(فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، ذعلب اليماني أنموذجا

علي ومعاصروه

(فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، ذعلب اليماني أنموذجا

(فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)[1]، ذعلب اليماني أنموذجا

علي فاضل الخزاعي

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأهل بيت رسول اللَّه، ثم على رواة أحكام اللَّه، ثم على من انتفع بمواعظ اللَّه.

 

أما بعد...

 

فذعلب اليماني هو من فضلاء الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام )[2] ، ضبطه الشهيد في قواعده بكسر الذال المعجمة وسكون العين المهملة وكسر اللام (ذو لسان بليغ في الخطب شجاع القلب) كان ذكياً، فهيماً، متفكراً في الأمور[3]، روى كثير من الروايات عن أمير المؤمنين حتى قيل إنه من رجال الشيعة ومحدثيهم[4].

 

واليماني نسبة إلى اليمن هو من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وله خبر معه حين قال : (سلوني قبل ان تفقدوني) تختلف العبارات في نقله مع اتفاقها على أنه سأله وأراد أن يقحم[5] أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السلام): أ فأعبد ما لا أرى، فقال: وكيف تراه؟ فقال: (لَا تُدْرِكُه الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ، ولَكِنْ تُدْرِكُه الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الإِيمَانِ ، قَرِيبٌ مِنَ الأَشْيَاءِ غَيْرَ مُلَابِسٍ بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرَ مُبَايِنٍ ، مُتَكَلِّمٌ لَا بِرَوِيَّةٍ، مُرِيدٌ لَا بِهِمَّةٍ، صَانِعٌ لَا بِجَارِحَةٍ، لَطِيفٌ لَا يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ، كَبِيرٌ لَا يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ، بَصِيرٌ لَا يُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ، رَحِيمٌ لَا يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ ، تَعْنُو الْوُجُوه لِعَظَمَتِه، وتَجِبُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِه)[6].

 

والسبب في سؤاله هذا؛ لأنه كان ذكياً فهيماً متفكراً في الأمور[7]، وفي بعض تلك الأنقال ما يقتضي سوء الأدب في حق أمير المؤمنين عليه السلام ويدل على جهله بقدره، وهو قوله: لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لأخجلنه اليوم لكم في مسألتي إياه وهذا يوجب خروجه عن شرط كتبنا الا ان غشيته وقوله تالله ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لا عدت لمثلها ابدا، يمكن ان يكون توبة منه، وهذا ما عثرنا عليه من الروايات في ذلك[8].

 

والذي ذكره (عليه السلام) لذعلب اليماني يعد من مراتب أهل اليقين والمحبة الخالصة لله عز وجل والايمان الكامل له مما جعل اليماني يغمى عليه من جواب أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعند النظر الى أحداث هذه الرواية بعين التبصر والاتعاظ تظهر أمامنا ملحوظتان: الأولى: إن الإمام عليه السلام حمل السائل على محمل الجد وإن كان يعلم أن وراء سؤاله قصد الاستخفاف والتحدي، فجاوبه بما يملي عليه موقعه بوصفه إماما واخرج له من مكنون علمه ما يفصل استفساره وفيه بيان عام للمخاطبين أيضا، إذ ما فتئ أهل البيت بصورة عامة يتخذون من المواقف العامة لنشر التعاليم الدينية والعقدية بين أوساط الناس، وإن كان سبب الحديث سؤال فرد منهم، والثانية: إن الشخص المستفهم تخلى عن قصده لما تلقى الخطاب العلوي الدامغ ولا يملك إلا الاذعان له، والتصديق به، بل وصل به أن يغمى عليه من ثقل العلم الذي أصابه، وهنا لعل الإمام عليه السلام لمح بصيص أمل في توبة هذا الشخص فأعطاه الضوء الذي به يهتدي، فسارع المتلقي إلى التبصر به فكان ممن بهداهم اقتدى واصبح من الشخصيات التي يشار اليها بالبنان في اخلاصها للإمام علي عليه السلام.

 

الهوامش:

[1] سورة الأنعام: الآية 90.

[2]  الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج1 ، ص194.

[3]  ينظر: شرح أصول الكافي: المازندراني، ج4، ص166.

[4] - أعيان الشيعة: الاميني ج3 ، ص67.

[5] - تصنيف نهج البلاغة: لبيب بيضون، ص87.

[6]  نهج البلاغة خطب الإمام علي (عليه السلام)، تحقيق: د. صبحي الصالح، ص258.

[7] - شرح أصول الكافي: ج4، ص166.

[8] - أعيان الشيعة: الاميني، ج6 ، ص431.

المقالة السابقة المقالة التالية

Execution Time: 0.0724 Seconds