حركة التاريخ عند الإمام علي (عليه السلام)*

577 2016-06-29


عندما يُدخل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) عنصر التاريخ في أكثر أحاديثه وخطبه و كتبه السياسيَّة والفكريَّة, فالغاية من ذلك هي وجود علاقة وعظيه لأنَّ الغالب عند الإمام عن التاريخ هو الوعظ.

 كذلك تعدّ الحياة الإنسانية لدى جميع الناس في جميع الأزمان والأوطان هي عبارة عن نهر متدفِّق من التجارب والآمال والإنجازات وخيبات الأمل، وهذا ما يجعل الأسئلة الّتي تثيرها مشكلات الحاضر حافزاً نحو استرجاع الماضي، باعتباره عملاً مكمِّلاً وضروريَّاً في البحث الصحيح الموضوعي عن أجوبة أكثر سداداً وحكمة، تؤدِّي إِلى حلول صائبة أو مقاربة للصواب للمشكلات الّتي تواجه الإنسان في حاضره.

لذا اتَّخذ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من حركة التاريخ وسيلة لتقويم السلوك الإنساني وأداة لإصلاح المجتمعات؛ هذا الإصلاح الذي لا يتمُّ إلّا من خلال إصلاح أفراد المجتمع أو الأمَّة كما يعبِّر عنها القرآن الكريم.

وتمتاز علاقة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بحركة التاريخ عن غيره ممَّن يهتمون بالتاريخ بأنَّه (عليه السلام) يتعايش مع هذه الحركة وكأنَّه عنصرٌ من عناصرها، وواحد من مكوناتها، فما أن مرَّ على أمَّة من الأمم تحدَّث عنها وكأنَّه أحد أفرادها المبصرين بأحوال أمته.

ولذا لم يكن ــ حينما يتحدَّث عن هذه الأمة أو تلك ــ بالرجل القاص، أو الراوي المتسلي؛ وإنَّما هو الرجل المعايش لهذه الأمة والعارف بعوامل نهوضها، أو اندثارها، المتبحِّر في أخلاقها وسلوكها.

ومن هنا: نجده يحثّ على التعامل مع التاريخ تعامل المرشد، والمصلح، والمقوِّم لحركة الإنسان الدنيوية والأخروية؛ ممِّا جعل بعض الباحثين ينظرون إلى هذه العلاقة بأنها (علاقة وعظية)([1])، أي أنَّ الغالب في حديثه (عليه السلام) عن التاريخ هو الوعظ.

في حين أنَّه (عليه السلام) لم يكن ليخالف المنهج القرآني والنبوي في بيان حركة التاريخ وسننه، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته بشكل واضح في خطبه وحديثه عن حركة التاريخ وسننه.

ففي حركة التاريخ يقول (عليه السلام) وهو يوصي ولده الإمام الحسن (عليه السلام):

((أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ،...))([2]).

وهنا نلاحظ رصده الدقيق لحركة التاريخ منذ أن وُجد الإنسان على هذه البسيطة، بوصفه جامع لهذه المعرفة من خلال النظر في أعمال الأمم أفراداً وجماعات، وفكّر في أخبارهم التي دأب المؤرخون على عرضها دون الفكرة في أحوالها، فامتاز عنهم بالنظر والفكر والسبر في آثارهم حتَّى أصبح كأحدهم. بل لدرجة انّه أصبح له من المعرفة بتاريخ هذه الأمم وأحوالها وكأنّه عمَّر مع أولهم إلى آخرهم، ليخرج بمحصلة لهذا كله بأنَّه أصبح الخبير المتمرِّس والعارف الحاذق بصفو الحياة الماضية من كدرها ونفعها من ضررها، وبمعنى أدق: أصبح العارف بصفو التاريخ من كدره ونفعه من ضرره.

هذه المعرفة الواسعة والشاملة والعميقة والدقيقة بالتاريخ حركة وسنة، كان لها الأثر الفعَّال في نمو الوعي التاريخي عند المسلمين لا سيَّما رواد مدرسة العترة النبوية الطاهرة (عليهم السلام) كـ(سليم بن قيس الهلالي، وجابر بن يزيد الجعفي، ومحمد بن إسحاق المطلبي شيخ كتّاب السيرة النبوية) وغيرهم.

وعليه:

كانت رؤية الإمام (عليه السلام) لحركة التاريخ  دقيقة، محدّدة، مضيئة واضحة المعالم لا تقتصر على رؤية النّكبات والكوارث - كما توحي بذلك كثرة النّصوص الحاكية عن ذلك في نهج البلاغة - وإنّما تشمل البشائر أيضاً.

فسلام اللّه على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

والحمد للّه ربّ العالمين.

...................................

·  حركة التأريخ وسنته عند علي وفاطمة (عليهم السلام), دراسة إسلامية معاصرة, تأليف السيد نبيل الحسني,ص57-59. (بتصرف).

 

 

 



([1]) حركة التاريخ عند الإمام علي (عليه السلام)، محمد مهدي شمس الدين.

([2]) نهج البلاغة: خطب الإمام علي عليه السلام: ج 3، ص 41. تحف العقول لابن شعبة الحراني: ص70. كشف المحجة للسيد ابن طاووس: ص 161.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك