قتلوه بغضا لحبه لأمير المؤمنين (عليه السلام)

علي ومعاصروه

قتلوه بغضا لحبه لأمير المؤمنين (عليه السلام)

علي فاضل الخزاعي
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين.
أما بعد.
عند البحث في كتب السيرة والتاريخ عن شخصيات كان لهم دور بارز في التضحية والفداء ونصرة أمير المؤمنين وعترته الطاهرة (عليهم السلام)، أصحاب أوفياء عزموا على الاستشهاد للدفاع عن عترة النبي وأهل بيته (عليهم الصلاة والسلام)، وكانوا نموذجا بارزا للإيمان والشجاعة والتضحية.
 وقد وردت روايات وأخبار في فضلهم وتحدثت كثير من الكتب عن خصالهم ولو نظرنا إلى تاريخهم المشرف بالدفاع عن أهل البيت (عليهم السلام) لوجدناها تثني على وفائهم بالعهد وبذلهم الأنفس في نصرة أمير المؤمنين (عليه السلام).
وهناك كلام كثير يمكن قوله في وصف هؤلاء الليوث الذين كان لهم الفضل في انتصار راية الحق على الباطل ومن هؤلاء هو (قنبر) فهو المؤمن الكامل الممتحن لدينه، ربيب البيت العلوي، فكان عالما بأمر ذلك البيت محتملا لسره.
كان لا يفارق أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو من العشاق له، إذ حكى عنه أبو عبد الله في رواية له عن جعفر بن بشير، عن العرزمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كان لعلي (عليه السلام) غلام اسمه قنبر وكان يحب عليا (عليه السلام) حبا شديدا. فإذا خرج عليّ (عليه السلام) خرج على أثره بالسيف، فرآه ذات ليلة فقال: يا قنبر ما لك؟ قال: جئت لأمشي خلفك، فإن الناس كما تراهم يا أمير المؤمنين فخفت عليك، قال: ويحك أمن أهل السماء تحرسني أم من أهل الأرض؟! قال: لا، بل من أهل الأرض، قال: إن أهل الأرض لا يستطيعون لي شيئا إلا بإذن الله عز وجل من السماء، فارجع، فرجع)[1].
كان قنبر (رضوان الله عليه) يتعلم من آداب أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان مطيعًا له كل الطاعة ولا يتصرف بشيء الا وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) على دراية؛ فعن جابر، قال: سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلا يشتم قنبرا وقد رام قنبر أن يرد عليه، فناداه أمير المؤمنين: (مهلا يا قنبر دع شاتمك مهانا ترضي الرحمن وتسخط الشيطان وتعاقب عدوك. فوالذي فلق الحبة وبرئ النسمة ما أرضى المؤمن ربه بمثل الحلم، ولا أسخط الشيطان بمثل الصمت، ولا عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه)[2].
تكلم عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وبين بعض صفاته ومدائحه، حيث سئل قنبر: مولى من أنت؟ فقال: مولاي من ضرب بسيفين، وطعن برمحين، وصلى القبلتين، وبايع البيعتين، وهاجر الهجرتين، ولم يكفر بالله طرفة عين. أنا مولى صالح المؤمنين، ووارث النبيين، وخير الوصيين، وأكبر المسلمين، ويعسوب المؤمنين، ونور المجاهدين، ورئيس البكائين، وزين العابدين، وسراج الماضين وضوء القائمين وأفضل القانتين، ولسان رسول رب العالمين وأول المؤمنين من آل يس، المؤيد بجبرئيل الأمين، والمنصور بميكائيل المتين، والمحمود عند أهل السماء أجمعين، سيد المسلمين والسابقين، وقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين، والمحامي عن حرم المسلمين ومجاهد أعدائه الناصبين، ومطفئ نار الموقدين، وأفخر من مشى من قريش أجمعين، وأول من أجاب واستجاب لله، أمير المؤمنين، ووصي نبيه في العالمين وأمينه على المخلوقين، وخليفة من بعث إليهم أجمعين، سيد المسلمين والسابقين ومبيد المشركين، وسهم من مرامي الله على المنافقين، ولسان كلمة العابدين، ناصر دين الله، وولي الله، ولسان كلمة الله، وناصره في أرضه، وعيبة علمه، وكهف دينه، إمام أهل الأبرار، من رضي عنه العلي الجبار، سمح سخي، حيي بهلول سنحنحي، زكي، مطهر أبطحي، جري همام صابر صوام مهدي مقدام قاطع الأصلاب، مفرق الأحزاب، عالي الرقاب، أربطهم عنانا وأثبتهم جنانا وأشدهم شكيمة، بازل، باسل، صنديد، هزبر، ضرغام، حازم، عزام، حصيف، خطيب محجاج، كريم الأصل، شريف الفصل، فاضل القبيلة، نقي العشيرة زكي الركانة مؤدي الأمانة من بني هاشم، وابن عم النبي (صلى الله عليهما)، الإمام المهدي الرشاد، مجانب الفساد، الأشعث الحاتم، البطل الجماجم، والليث المزاحم، بدري مكي حنفي روحاني شعشعاني، من الجبال شواهقها، ومن ذي الهضاب رؤوسها، ومن العرب سيدها، ومن الوغى ليثها، البطل الهمام، والليث المقدام، والبدر التمام، محك المؤمنين، ووارث المشعرين، وأبو السبطين الحسن والحسين والله أمير المؤمنين حقا حقا علي بن أبي طالب عليه من الله الصلوات الزكية والبركات السنية[3].
لشدة حبه وتعلقه وقربه من أمير المؤمنين (عليه السلام) ولدفاعه عن عترة أهل البيت (عليهم السلام) استدعاه الحجاج بن يوسف الثقفي وهو من المشهورين بالظلم وسفك الدماء ومن أعداء أهل البيت (عليهم السلام)؛ فعن أبي الحسن الهادي صلوات الله عليه: أن قنبرا مولى أمير المؤمنين (عليه السلام) ادخل على الحجاج فقال: ما الذي كنت تلي من علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ قال: كنت أوضيه. فقال له: ما كان يقول إذا فرغ من وضوئه؟ فقال: كان يتلوا هذه الآية: ((فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا اخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين). فقال الحجاج أظنه كان يتأولها علينا؟ قال: نعم. فقال ما أنت صانع إذا ضربت علاوتك قال إذن أسعد، وتشقى أنت فامر به فقتله[4].
وروى أصحاب السير أن الحجاج بن يوسف الثقفي قال ذات يوم: أحب أن أصيب رجلا من أصحاب أبي تراب فأتقرب إلى الله بدمه! فقيل له: ما نعلم أحدا كان أطول صحبة لأبي تراب من قنبر مولاه. فبعث في طلبه فأتي به، فقال له: أنت قنبر؟ قال: نعم. قال: أبو همدان؟ قال: نعم. قال: مولى علي بن أبي طالب؟ قال: الله مولاي وأمير المؤمنين علي ولي نعمتي. قال: أبرأ من دينه. قال: فإذا برئت من دينه تدلني على دين غيره أفضل منه؟ قال: إني قاتلك فاختر أي قتلة أحب إليك؟ قال: قد صيرت ذلك إليك. قال: ولم؟ قال: لأنك لا تقتلني قتلة إلا قتلتك مثله، وقد أخبرني أمير المؤمنين (عليه السلام) أن ميتتي تكون ذبحا ظلما بغير حق. قال: فأمر به فذبح[5].
فهؤلاء أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ضحوا بدمائهم وقتلوا في سبيل الله ولحبهم أمير المؤمنين (عليه السلام) على يد اشقى الاشقياء؛ فسلام على قنبر يوم ولد ويوم استشهد واللعنة الدائمة على قاتله الى يوم يبعثون، والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:
[1] - التوحيد، الشيخ الصدوق: 339.
[2] - جامع أحاديث الشيعة، السيد البروجردي: 14/236.
[3] - بحار الانوار: 42/133-134.
[4] - بحار الانوار: 42/135.
[5] - مستدرك الوسائل، الطبرسي: 12/274.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1017 Seconds