القصدية في خطاب الإمام علي (عليه السلام) للنبي (صلى الله عليه وآله) عند دفن فاطمة (عليها السلام) (وَقُرَّةُ عَيْنِكَ) استحقاق وجداني أم تقوائي؟

علي ومعاصروه

القصدية في خطاب الإمام علي (عليه السلام) للنبي (صلى الله عليه وآله) عند دفن فاطمة (عليها السلام) (وَقُرَّةُ عَيْنِكَ) استحقاق وجداني أم تقوائي؟

524 مشاهدة

بقلم: السيد نبيل الحسني الكربلائي

(الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر بما ألهم، والثناء بما قدم، من عموم نعمٍ أبتدأها، وسبوغ آلاء أسداها) وصلواته التامات الزاكيات على حبيبه وعبده ورسوله أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته «أساس الدين وعماد اليقين»([1]).
وبعد:
قال أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) في خطابه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد أن وارى فاطمة (عليها السلام) الثرى:
«السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله عَنِّي والسَّلَامُ عَلَيْكَ عَنِ ابْنَتِكَ، وَحَبِيبَتكَ، وَقُرَّةُ عَيْنِكَ، وَزَائِرَتُكَ»([2]).
لقد أشار أمير المؤمنين علي (عليه السلام) إلى صفة من صفات الزهراء (عليها السلام) وسمة من سماتها فبيّن أنها «قرة عين» رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد جرى العرف الاجتماعي والمفهوم لهذه الصفة لا سيما عند العرب أنها تستخدم في بيان أثر هذا الشيء على الإنسان في مقابل المدح والسرور أو العكس في حالة الرفض والذم والشرور.
فيقال: أقرّ الله عينك أو لا أقرّ الله عينك.
ويقال في بيان النعمة: قرّة عين، كما ورد في القرآن الكريم في بيانه لسيرة الكليم عليه السلام، قال تعالى:
﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾[3].
ومرادها: أن يكون لي ولك نعمة تدخل السرور والعون لنا، وهو ما دلّ عليه أهل اللغة:
قال ابن فارس (المتوفى 395هـ):
(نَعْمَّ، وتعني عين، ونعمة عين، أي: قرّة عين.
ونَعْمَّ الشيء من النعمة؛ وقرَّ فلان أولاده ترفهم)[4].
قال ابن الأثير (المتوفى 606هـ):
(ونعمة عين: أي قرّة عين؛ يعني أقرّ عينك بطاعتك واتباع أمرك، يقال نعْمَةُ عين، بالضم، ونعم عين، ونعمى عين.
ويقال للداخل عند زيارته تعبيراً عن السرور بقدومه، والفرح بلقائه: (ما أنعمنا بك)، أي ما الذي أسرنا وأفرحنا وأقر أعيننا بلقائك ورؤيتك)[5].
وبالنظر إلى هذا البيان يصبح وصف أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) لفاطمة بأنها (قرّة عين) استحقاقاً وجدانياً وتقوائياً وذلك لما يلي:
أولاً: كون فاطمة (عليها السلام) قرّة عين لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بالاستحقاق الوجداني  .
وهذا ما لا شك فيه ففاطمة (عليها السلام) موضع ادخال السرور والفرح على قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي نَعْمَّ النَعْمَة التي رزق بها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك كونها:
أ - خلقت من ثـمار الجنة يشمها النبي (i) ويأنس بعطرها .
إنّ خلق فاطمة (عليها السلام) من ثمار الجنة قد تضافرت فيه النصوص الواردة عن عترة النبي (صلى الله عليه وآله سلم) وأنه كان يشمها ويكثر تقبيلها مما أثار غيرة عائشة فبادرته بالسؤال عن كثرة تقبيله لابنته فاطمة (عليها السلام) والذي ارتكز على كثرة اشتياقه إلى ريح الجنة وثمارها التي أكلها في الإسراء والمعراج فخُلِقت منها فاطمة (عليها السلام).
وهذه المسألة، أي خلق فاطمة (عليها السلام) من ثمار الجنة وإن كانت تخالف توجهات بعض حفّاظ أهل السنة والجماعة لا سيما ابن الجوزي[6]، وذلك لتمسّكهم بالرواية التي تتحدث عن سَنة الإسراء والمعراج ووقوعها بعد ولادة فاطمة (عليها السلام) بحسب ما يزعمون، وهم بذلك يعارضون روايات عترة آل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والذين هم أعلم بشأن أمهم فاطمة (عليها السلام) وتاريخ ميلادها[7].
وعليه:
فقد روى الشيخ الصدوق رحمه الله في الأمالي، عن أبي الصلت الهروي في حديثه مع الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنه قال:

«لما عرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرئيل عليه السلام فأدخلني الجنة، فناولني من رطبها فأكلته، فتحول ذلك نطفة في صلبي، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، ففاطمة حوراء إنسية، فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة»[8].
ومن ثم كيف  لا تكون فاطمة (عليها السلام) قرّة عين لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأي سرور أعظم على قلب كل إنسان وهو يشم رائحة الجنة.
ب - إنها كوثر ذريته (عليها السلام) .
إن من الحقائق التي أثبتتها النصوص وقطع بها العقل أن فاطمة (عليها السلام) هي الكوثر النبوي الذي جعلها الله تعالى مصدراً لذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وأن الله تعالى جعلها أداة لغيظ أعداء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين نعتوه بالأبتر بعد وفاة ولداه القاسم وعبد الله، فقال العاص بن وائل السهمي:
(دعوه إنه أبتر)[9]، وهو بذاك شنئه أي: انتقصه، فلمّا رُزق النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بفاطمة (عليها السلام)، جعلها الله كوثر ذريته الذي استحق أن يقدّم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من اجله الى الله تعالى الصلاة شكراً له على هذه النعمة، وتقديم القرابين، فقال عز وجل:
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾[10].
ومما يدل عليه: ما صرح به النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيان اختصاص فاطمة (عليها السلام) بذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال:
روى الطبراني عن عمر بن الخطاب، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال:
«كل ولد أم فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم»[11].
روى ابن عساكر وغيره عن عبد الله بن عباس، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال:
«إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه، وأن الله جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب»[12].
روى ايضاً، عنه (صلى الله عليه وآله):
«لكل بني أب عصبة ينتمون إليه إلا ولد فاطمة أنا عصبتهم»[13].
فكيف لا تكون فاطمة قرة عين لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي كوثر ذريته وأم الأئمة النجباء.

ثانياً: كون فاطمة (عليها السلام) قرّة عين للنبي (صلى الله عليه وآله) بالاستحقاق التقوائي  .
في ازاء ذلك، أي ما مرّ بيانه في أولاً فإن فاطمة الزهراء (عليها السلام) قرّة عين لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاستحقاق التقوائي، وقد أشارت النصوص الشريفة إلى هذا الاستحقاق في موارد كثيرة سواء على المستوى العام المرتبط بين الآباء والأبناء أو سواء على المستوى الخاص المرتبط بشخص فاطمة (عليها السلام).
فعلى المستوى العام ذكر القرآن الكريم بعض الآيات الكاشفة عن أثر النفوس لدى الأبناء على الآباء ليكون بذاك قرة عين ونَعْمَّ عين لهم في الدنيا والآخرة فضلاً عن ذلك فإن الأبناء في حال افتقادهم للتقوى يكونون بذلك مصدر وبال وحزن وألم وأذى على الوالدين، بل قد يكونوا من الأعداء الذين يجرون بالوالدين إلى الهلاك، قال تعالى:
﴿آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾[14].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[15].
﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾[16].
ومن ثم ليس كل من ولد له ولد كان قرة عين له، بل قد يكون نقمة وليس نعمة.
ولذا: فإن فاطمة (عليها السلام) هي قرة عين لأبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاستحقاق التقوائي فضلاً عن الاستحقاق الوجداني وذلك لما يلي:
لأنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين كما نص عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[17].
سيدة نساء أهل الجنة[18].
إنها خير نساء الجنة[19].
إنها من أفضل نساء الجنة[20].
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وآسية بنت مزاحم وفاطمة بنت محمد[21].

من افضل نساء العالمين.

وغيرها من الأحاديث الشريفة الكاشفة عن منزلتها وتقواها وشأنيتها وجاهها عند الله تعالى كما جعل عيس بن مريم وجيها عنده وأمه فكيف لا تكون فاطمة وابيها من الوجهاء عند الله تعالى؟!!
وعليه:
فقول أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) («وقرة عينك» لم يكن قوله مستنداً إلى كونها ابنته حالها في ذلك حال كل فتاة لأبيها ومن ثم ينصرف الذهن حينها إلى تجريد اللفظة من معانيها المكنونة؛ ففاطمة عليها السلام ليست ككل امرأة كانت قرة عين لأبيها، فهي نعمة ما بعدها نعمة فأنّى لمثل فاطمة في الحياة الدينا؟! ([22]).

الهوامش:
([1]) المصدر السابق: ص432.
[2] الكافي للكليني : ج1 ص459.
[3] سورة القصص، الآية (9).
[4] معجم مقاييس اللغة: ج5 ص446.
[5] النهاية في غريب الحديث: ج5 ص84.
[6]       الموضوعات: ج1 ص412- 413.
[7]       لمزيد من الاطلاع ينظر كتابنا الموسوم بـ(هذه فاطمة عليها السلام): ج1 ص338- 347.
[8] الأمالي: ص546؛ علل الشرائع للصدوق: ج1 ص184؛ دلائل الإمامة للطبري: ص148.
[9] البداية والنهاية لابن كثير: ج3 ص130 .
[10] سورة الكوثر.
[11] المعجم الكبير للطبراني: ج3 ص44؛ مجمع الزوائد للهيثمي: ج4 ص224؛ الجامع الصغير للسيوطي: ج2 ص278؛ كنز العمال للهندي: ج12 ص16.
[12] تاريخ دمشق: ج42 ص259؛ المعجم الكبير للطبراني: ج3 ص44؛ مناقب علي (عليه السلام) لابن المغازلي: ص61.
[13] تاريخ دمشق: ج36 ص313؛ نيل الأوطار للشوطاني: ج6 ص139.
[14] سورة النساء، الآية (11).
[15] سورة التغابن، الآية (14).
[16] سورة التغابن، الآية (14-15).
[17] مستدرك الحاكم: ج3 ص156.
[18] مسند أبي يعلى: ج12 ص313.
[19] مستدرك الحاكم: ج3 ص154.
[20] مسند أحمد: ج1 ص322.
[21] سنن الترمذي: ج5 ص367.
[22] لمزيد من الاطلاع، ينظر: فاطمة في نهج البلاغة تاليف السيد نبل الحسني: ج1، ص172-178، ط دار الكفيل، العتبة العباسية المقدسة.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1279 Seconds