محطَّات مؤلمة في خطبة الزهراء (عليها السلام)

علي ومعاصروه

محطَّات مؤلمة في خطبة الزهراء (عليها السلام)

653 مشاهدة

عمَّار حسن الخزاعي

الخطبة المُسمَّات بالخطبة الفدكيَّة من النصوص التي خلَّدها التاريخ؛ بل أذن الله تعالى أن تبقى على مرِّ العصور والأيَّام شاهدةً على حدثٍ مأسويٍّ ألمَّ بالإسلام في مطلعِ حياته، فبعد أن أزهر الإسلام بجهود محمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله)، وأخذ نوره يشعُّ بين أرجاء المعمورة، وما إن استقرَّت قواعده أكمله النبيُّ بولاية وصيِّه أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام)، وبلَّغ بذلك على رؤوس الأشهاد في محضرٍ بلغ أُلوف الأصحاب، ثمَّ بعد ما أتمَّ الحجَّة وبالغ في بيانها لبَّى نداء ربِّه لتبدأ بعده ساعة الابتلاء، ليميز الله تعالى صادق النيَّة من سقيم السريرة، وهنا ظهرت حسيكة النِّفاق فأقصي الوصيُّ عن السُّلطة، واغتصب القوم حقَّ الوديعة، وهي البنت الوحيدة التي تركها الرسول عندهم، فأخذوا إرثها وتواطؤوا على ظلمها، وهنا قرَّرت الزهراء (عليها السَّلام) أن تأخذ دور المبلِّغ من أجل إقامة الحجَّة حتَّى لا تَقُولَ نَفْسٌ ((لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ)) [الزمر: 57 - 58] . فأقبلت الزهراء في لُمَّةٍ من نساء قومها لتقف بوجه السُّلطان في أوَّلِ معارضةٍ لانحراف الأمر ابتغاءً منها لتعديل المسار وإلقاء الحجَّة على رؤوس الأشهاد، فوقفت أمام السُّلطان وهو في عزِّ ملكه وعرين سلطانه وزهو حاشيته به، وما إن توسَّطت المكان حتَّى أجهش القوم بالبكاء، ولعمري بأيِّ تفسيرٍ يمكن قراءة تلك الدُّموع، فأين أنتم عندما سُلبت حقوق ابنة نبيِّكم الذي ما تزال حرارة تربة قبره قائمة، وقد صال الحاكم على بيتها وجال بمرأى منكم ومحضرٍ من رجالاتكم؛ ولكن إلى الله المشتكى .

فبدأت الزَّهراء خطبتها بالحمد والثناء لله تعالى بأبلغ قولٍ وأفصح لسانٍ فقالت: ((الْحَمْدُ للهِ عَلى ما أنْعَمَ، وَلَهُ الشُّكْرُ على ما أَلْهَمَ، وَالثَّناءُ بِما قَدَّمَ، مِنْ عُمومِ نِعَمٍ ابْتَدَأها، وَسُبُوغ آلاءٍ أسْداها، وَتَمامِ مِنَنٍ والاها، جَمَّ عَنِ الإحْصاءِ عدَدُها))([1])، ثمَّ تشهدت بالشهادتين مذكِّرةً القوم بالتوحيد ومفهومه بوصفٍ يقلُّ نظيره ويستحكم في الذِّهن دلائله، وفي هذا الشأن قالت: ((وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الإخْلاصَ تَأْويلَها، وَضَمَّنَ الْقُلُوبَ مَوْصُولَها، وَأَنارَ في الْفِكَرِ مَعْقُولَها. الْمُمْتَنِعُ مِنَ الإبْصارِ رُؤْيِتُهُ، وَمِنَ اْلأَلْسُنِ صِفَتُهُ، وَمِنَ الأَوْهامِ كَيْفِيَّتُهُ))([2])، بعده انتقلت للشهادة بالنبوَّة لأبيها مبيِّنةً لهم مفهوم الاصطفاء وعِلَّة البعث بلسان مداده علم من لدن الله تعالى فقالت: ((وَأَشْهَدُ أنّ أبي مُحَمَّداً صلّى الله عليه وآله عبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اخْتارَهُ وَانْتَجَبَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ، وَسَمّاهُ قَبْلَ أنِ اجْتَبَلَهُ، وَاصْطِفاهُ قَبْلَ أنِ ابْتَعَثَهُ، إذِ الْخَلائِقُ بالغَيْبِ مَكْنُونَةٌ، وَبِسِتْرِ الأَهاويل مَصُونَةٌ، وَبِنِهايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ، عِلْماً مِنَ اللهِ تَعالى بِمآيِلِ الأُمُور، وَإحاطَةً بِحَوادِثِ الدُّهُورِ، وَمَعْرِفَةً بِمَواقِعِ الْمَقْدُورِ. ابْتَعَثَهُ اللهُ تعالى إتْماماً لأمْرِهِ، وَعَزيمَةً على إمْضاءِ حُكْمِهِ، وَإنْفاذاً لِمَقادِير حَتْمِهِ))([3]) . بعدها انتقلت الزَّهراء (عليه السلام) إلى بيان نعم أبيها على الإسلام بتسلسلٍ مترابط وبوعيِّ البليغ العارف بمكامن القلوب وأسرار البيان فقالت: ((فَأَنارَ اللهُ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ظُلَمَها، وكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بُهَمَها، وَجَلّى عَنِ الأَبْصارِ غُمَمَها، وَقَامَ في النّاسِ بِالهِدايَةِ، وأنقَذَهُمْ مِنَ الغَوايَةِ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ العَمايَةِ، وهَداهُمْ إلى الدّينِ القَويمِ، وَدَعاهُمْ إلى الطَّريقِ المُستَقيمِ))([4])، وبعدما أتمَّ الحجَّة اختاره الله تعالى إليه رغبةً به وحبًّا له من أجل مجازاته على عظيم ما بذل في ذاته سبحانه، وهذا المعنى نجده في قولها (عليها السلام): ((ثُمَّ قَبَضَهُ اللهُ إليْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَاختِيارٍ، ورَغْبَةٍ وَإيثارٍ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله عَنْ تَعَبِ هذِهِ الدّارِ في راحةٍ، قَدْ حُفَّ بالمَلائِكَةِ الأبْرارِ، وَرِضْوانِ الرَّبَّ الغَفارِ، ومُجاوَرَةِ المَلِكِ الجَبّارِ))([5]) . ثمَّ تنتقل الزهراء (عليها السلام) إلى بيان قيمة المؤمن الحقيقي مع بيان أهميَّة الأحكام الدِّينيَّة بالنسبة له، ثمَّ بيَّنت آثار العبادات على المؤمن في عرضٍ وافٍ على قدرٍ عالٍ من سموِّ الكلمة ورفعة التراكيب، ومن جملة ما قالت في هذا الصَّدد: ((فَجَعَلَ اللهُ الإيمانَ تَطْهيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاةَ تَنْزِيهاً لَكُمْ عَنِ الكِبْرِ، والزَّكاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَنَماءً في الرِّزْق، والصِّيامَ تَثْبيتاً للإِخْلاصِ، والحَجَّ تَشْييداً لِلدّينِ، وَالعَدْلَ تَنْسيقاً لِلْقُلوبِ، وَطاعَتَنا نِظاماً لِلْمِلَّةِ، وَإمامَتَنا أماناً مِنَ الْفُرْقَةِ، وَالْجِهادَ عِزاً لِلإْسْلامِ، وَالصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَى اسْتِيجابِ الأْجْرِ، وَالأْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعامَّةِ، وَبِرَّ الْوالِدَيْنِ وِقايَةً مِنَ السَّخَطِ، وَصِلَةَ الأَرْحامِ مَنْماةً لِلْعَدَدِ، وَالْقِصاصَ حِصْناً لِلدِّماءِ، وَالْوَفاءَ بِالنَّذْرِ تَعْريضاً لِلْمَغْفِرَةِ، وَتَوْفِيَةَ الْمَكاييلِ وَالْمَوَازينِ تَغْييراً لِلْبَخْسِ، وَالنَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ، وَاجْتِنابَ الْقَذْفِ حِجاباً عَنِ اللَّعْنَةِ، وَتَرْكَ السِّرْقَةِ إيجاباً لِلْعِفَّةِ. وَحَرَّمَ الله الشِّرْكَ إخلاصاً لَهُ بالرُّبُوبِيَّةِ، {فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ} وَ أطيعُوا اللهَ فيما أمَرَكُمْ بِهِ وَنَهاكُمْ عَنْهُ، فَإنَّه {إنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ العُلِماءُ}))([6])، وأرادت الزهراء (عليه السلام) من هذا القول بيان حقيقة القوم عبر الموازين الإيمانيَّة للأحكام الشرعيَّة، فليس كلُّ من تعبَّد وأطاع فقد نال شرف الإيمان؛ لأنَّ الله تعالى ((إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)) [المائدة: 27]، ولا يمكن أن يدَّعي الإيمان شخص من دون أن تكون آثاره ظاهرة عليه، وبذلك جعلت الزهراء (عليها السلام) القوم أمام حقيقة أنفسهم بلا غطاء أو حجاب؛ لأنَّهم بأفعالهم بعد رحيل نبيِّهم تبيَّن أنَّهم يدَّعون بأفواههم ما ليس في قلوبهم . ثمَّ انتقلت الزهراء (عليه السلام) إلى بيان قيمتها وسلامة عصمتها وعلاقتها برسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد أن أوضحت لهم قيمة هذا النبيِّ وفضائله عليهم فقالت: ((أيُّها النّاسُ؛ اعْلَمُوا أنِّي فاطِمَةُ، وَأبي مُحمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، أَقُولُ عَوْداً وَبَدْءاً، وَلا أقُولُ ما أقُولُ غَلَطاً، وَلا أفْعَلُ ما أفْعَلُ شَطَطاً: {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيم} فَإنْ تَعْزُوه وَتَعْرِفُوهُ تَجِدُوهُ أبي دُونَ نِسائِكُمْ، وَأخا ابْنِ عَمَّي دُونَ رِجالِكُمْ))([7])، ثمَّ تنتقل الزهراء (عليها السلام) إلى بيان حال العرب قبل مجيء الرسول، وكيف كانوا أذلَّاء متفرقين في جاهليَّةٍ عمياء وعبوديَّةٍ ظلماء، فأنقذهم الله تعالى بأبيها وبعلها أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمَّ تقارن بين مواقفهم في نصرة الإسلام وبين موقف أبيها وابن عمِّه أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي جاهد بسيفه ونصر الإسلام بجهده فقتل أئمَّة الكفر وتصدَّى لأعتى شراذمة الشرك، ومع ذلك أُقصي عن الحكم والسلطان ليقعد مكانه من كان ناعمًا في العيش وادعًا بالسلام متجنِّبًا النزال في الحرب وهاربًا في القتال والجهاد، وهذا المعنى نجده في قولها: ((فَأنْقَذَكُمُ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى بِمُحَمَّدٍ صَلى الله عليه وآله بَعْدَ اللّتَيّا وَالَّتِي، وَبَعْدَ أنْ مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجالِ وَذُؤْبانِ الْعَرَبِ وَمَرَدَةِ أهْلِ الْكِتابِ، {كُلَّما أوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهُ}، أوْنَجَمَ قَرْنٌ لِلْشَّيْطانِ، وَفَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَذَفَ أخاهُ في لَهَواتِها، فَلا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ صِماخَها بِأَخْمَصِهِ، وِيُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ، مَكْدُوداً في ذاتِ اللّهِ، مُجْتَهِداً في أمْرِ اللهِ، قَرِيباً مِنْ رِسُولِ اللّهِ سِيِّدَ أوْلياءِ اللّهِ، مُشْمِّراً ناصِحاً ، مُجِدّاً كادِحاً ـ وأَنْتُمْ فِي رَفاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَادِعُونَ فاكِهُونَ آمِنُونَ، تَتَرَبَّصُونَ بِنا الدَّوائِرَ، وتَتَوَكَّفُونَ الأَخْبارَ، وَتَنْكُصُونَ عِنْدَ النِّزالِ، وَتَفِرُّونَ عِنْدَ القِتالِ))([8])، ثمَّ بيَّنت انقلاب القوم بعد رحيل النبي وظهور حقيقتهم من النِّفاق وطاعة الشيطان فقالت: ((فَلَمَّا اخْتارَ اللّهُ لِنَبِيِّهِ دارَ أنْبِيائِهِ وَمَأْوى أصْفِيائِهِ، ظَهَرَ فيكُمْ حَسيكَةُ النِّفاقِ وَسَمَلَ جِلبْابُ الدّينِ، وَنَطَقَ كاظِمُ الْغاوِينِ، وَنَبَغَ خامِلُ الأَقَلِّينَ، وَهَدَرَ فَنيقُ الْمُبْطِلِين. فَخَطَرَ فِي عَرَصاتِكُمْ، وَأَطْلَعَ الشيْطانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرِزِهِ، هاتفاً بِكُمْ، فَأَلْفاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُسْتَجيبينَ، وَلِلْغِرَّةِ فِيهِ مُلاحِظِينَ. ثُمَّ اسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ خِفافاً، وَأَحْمَشَكُمْ فَأَلْفاكَمْ غِضاباً، فَوَسَمْـتُمْ غَيْرَ اِبِلِكُمْ، وَأَوْرَدْتُمْ غَيْرَ شِرْبِكُمْ، هذا وَالْعَهْدُ قَريبٌ، وَالْكَلْمُ رَحِيبٌ، وَالْجُرْحُ لَمّا يَنْدَمِلْ، وَالرِّسُولُ لَمّا يُقْبَرْ))([9])، وبهذا النَّص قد بيَّنت الزهراء (عليها السلام) بجلاءٍ لا غبار عليه الحقيقة التي صار عليها القوم من سيطرة الشيطان عليهم واستجابتهم له وطاعتهم لغوايته . ثمَّ بعد ذلك توجَّهت الزهراء بنداءٍ إلى عموم المسلمين فقالت: ((أَيُهَا الْمُسْلِمونَ أاُغْلَبُ عَلى ارْثِيَهْ يَا ابْنَ أبي قُحافَةَ! أفي كِتابِ اللّهِ أنْ تَرِثَ أباكَ، وِلا أرِثَ أبي؟ {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيًّا}، أَفَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتابَ اللّهِ، وَنَبَذْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ اذْ يَقُولُ: {وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ}، وَقالَ فيمَا اخْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيَي بْنِ زَكَرِيّا عليهما السلام اذْ قالَ رَبِّ {هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِياًّ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} وَقَالَ: {وَاُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّه} وَقالَ: {يُوصِكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ لِلذكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنْثَيَيْنِ} وقال: {انْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والْأَقْرَبِبنَ بِالْمعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}. وزَعَمْتُمْ أَلَا حِظوَةَ لِي، وَلا إرْثَ مِنْ أبي ولارَحِمَ بَيْنَنَا! أَفَخَصَّكُمُ اللهُ بِآيَةٍ أخْرَجَ مِنْها أبِي؟ أمْ هَلْ تَقُولونَ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لا يَتَوارَثَانِ، أوَ لَسْتُ أَنَا وَأَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ واحِدَةٍ؟! أَمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَابْنِ عَمّي؟))([10]) هكذا كان حجاج الزَّهراء (عليها السلام) للقوم معتمدًا على القرآن الكريم فأبانت الحجَّة وبرهنت على الحقيقة مستدِّلَّةً بنصوص صريحة في القرآن الكريم تنصُّ على وراثة أبناء الأنبياء لآبائهم ردًّا على دعوى أبي بكرٍ من أنَّ الأنبياء لا يورِّثون، ثمَّ ختمت هذا النَّص بأنَّ اللقاء سيكون عند الله تعالى بمحضر الزعيم محمَّد (صلى الله عليه وآله)، وهنالك سيحكم الله تعالى بالحقِّ ويخسر المبطلون . وأكثر ما يمكن أن يتعجَّب الإنسان منه أنَّ الزهراء بعد هذا البيان المفعم بالحجَّة والبرهان، وما حملت خطبتها ألمٍ وشجن وحسرةٍ وبكاء، لم تجد استجابةً من المسلمين سوى دمعات سرعان ما جفَّت بحرارة قساوة القلوب، على الرغم من استنصارها للمسلمين ودعوتها لهم للمؤازرة في طلب حقِّها؛ ولكن لا مجيب، وهذا ممَّا يتوقَّف عنده التفكير، فكيف أنَّ الزهراء (عليها السلام) تطلب النصرة ولا مجيب لها، ولا أجد تفسيرًا لذلك سوى ما قلته الزهراء (عليه السلام) من أنَّ القوم صاروا على أقسام قسم ظهرت فيهم ((حَسيكَةُ النِّفاقِ وَسَمَلَ جِلبْابُ الدّينِ))، وقسم هتف فيهم الشيطان فألفاهم: ((لِدَعْوَتِهِ مُسْتَجيبينَ، وَلِلْغِرَّةِ فِيهِ مُلاحِظِينَ))، وقسم أخذته الدُّنيا بزهوها فانخدع بنعيمها وأخلد إلى راحتها، وهم الذين وصفتهم الزهراء (عليه السلام) بقولها: ((أَلا قَدْ أرى أنْ قَدْ أَخْلَدْتُمْ إلَى الْخَفْضِ، وَأبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْبَسْطِ وَالْقَبْضِ، وَخَلَوْتُمْ بِالدَّعَةِ، وَنَجَوْتُمْ مِنَ الضِّيقِ بِالسَّعَةِ))، وهكذا ترجع الزهراء (عليها السلام) إلى بيتها مقهورةً حزينةً مظلومةً لا تجد لها ناصرًا ولا معينًا ما خلا بعلها وقليلٍ من الأصحاب الذين لا تستقيم بهم الشوكة في قبال السُّلطة وإمكانياتها. جعلنا الله وإيَّاكم ممَّن ينصر الزهراء في الدُّنيا والآخرة .

الهوامش:
([1]) الإحتجاج، الشيخ الطبرسي (ت: 548 هـ): 1/132 .
([2]) المصدر نفسه: 1/132 – 133 .
([3]) الإحتجاج: 1/133 .
([4]) المصدر نفسه .
([5]) المصدر نفسه .
([6]) المصدر نفسه: 1/134 .
([7]) الإحتجاج: 1/134 .
([8]) المصدر نفسه: 1/136 .
([9]) المصدر نفسه: 1/137 .
([10]) الإحتجاج: 1/138 – 139 .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1623 Seconds