ابنة نذير لكم

علي ومعاصروه

ابنة نذير لكم

520 مشاهدة

خُطَى الخُزَاعي

سرَّعوا حبات الزمن، مُعجِّلين بمشهد حدثِهم على السرعة القصوى، وسَّطوا الواجهة منصة السقيفة، وأعلنوا منها وراثة ذي الإنجاز، بعد أن جلببوا آخر مشهد بستر مموِّه، ذاك المشهد الذي بدت لهم فيه جزيئات الزمن متمردة تمضي على مهل لم يرقهم وهم في تثاقل عن طاعة من استورثوه، مستبطئين على مضض أُكل الاغتيال، وما إن آن آنُه حتى انقضوا خفافًا على تلابيب الزمن متلاعبين بعقربه سرعةً ووجهةً.

استحدثوا شرعًا في الوراثة على قدرهم، بالعرض من شرع الإله، أسقطوه خارجًا بإحداث فاصلة بين رسول الله والآل (صلوات الله عليهم أجمعين)، وتموضعوا في تلك الفاصلة حائلين دون استحقاقات أهل البيت الإلهية، قاصرين وراثته (صلى الله عليه وآله) على أنفسهم حصرًا؛ فاستلبوا المقام وصادروا الملكية تحت بند من شرعهم المبتدع، المُدَّعى فيه أنَّ الأنبياء لا يورثون رواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم بالتفاف على ذات الشرع عادوا ناقضين الغزل مكذبين ما ادَّعوه من وحي عندما تزاحم ما شرَّعوه والمصلحة، فكالوا لأنفسهم بغير مكيال فاتحين باب التحريف على مصراعيه، ومن شواهد ذلك: أنَّ عائشة وحفصة أتتا عثمان حين نقص أمهات المؤمنين ما كان يعطيهن عمر، فسألتاه أن يعطيهما ما فرض لهما عمر، فقال: لا والله ما ذاك لكما عندي، فقالتا له: فآتنا ميراثنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حيطانه، وكان عثمان متكئًا فجلس، وأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) كان حاضرًا، فقال لهما عثمان حمية لمصلحته التي قدَّمها على مصلحتهما: ألستما اللتين شهدتما عند أبي بكر ولفقتما معكما أعرابيًا([1]) فشهدتم أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إنَّا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة، فإن كنتما شهدتما بحق فقد أجزت شهادتكما على أنفسكما، وإن كنتما شهدتما بباطل فعلى من شهد بالباطل لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فقالتا له: يا نعثل؛ والله لقد شبهك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنعثل اليهودي، فقال لهما: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ...} ([2]).

أُنيط دون ظلامة الآل ملاءة، عسى أن تعمِّي على جرأة الفعل وفداحة التعدي، وهنا كان للزهراء (صلوات الله عليها) تلك الوقفة التي خرَّقت ستارهم وعرَّت عن سافر جرمهم، مؤسِّسَة بتحركها واجهة معارضة وإعلام رافض هدفه خلاص الإنسانية من ضياع قد لاحت علائمه باستهداف دين الله الراعي لبناء الإنسان، والدافع به تجاه غاية خلقته بإبعاد قادته الفعليين، فكم قد وجهت أنظارهم تجاه أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) الذي قد ثبت له بأعناقهم حق البيعة بالأمس القريب، وعلَّلت بأنَّه الأوحد في الأهلية لحفظ دين الله والموصل بالإنسان إلى سعادته: ((وتالله لو تكافوا عليه عن زمام نبذه إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاعتلقه، ثم لسار بهم سيرًا سجحًا، فإنَّه قواعد الرسالة، ورواسي النبوة، ومهبط الروح الأمين، والبطين بأمر الدين في الدنيا والآخرة ( ألا ذلك هو الخسران المبين)، والله لا يكتلم خشاشة، ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلًا رويًا فضفاضًا، تطفح ضفته، ولأصدرهم بطانًا قد خثر بهم الري غير متحل بطائل إلَّا بغمر الناهل وردع سورة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون))([3]) .

فحاولت (صلوات الله عليه) بكل جهدها أن تضع أمام أنظار الأمة تداعيات هذا الانقلاب الخطير، علَّها تستفيق من سبات الغفلة فتتحرك للتغير، قبل أن تترسخ قدمه وتصبح عميلة استئصاله غير ممكنة، لم تعي الأمة كم اللطف المنطوي في رسالة الزهراء (صلوات الله عليها)، لم تفهم أنَّها كانت تحاول جاهدة لتخليصهم والأجيال الآتية من دين محرف يعجز عن بناء ِالإنسان وحمايته، فكم أومئت (صلوات الله عليها) إلى ما سيلد هذا الحدث من أحداث ستكون بدورها أمهات لأحداثٍ أخرى، وكل منها ستطرح نتاجًا من ظلم وفقر وجريمة، وكلها ستتكئ مستندة على الفتنة الأولى فمتى ما عطِل الدين سيعم الشر والفساد والجور والخوف ربوع المسلمين: ((ويحهم أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون؟! أما لعمري لقد لقحت، فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا ملاء القعب دمًا عبيطًا وذعافًا ممضًا، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غبَّ ما أسس الأولون...))([4])، وما يقارب هذا المعنى قد حكاه الأئمة صلوات الله عليهم وأكَّدوه، ومن ذلك قولهم  (صلوات الله عليهم): ((هما أول من ظلمنا، وقبض حقنا، وتوثب على رقابنا، وفتح علينا بابًا لا يسده شيء إلى يوم القيامة، فلا غفر الله لهما ظلمهما إيانا))([5])، وأيضًا: ((من كان يعلم أن الله حكم عدل بَرِئ منهما، وما من محجمة دم يهراق إلا وهي في رقابهما)) ([6]).
وقد جيَّرت الزهراء (صلوات الله عليها) ما أُتيح لها من إمكانات إلى أقصى أبعادها، منتهجة نهج القادة الإلهيين، فعبَّرت عن رسالتها المعارضة تارة بالفعل؛ وتارة بالقول وثالثة بالبكاء، فلم تثنها عدم استجابة الجمهور لصرخة إصلاحها عن التخلي عن رسالتها: ((وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد...)) ([7]).

والمُحصِّلة أنَّ الصحابة قعدوا عن نصرتها غير ملتفتين لحقيقة واعيتها، ثم خلوا بينها وبين الظالمين الذين اغتالوا بأيسر ما يكون أمان رسالتها بإرهاب وترويع وجرم مسجِّلين سبقًا وريادة.
والختام عند ابن أبي الحديد المعتزلي (ت:656 هـ) ذاكرًا خبر هبار بن الأسود فقال: ((إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أباح دمه يوم فتح مكة؛ لأنَّه روَّع زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالرمح وهي في الهودج وكانت حاملًا، فطرحت ذا بطنها، قال: قرأت هذا الخبر على النقيب أبي جعفر، فقال: إذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أباح دم هبار؛ لأنَّه روَّع زينب فألقت ذا بطنها، فظاهر الحال أنَّه لو كان حيًّا لأباح دم من روَّع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها))([8]). وشتان ما بين ترويع الزهراء وترويع غيرها، وقدر الزهراء وقدر غيرها، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

الهوامش:
[1])) مالك بن الحويرث بن الحدثان.
[2])) الإيضاح، الفضل بن شاذان (ت: 260): 257-262، والآية (10) من سورة التحريم.
[3])) الأمالي، الشيخ الطوسي (ت: 460): 375.
[4])) المصدر نفسه: 375-376.
[5])) بحار الأنوار، العلامة المجلسي: (ت: 1111): 30/ 383.
[6])) المصدر نفسه.
[7])) شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربي (ت: 363): 3/ 39.
[8])) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 14/193.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1337 Seconds