم مبكرًا إلى رعيل الإسلام الأول فكان سادس المتنورين بنور الإسلام، وممَّا قيل عنه بهذا الشأن: ((هو قديم الإسلام، وأنّه كان سادس ستّة، وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وهو معدود في المعذّبين في الله)) ([3])، ورووا أيضًا: ((فجعلوا يلصقون ظهره بالأرض على الرضف حتى ذهب ماء متنه)) ([4]).
ثم يُنير (صلوات الله عليه) مرة أُخرى على حسن عقيدته وخلوصها بذكر فضيلة أُخرى بقوله: ((وهاجر طائعًا))، مسقطًا أي دافع يمكن أن يُتَصور لهجرته (رضوان الله عليه) إلّا التعبد بأمر الله تعالى والامتثال له نصرة للدين، فكان من الممكن أن يُتَصور أنَّ الهجرة بالنسبة إليه كانت كالمنتشل له من حياة بائسة مكدرة بالتعذيب والإهانة، فيكون من بديهيات الأهداف المتصورة في الهجرة وأولوياتها هو الخلاص من ذلك الواقع والانتقال إلى حياة أخرى تحقق له أمنًا وكرامة، ولكن ما أن ينطق لسان الوحي قائلًا: ((وهاجر طائعًا)) حتى لا يبقى لمثل هكذا تصورات قيمة أو اعتبار، إذ عندما يفصح المعصوم (صلوات الله عليه) عن شيء فحتمًا أنَّه أراد واقعيته متجاوزًا معطيات الظواهر والترجيحات، فهو من تتجلّى له النيات والبواطن كما تتجلّى لغيره بديهيات الأشياء، فرأى (صلوات الله عليه) في هجرته الطاعة لله محركًا، وقد وثّقوا هجرته فقالو: ((هاجر النبي (صلّى اللَّه عليه وآله) وهاجر خباب، نزل هو والمقداد على كلثوم بن الهدم، فلم يبرحا منزله حتى توفي قبل بدر بيسير، فتحولا على سعد بن عبادة فلم يزالا عنده حتى فتحت قريظة، وآخى النبي (صلّى اللَّه عليه وآله) بين خباب وجبر بن عتيك الأوسي)) ([5]).
ثم بقوله (صلوات الله عليه): ((وقنع بالكفاف))، ((ورضي عن الله))، أبان عن صفات كريمة تحلَّت بها شخصية هذا الصحابي، فكشف عن قناعة غلبت على طبعه، أرتضى معها حياة الكفاف والزهد مكتفيًا بأقل الإمكانات متأسيًا بزهد صاحب الرسالة وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين)، وإنَّه لم يكن متكلفًا لذلك؛ بل تقبله بنفس راضيةٍ بما قدرَّه الله تعالى له من حياة اتسمت بالفقر وحُفَّت بالأذى والمتاعب، وكان (رحمه الله) من جملة الناس الذين كان يُنظر إليهم آنذاك بعين فوقية وازدراء فأنزل الله تعالى فيه مع آخرين قوله تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} (الأنعام:52)، فقال خباب في شأن نزولها: ((كنّا ضعفاء عند النبي (صلّى اللَّه عليه وآله) بالغداة والعشي يعلّمنا القرآن والخير، وكان يخوفنا بالجنّة والنار، وما ينفعنا وبالموت والبعث، فجاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، فقالا: إنّا من أشراف قومنا وإنّا نكره أن يرونا معهم فأطردهم إذا جالسناك... فنزلت الآيات)) ([6]).
ثم ختم (صلوات الله عليه) على فضيلة جهاده بقوله: ((وعاش مجاهدًا))، تلك الفضيلة التي استبان شيء منها في أول الحديث بأنَّه جاهد في أول الدعوة بتحمله أذى الكفار، ثم واصل جهاده مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واضعًا بصمته في كل معركة قادها (صلى الله عليه وآله)، فكان (رضوان الله عليه) من الثلة الأولى ذات الأيادي البيضاء في تشييد دعامة الإسلام وتقوية شوكته وحفظ بيضته([7]) فروي أنَّه: ((لم يتخلّف عن مشهد من مشاهد النبي (صلّى اللَّه عليه [وآله])) ([8]).
اختلف في تاريخ وفاته، فقيل إنَّه توفي بعد خروج أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) إلى معركة صفين وبعد منصرفه منها شاهد قبرًا بظهر الكوفة فسأل عنه فقيل له إنَّه قبر خباب بن الأرت فوقف على قبره وقال تلك الكلمات([9])، وبعضهم قال إنَّه اشترك مع أمير المؤمنين في معركة صفين والنهروان وكانت وفاته عام (39)، وله من العمر ثلاث وسبعين سنة وهو أوّل من دفن بظهر الكوفة من الصحابة ([10])، ومن دعائه (صلوات الله عليه) له في صدر الكلام بتنزل الرحمة عليه دلالة على حسن خاتمته ومقبوليته عند الله تعالى. 
وختام الكلام تعريجة عند قول لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) يُثبت لخباب بن الأرت أسبقية لدين الله تعالى مشرفة فقال في الخصال: ((السّباق خمسة: فأنا سابق العرب، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة، وصهيب سابق الرّوم، وخباب سابق النبط))([11]).
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

الهوامش:
[1] نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح: 476، (رقم: 43).
[2] شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد (ت: 656): 18/171.
[3] المصدر نفسه.
[4] أنساب الأشراف، البَلَاذُري (ت: 279هـ): 1/176.
[5] المصدر نفسه: 1/177.
[6] أعيان الشيعة، محسن الأمين (ت:1371): 6/306.
[7] كان الجهاد فيه أصيلًا ورَّثه ولده عبد الله الذي سار على ذات المنهج والسيرة، سماه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بـ (عبد الله)، وكان ورعًا تقيًا، استشهد لأجل توليه أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) على أيدي شر الخلق والخليقة الخوارج المارقين بقتلة مروعة؛ إذ ذبحوه وبقروا بطن زوجته الحامل، وكان أمير المؤمنين يذكره ويحمّل الخوارج مسؤولية سفك دمه (رحمه الله ووالده).
[8] أنساب الأشراف: 1/177.
[9] ينظر: وقعة صفين، ابن مزاحم المنقري (ت: 212): 531.
[10] ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 18/172.
[11] الخصال، الشيخ الصدوق (ت:381): 312، ح89.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1032 Seconds