عالمةٌ غير معلَّمة..

آل علي عليهم السلام

عالمةٌ غير معلَّمة..

1K مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 01-03-2021

عمَّار حسن الخزاعي

امتاز البيت العلوي بأنَّه المخصوص بوراثة النبوَّة وأسرارها وراثةً إلهيَّةً بعلمٍ لدنِّي بلا اكتساب، ولذلك ترى رجالهم ليسوا كباقي الرِّجال، ونساءهم ليست مثل النِّساء وحتَّى أطفالهم فإنَّهم استثناء لا يمكن المقايسة معهم، وكلُّ ذلك إثبات لوراثة النبوَّة واختصاصهم بالإمامة دون غيرهم؛ لما أودعهم الله تعالى من طاقاتٍ روحيَّةٍ وجسديَّةٍ هيأتهم لأن يكونوا المثل الأعلى في الاقتداء للبشر، وعلى ذلك فقد استطاعوا أن يتمثَّلوا الأدوار العليا بالمشاريع الإلهيَّة في مسرح الحياة من دون أن تأخذهم في الله لومة لائم على جميع المستويات، بلا خللٍ في الأداء أو تنصُّلٍ عن أيِّ مسؤوليَّة شرعيَّة مهما كانت، وأن يُضحوا في سبيل الله تعالى بكلِّ شيء وتحت أيِّ ظرفٍ، ولم تكن لديهم من أهدافٍ خاصَّةٍ أبدًا سوى أنَّهم يبتغون وجه الله تعالى في إعلاء كلمته ونُصرة دينه، فكان التكامل ديدنهم في الرجال والنِّساء والأطفال، ومن نسائهم اللاتي قمْنَ بأدوارٍ رساليَّةٍ السيدة عقيلة بني هاشم زينب بنت عليٍّ (عليهما السلام)، فهي ذلك الوهج الرحماني الذي انبثق من النورين، فكانت نتاج لقاء النبوَّة والوصاية بأكمل صروح الطَّهارة والنقاء، ثمَّ ما لبثت أن تخرج من وِعاء خير نساء العالمين حتَّى تلقَّتها يدُ خير البشر لتهبها بركات النِّبوَّة في أوِّل لقاء مع عالم الدُّنيا، بعدها تسلَّمها الوصيّ؛ لتتربَّى في حجره فيمنحها ناموس النجابة، ومع ذلك كُلِّه فهي بين رُكنيين هما عماد أهل الجنَّة وسيدا شبابها يُغدقانها بروح القيادة والأصالة، وهكذا أجواء فإنَّها حتمًا ستؤول إلى استثناءٍ على مدى أفق الحياة بطولها وعرضها؛ فضلًا عن الإعداد الإلهي من قبل بالصناعة والاصطفاء، وهكذا تنمو السيدة زينب (عليها السلام) في بيتٍ كُلُّه اصطفاء وعطاء، يحوطه الوحي وترعاه بركة الإله؛ وبذلك لا عجب فيما لو أنَّنا وجدنا رواياتٍ تحدِّثُ بها عن جدِّها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بمحضر أخويها سيدي شباب أهل الجنَّة، وما أن تتمَّ حديثها حتَّى يُبادرها الإمام الحسن (عليه السلام) قائلًا: ((زادَكِ الله كمالًا، نعم. إنَّه كما تقولين، إنّكِ حَقًّا من شجرة النبوة، ومِن معدن الرسالة))([1])، هذه شهادة الإمام الحسن (عليه السلام) فيها، وأمَّا شهادة الحسين (عليه السلام) فيكفي أن نعرفَ أنَّه ورد في بعض الأخبار ((أنَّها دخلت على الحسين (عليه السلام) وكان يقرأ القرآن، فوضع القرآن على الأرض وقام إجلالًا لها))([2])، وهذا الفعل يذكِّرنا بفعل الرسول اتِّجاه ابنته الزهراء (عليهما وآلهما الصلاة والسلام) عندما كانت تدخل عليه([3])، ممَّا يوحي بوراثة السيادة من أمِّها؛ لتكون بعدها سيِّدة، وأمَّا مع الإمام زين العابدين (عليه السلام) فقد قيل ((إنَّه كان لزينب (عليها السلام) نيابة خاصة عن الحسين (عليه السلام)، وكان الناس يرجعون إليها في الحلال والحرام حتى برئ زين العابدين (عليه السلام) من مرضه))([4])، ثمَّ شهادته لها بقوله: ((أنتِ بحمدِ اللهِ عالِمة ٌغيرُ معلَّمةٍ، وفهِمةٌ غيرُ مفهَّمةٍ))([5])، وهذه الشهادات من الأئمَّة المعصومين تكشف لنا عن علوِّ المنزلة التي كانت عليها هذه السيدة الطاهرة . أمَّا علمها فقد شهد لها الإمام عليُّ بن الحسين (عليه السلام) بأنَّ علمها ليس باكتسابٍ أو تعليم؛ وإنَّما هو علمٌ إلهيٌّ استمدَّته من لدنه تعالى كما مرَّ آنفًا، وقد وردت عنها بعض الآثار في تفسر القرآن الكريم، وأنَّها كانت تقيم المجالس لهذا الشأن ومن ذلك قولهم: ((إنَّ زينب كان لها مجلس في بيتها أيام إقامة أبيها (عليه السلام) في الكوفة، وكانت تفسر القرآن للنساء، ففي بعض الأيام كانت تفسر (كهيعص) للنساء إذ دخل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال لها: يا نور عيني سمعتك تفسيرين (كهيعص) [مريم: 1] للنساء، فقالت: نعم فقال (عليه السلام): هذا رمز لمصيبة تصيبكم عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله))([6])، ومن مأثور أقوالها وبلاغة حكمتها ما روي عنها بأنَّها قالت: من أراد ان يكون الخلق شفعاءه إلى الله فليحمده ألم تسمع إلى قولهم: سمع لمن حمده؛ فخفِ الله لقدرته عليك، واستحِ منه لقربه منك))([7])، ومن معادن علمها أنَّها روت عن أمِّها ((فاطمة الزهراء، عن أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): أما إنَّك يا علي وشيعتك في الجنة))([8])، ومن المفارقات مع السيدة زينب (عليها السلام) أنَّ الإمام المعصوم يروي عنها، وقد ورد ذلك فيما رواه الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) عنها، بواسطة أمِّها عن الرسول (صلى الله عليه وآله) بقوله: ((دخل إليَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند ولادتي الحسين (عليه السلام)، فناولته إيَّاه في خرقة صفراء، فرمى بها وأخذ خرقة بيضاء ولفَّه فيها، ثم قال: خذيه يا فاطمة؛ فإنَّه إمام ابن إمام أبو الأئمة التسعة، من صلبه أئمة أبرار والتاسع قائمهم))([9])، ومن أعلى مقاماتها التي يمكن لنا أن نعيها أنَّها كانت ((لها نيابة خاصة عن الحسين (عليه السلام)، وكانت الشيعة ترجع إليها في الحلال والحرام حتَّى برء زين العابدين (عليه السلام) من مرضه))([10])، وهذا مقام رفيع للسيدة زينب (عليها السلام) ينضوي على مفاهيم جليلةٍ لا يمكن اختصارها في مقامٍ مثل مقامنا، ولكنَّنا غاية ما يمكن أن نقوله أنَّها حازت الفضيلة من رأسها بما بذلت في ذات الله تعالى من قرباتٍ يعجز عنها غيرها ما خلا أمِّها، حتَّى قال بعض الفحول عندما تفكَّروا في مقاماتها العاليَّة: ((إنَّها كادت أن تقرب من أمها في الفضل والعبادة، وفي الكرامات والصبر على النائبات، وبحيث خرقت العبادات ولحقت بالمعجزات))([11])، ومع هذه المقامات السامية ((أنَّها (عليها السلام) كانت تعلم علم المنايا والبلايا))([12])، وفي ختام هذا المقام ننقل ما قال عنها بعض العلماء: ((هي عقيلة بني هاشم، وقد حازت من الصفات الحميدة ما لم يحزها بعد أمها أحد، وحقًا أن يقال: هي الصديقة الصغرى، وهي في الصبر والثبات وقوة الإيمان والتقوى وحيدة فريدة، وهي في الفصاحة والبلاغة كأنَّها تنطق من لسان أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبلغت في الفضائل والمناقب حدًّا لا يناله اللسان والبيان))([13]) . فزينب (عليها السلام) ربيبة النبوَّة ووريثة سيادة أمِّها وزعامة أبيها بفصاحته وبلاغته وعلومه، وقرينة الإمامة بصحبتها لأخويها، وهي الحافظة لها في كربلاء بما بذلته من مسؤوليَّة في الحفاظ على الإمام زين العابدين (عليه السلام) . اللهمَّ ارزقنا شفاعتها واجعلنا من خُلِّص أتباعها بحقِ جدِّها وأبيها وأمِّها وأخويها..

الهوامش:


([1]) زينب الكبرى (عليها السلام) من المهد الى اللحد: 582.

([2]) وفيات الأئمة: 437 .

([3]) ينظر: فتح المنعم شرح صحيح مسلم: 9/413

([4]) ليلة عاشوراء في الحديث والأدب: 45 .

([5]) الاحتجاج، الشيخ الطبرسي (ت: 548 هـ): 2/31 .

([6]) وفيات الأئمة: 438 .

([7]) بلاغات النساء: 41 .

([8]) مستدركات علم رجال الحديث: 2/449 .

([9]) كفاية الأثر: 194 ، بحار الأنوار، العلامة المجلسي (ت: 1111 هـ): 36/351

([10]) شجرة طوبى: 2/392 .

([11]) شجرة طوبى: 2/393 .

([12]) المجالس العاشورية في المآتم الحسينية: 460 .

([13]) مستدرك سفينة البحار: 4/313 .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1630 Seconds