ائتلاف الشريف الرضي ومفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده في عوالم نهج البلاغة.

الشريف الرضي

ائتلاف الشريف الرضي ومفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده في عوالم نهج البلاغة.

1K مشاهدة

الباحث: السيد نبيل الحسني الكربلائي.

الحمد للَّه ربّ العالمين وصلَّى اللَّه على نبيّنا مُحَمَّدٍ وآلهِ الطَّاهرين، واللعن الدَّائم على أعدائهم أجمعين.
ليس بمقدور أيِّ امرئ أن يتجاوز سحر نهج البلاغة سواء أكان من أهل البيان، فـ «إنّ من البيان سحراً»[1].
أم من أهل التدين، موافقاً لِعَلِيّ (عليه السَّلَام) أم مخالف، أو من أهل الكلام أو التصوف أو الحكم والسلطان والسياسة، أو الاقتصاد والتجارة أو التربية والاجتماع، أو الحقوق للبشر أو الشجر أو الحجر والحيوان.
فكل قاصدٍ مهما كانت وجهته لا يستطيع الإفلات من سحر نهج البلاغة أو إخفاء تأثره به، فهو لأهل الحق والعقل نسيم، ولأهل الباطل والجهل جحيم.
ومن سحره أنَّه جمع الشريف الرضي والشيخ محمد عبده في بعض عوالمه فائتلافا أيَّما ائتلافٍ، وكأنهما توأمين سكنا هذه العوالم، فانظر ماذا يقول الشريف الرضي (عليه رحمة الله) عن عوالم نهج البلاغة الذي أسرته وسحرته بمشاهدها وأحوالها.
 فيقول:
(ومن عجائبه (عليه السلام) التي انفرد بها وأمن المشاركة فيها أنَّ كلامه (عليه السلام) الوارد في الزهد والمواعظ والتذكير والزواجر إذا تأمله المتأمل، وفكر فيه المتفكر وخلع من قلبه أنَّه كلام مثله ممن عظم قدره، ونفذ أمره وأحاط بالرقاب ملكه لم يعترضه الشك في أنَّه من كلام من لا حفظ له في الزهادة، ولا شغل له بغير العبادة، وقد قبع في كسر بيت أو انقطع في سفح جبل، لا يسمع إلا حسه ولا يرى إلا نفسه، ولا يكاد يوقن بأنَّه كلام من يتغمس في الحرب مصلتا سيفه فيقطع الرقاب، ويجدل الأبطال ويعود به ينطف دمًا ويقطر مهجًا.
 وهو مع تلك الحال زاهد الزهاد وبدل الأبدال، وهذه من فضائله العجيبة وخصائصه اللطيفة التي جمع بها بين الأضداد، وألف بين الأشتات، وكثيرًا ما أذكر الإخوان بها واستخرج عجبهم منها، وهي موضوع للعبرة بها والفكرة فيها)[2].
وهذه العوالم التي هي موضوع للعبرة بها والفكرة فيها، قد شغلت لبّ مفتي الديار المصرية.
قائلاً:
(كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع أحس بتغير المشاهد، وتحول المعاهد فتارة كنت أجدني في عالم يغمره من المعاني أرواح عالية، في حلل من العبارات الزاهية تطوف على النفوس الزاكية، وتدنو من القلوب الصافية، توحي إليها رشادها، وتقوم منها مرادها، وتنفر بها عن مداحض المزال، إلى جواد الفضل والكمال. وطورا كانت تتكشف لي الجمل عن وجوه باسرة [3]، وأنياب كاشره، وأرواح في أشباح النمور ومخالب النسور، قد تحفزت للوثاب، ثم انقضت للاختلاب فخلبت القلوب عن هواها، وأخدت الخواطر دون رماها، واغتالت فاسد الأهواء وباطل الآراء . وأحيانا كنت أشهد أن عقلًا نورانيًا، لا يشبه خلقا جسدانيا، فصل عن الموكب الإلهي، واتصل بالروح الإنساني، فخلعه عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى، ونما به إلى مشهد النور الأجلي، وسكن به إلى عمار جانب التقديس، بعد استخلاصه من شوائب التلبيس[4].
وآنات كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة، وأولياء أمر الأمة، يعرفهم مواقع الصواب ويبصرهم مواضع الارتياب ويحذرهم مزالق الاضطراب، ويرشدهم إلى دقاق السياسة، ويهديهم طرق الكياسة، ويرتفع بهم إلى منصات الرئاسة ويصعدهم شرف التدبير، ويشرف بهم على حسن المصير)[5].
ولعل غيرهما أي الشريف الرضي ومفتي الديار المصرية ممن دخل إلى هذه العوالم، وأنس بهذه المواطن، فائتلفت نفسه إلى نفسيهما، وأنست بما يرون ويشاهدون.
ومن هذه المواطن التي تعددت في كتاب نهج البلاغة هي المسائل الشرعية والأحكام الفقهية فما أكثرها وأكثر تنوعها، قد قصرت عن قطافها يدا الطالب، فتركت في نفسه حسرة وشوقاً[6].

الهوامش:
[1] حديث نبوي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أخرجه العديد من أصحاب الصحاح والسنن، ينظر: «صحيح البخاري، كتاب النكاح: ج6 ص 137».
[2] نهج البلاغة، بشرح الشيخ محمد عبده: 1 / 13.
[3] باسرة: عابسة.
[4] التلبيس: التخليط التدليس.
[5] نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده: 1 / 4.
[6] فقه نهج البلاغة على المذاهب السبعة، للمؤلف: 1/ 80-82.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1231 Seconds