الأحاديث الدالة على ثبوت ولادة الإمام علي (عليه السلام) في جوف الكعبة

584 2016-07-05


ربما يكون إيراد الأحاديث الدالة على ولادة الإمام علي (عليه السلام) في جوف الكعبة تحصيل حاصل بعد هذه الجولة من الاستدلالات النقلية والعقلية. إلَّا أنني أحببت أن أورد بعض هذه الأحاديث كي نقطع الطريق على من ظل يماطل في الإذعان لهذه الحقيقة.

أولاً: ما ورد في كتب أتباع مدرسة الصحابة:

قبل البدء في إيراد هذه الأقوال كان لزاماً علينا أن نورد أولاً ما ورد عن العترة النبوية (عليهم السلام)، إذ المتقدم عليهم مارق والمتخلف عنهم غارق، لكن ابتدأنا بمحدِّثي مدرسة الصحابة كي نقطع الطريق على المعاندين وليكون ختامه مسك في ذكر روايات أهل البيت (عليهم السلام).

1 . الحاكم النيسابوري (صاحب المستدرك)، فقد رد على مصعب بن عبد الله حينما نسب الولادة في جوف الكعبة إلى فاختة بنت زهير بن أسد حينما كانت حاملاً بولدها حكيم، إذ قال: (وهم مصعب ــ أي توهم ــ فقد تواترت الأخبار: إنَّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في جوف الكعبة)[1].

إذن: الثابت الذي عليه حد التواتر عند المحدثين هو ولادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكعبة وليس كما يزعم ابن أبي الحديد والحافظ النووي ومسلم النيسابوري وغيرهم بأنَّ ذلك من قول الشيعة.

2 . وقيل ولد (عليه السلام) في جوف الكعبة، يوم الجمعة الثالث عشر من رجب قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة على المشهور)[2].

3 . ذكر ابن الصباغ المالكي نقلاً عن أبي المعالي الفقيه المالكي وقد روى خبراً يرفعه إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) أنَّه قال: (كنا عند علي بن الحسين (عليه السلام) في بعض الأيام وإذا بنسوة مجتمعين فأقبلت امرأة منهن علينا فقلت لها: من أنت يرحمك الله؟ قالت: أنا زيدة ابنة العجلان من بني ساعدة، فقلت لها: هل عندكِ من شيء تحدثينا به؟ قالت: أي والله حدثتني أم عمارة بنت عبادة بن فضلة بن مالك بن عجلان الساعدي أنها كانت ذات يوم في نساء من العرب إذ أقبل أبو طالب كئيباً حزيناً، فقلت له ما شأنك؟ قال: إنَّ فاطمة بنت أسد في شدة من الطلق. ثمَّ أخذ بيدها وجاء بها إلى الكعبة فدخل بها، وقال: اجلسي على اسم الله، فطلقت طلقة واحدة فولدت غلاماً نظيفاً منظفاً لم أر أحسن وجهاً منه، فسماه أبو طالب علياً وقال شعراً:

سميته بعلي كي يدوم له *** عزُّ العلو وفخر العز أدومه

وجاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فحمله معه إلى منزل أمه، قال علي بن الحسين: فو الله ما سمعت بشيء حسن قط، إلا وهذا من أحسنه»)[3].

4 . روى الحافظ الكنجي الشافعي في كفايته قائلاً: عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ميلاد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال: «لقد سألتني عن خير مولود ولد في شبيه المسيح (عليه السلام) إنَّ الله تبارك وتعالى خلق علياً من نوري  وخلقني من نوره وكلانا من نور واحد، ثم إنَّ الله (عز وجل) نقلنا من صلب آدم عليه السلام في أصلاب طاهرة إلى أرحام زكية فما نقلت من صلب إلا ونقل علي معي فلم نزل كذلك حتى استودعني خير رحم وهي آمنة، واستودع عليا خير رحم وهي فاطمة بنت أسد، وكان في زماننا رجل زاهد عابد يقال له المبرم بن دعيب بن الشقبان، قد عبد الله تعالى مائتين وسبعين سنة لم يسأل الله حاجة، فبعث الله إليه أبا طالب فلما أبصره المبرم قام إليه وقبل رأسه وأجلسه بين يديه ثمَّ قال له: من أنت؟ فقال: رجل من تهامة. فقال: من أي تهامة؟ فقال: من بني هاشم. فوثب العابد فقبل رأسه ثمَّ قال: يا هذا إنَّ العلي الأعلى ألهمني إلهاماً. قال أبو طالب: وما هو؟ قال: ولد يولد من ظهرك وهو ولي الله (عزَّ وجلَّ)، فلمَّا كان الليلة التي ولد فيها علي أشرقت الأرض فخرج أبو طالب وهو يقول: أيَّها الناس ولد في الكعبة ولي الله فلمَّا أصبح دخل الكعبة وهو يقول:

يا رب هذا الغسق الدجيّ *** والقمر المنبلج المضيّ

بَيّن لنا من أمرك الخفي *** ماذا ترى في اسم ذا الصبي؟

قال: فسمع صوت هاتف يقول:

يا أهل بيت المصطفى النبي  ***  خصصتمُ بالولد الزكي

إن اسمه من شامخ العلي ***  علي اشتق من العلي

أخرجه الحافظ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ص 260 وقال: تفرد به مسلم بن خالد الزنجي وهو شيخ الشافعي، وتفرد به عن الزنجي عبد العزيز بن عبد الصمد وهو معروف عندنا)[4].

ثانياً: ما ورد في كتب أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام):

أمَّا ما روي عن علماء الشيعة ومحدِّثيهم فهو كالآتي: وسنورد قصار الأقوال ونختم بالأحاديث الطويلة إتماماً للفائدة:

1ــ قال الشريف الرضي (المتوفى سنة 406): (ولا نعلم مولود ولد في الكعبة غيره)[5].

2ــ قال ابن شهر آشوب المازندراني (المتوفى سنة 588هـ): (ولد في الكعبة، وربى في دار خديجة)[6].

3ــ قال الفتال النيسابوري (المتوفى سنة 508هـ): (إنَّ علي بن أبي طالب ولد في الكعبة، وفي ذلك يقول السيد الحميري:

ولدته في حرم الإله أمه  *** والبيت حيث فناؤه والمسجد

بيضاء طاهرة الثياب كريمة *** طابت وطاب وليدها والمولد

في ليلة غابت نحوس نجومها  ***  وبدت مع القمر المنير الأسعد

ما لف في خرق القوابل مثله  ***  إلا ابن آمنة النبي محمد[7]

 

4ــ قال السيد ابن طاووس[8] (المتوفى سنة 664هـ)، والشهيد الأول[9] (المتوفى سنة 786هـ)، ومحمد بن المشهدي[10] (المتوفى سنة 610هـ)، في زيارته عليه السلام: (السلام عليك يا من ولد في الكعبة).

5ــ روى المجلسي المتوفى سنة (1111هـ): «عن كتاب العلل لـ محمد بن علي بن إبراهيم: علة فضيلة أمير المؤمنين لم تكن لأحد قبله ولا بعده، (أنه ولد في الكعبة)»[11].

6ــ روى ابن أبي الفتح الأربلي (المتوفى سنة 693هـ) عن كتاب بشاير المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) مرفوعاً إلى يزيد بن قعنب قال: (كنت جالساً مع العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وفريق من بني عبد العزَّى بإزاء بيت الله الحرام إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكانت حاملاً به لتسعة أشهر وقد أخذها الطلق، فقالت: يا ربِّ إنِّي مؤمنة بك، وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإنِّي مصدّقة بكلام جدي إبراهيم الخليل (عليه السلام)، وإنَّه بنى البيت العتيق فبحق الذي بنى هذا البيت والمولود الذي في بطني إلَّا ما يسرت علي ولادتي قال يزيد بن قعنب: فرأيت البيت قد انشق عن ظهره ودخلت فاطمة فيه وغابت عن أبصارنا وعاد إلى حاله، فرحنا أن ينفتح لنا قفل الباب! فلم ينفتح فعلَّما أنَّ ذلك من أمر الله تعالى، ثمَّ خرجت في اليوم الرابع وعلى يدها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

ثمَّ قالت: إنِّي فضلت على من تقدَّمني من النساء لأنَّ آسيا بنت مزاحم عبدت الله سراً في موضع لا يحب الله أن يعبد فيه إلا اضطراراً، وأنَّ مريم بنت عمران حضرت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلت منها رطباً جنياً، وإنِّي دخلت بيت الله الحرام فأكلت من ثمار الجنة وأرزاقها فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف وقال: يا فاطمة سميه علياً، فهو علي، والله العلي الأعلى، يقول: اشتققت اسمه من اسمي، وأدبته بأدبي، وأوقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي، وهو الذي يؤذِّن فوق ظهر بيتي، ويقدسني ويمجدني، فطوبى لمن أحبه وأطاعه وويل لمن أبغضه وعصاه.

قالت: فولدت علياً ولرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثون سنة، فأحبَّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حباً شديداً وقال لها: «اجعلي مهده بقرب فراشي».

وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يلي أكثر تربيته، وكان يطهر علياً في وقت غسله، ويوجره اللبن عند شربه، ويحرك مهده عند نومه، ويناغيه في يقظته، ويحمله على صدره ورقبته، ويقول: «هذا أخي وولي وناصري، وصفي، وذخري، وكهفي، ومهري، ووصيي، وزوج كريمتي، وأميني على وصيتي، وخليفتي».

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحمله دائماً ويطوف به جبال مكة وشجامها وأوديتها وفجاجها صلى الله على الحامل والمحمول)[12].

7 ــ روى شاذان بن جبرئيل القمي (المتوفى سنة 660هـ) قال: (أخبرنا الشيخ الإمام العالم الورع الناقل ضياء الدين شيخ الإسلام أبو العلاء الحسن بن أحمد بن يحيى العطار الهمداني في همدان في مسجده في الثاني والعشرين من شعبان سنة ثلاث ثلاثين وستمائة، قال: حدثنا الإمام ركن الدين أحمد بن محمد بن إسماعيل الفارسي، قال: حدثنا عمر بن روق الخطابي، قال: حدثنا الحجاج بن منهال عن الحسن بن عمران عن شاذان بن العلاء، قال: حدثنا عبد العزيز عن عبد الصمد عن سالم عن خالد بن السري عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ميلاد علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: «آه آه سألت عجبا يا جابر عن خير مولود ولد بعدي على سنة المسيح، إنَّ الله تعالى خلقه نورا من نوري وخلقني نورا من نوره وكلانا من نور واحد وخلقنا من قبل أن يخلق سماءً مبنيةً والأرض مدحية ولا كان طول ولا عرض ولا ظلمة ولا ضياء ولا بحر ولا هواء بخمسين ألف عام، ثمَّ إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) سبَّح نفسه فسبحناه وقدَّس ذاته فقدسناه ومجد عظمته فمجدناه فشكر الله تعالى ذلك لنا فخلق من تسبيحي السماء فمسكها، والأرض فبطحها والبحار فعمقها، وخلق من تسبيح علي الملائكة المقربين فجميع ما سبحت الملائكة لعلي وشيعته.

يا جابر إنَّ الله تعالى (عزَّ وجلَّ) نسلنا فقذف بنا في صلب آدم (عليه السلام) فأمَّا أنا فاستقررت في جانبه الأيمن وأما علي فاستقر في جانبه الأيسر ثم إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) نقلنا من صلب آدم (عليه السلام) في الأصلاب الطاهرة فما نقلني من صلب إلاّ نقل علياً معي فلم نزل كذلك حتى اطلعنا الله تعالى من ظهر طاهر وهو ظهر عبد المطلب ثم نقلني من ظهر طاهر وهو ظهر عبد الله واستودعني خير رحم وهي آمنة فلما ظهرت ارتجت الملائكة وضجت وقالت: إلهنا وسيدنا ما بال وليك علي لا نراه مع النور الأزهر يعنون بذلك محمداً، فقال الله (عزَّ وجلَّ): إنِّي أعلم بولي وأشفق عليه منكم.

فاطلع الله (عزَّ وجلَّ) علياً من ظهر طاهر من بني هاشم فمن قبل أن يصير في الرحم كان رجل في ذلك الزمان وكان زاهداً عابداً يقال له المثرم بن زغيب الشيقبان، وكان من أحد العباد قد عبد الله تعالى مأتين وسبعين سنة لم يسأله حاجة إلا أجابه، إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أسكن في قلبه الحكمة وألهمه بحسن طاعته لربِّه، فسأل الله تعالى أن يريه ولياً له فبعث الله تعالى أبا طالب، فلمَّا بصر به المثرم قام إليه وقبَّل رأسه وأجلسه بين يديه ثم قال له: من أنت يرحمك الله تعالى، فقام رجل من تهامة قال: أي تهامة؟ فقال: من عبد مناف، ثم قال من هاشم، فوثب العابد وقبَّل رأسه ثانية وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتَّى أراني وليَّه، ثمَّ قال: أبشر يا هذا فانَّ العلي الأعلى ألهمني إلهاماً فيه بشارتك.

فقال أبو طالب: وما هو؟ قال ولد يولد من ظهرك هو ولي الله (عزَّ وجلَّ) إمام المتقين ووصي رسول ربِّ العالمين فإن أنت أدركت ذلك الولد من ظهرك فاقرأه منِّي السلام وقل له إنَّ المثرم يقرأ عليك السلام ويقول أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمداً رسول الله (صلى الله عليه وآله) به تتم النبوة وبعلي تتم الوصية.

قال: فبكى أبو طالب وقال: ما اسم هذا المولود؟ قال: اسمه علي، قال أبو طالب: إنِّي لا أعلم حقيقة ما تقول إلَّا ببرهان مبين ودلالة واضحة، قال المثرم: ما تريد، قال: أريد أن أعلم ما تقوله حق من ربِّ العالمين ألهمك ذلك، قال: فما تريد أن أسأل لك الله تعالى أن يطعمك في مكانك هذا؟ قال أبو طالب: أريد طعاماً من الجنة في وقتي هذا، قال: فدعا الراهب ربَّه.

قال جابر: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فما استتم المثرم الدعاء حتَّى أوتي بطبق عليه فاكهة من الجنة وعذق رطب وعنب ورمان، فجاء به المثرم إلى أبي طالب فتناول منه رمانة ثمَّ نهض من ساعته إلى فاطمة بنت أسد (رضي الله عنها) فلمَّا استودعها النور ارتجت الأرض وتزلزلت بهم سبعة أيام حتى أصاب قريشا من ذلك شدة ففزعوا، فقالوا: مروا بآلهتكم إلى ذروة جبل أبي قبيس حتى نسألهم يسكنون لنا ما نزل بنا وحل بساحتنا، قال: فلمَّا اجتمعوا على جبل أبي قبيس وهو يرتجُّ ارتجاجاً ويضطرب اضطراباً فتساقطت الآلهة على وجهها فلمَّا نظروا ذلك قالوا: لا طاقة لنا.

ثمَّ صعد أبو طالب الجبل وقال: لهم أيُّها الناس اعلموا أنَّ الله تعالى (عزَّ وجلَّ) قد أحدث في هذه الليلة حادثاً، وخلق فيها خلقا، فإن لم تطيعوه وتقروا له بالطاعة وتشهدوا له بالإمامة المستحقة وإلا لم يسكن ما بكم حتى لا يكون بتهامة سكن، قالوا: يا أبا طالب إنَّا نقول بمقالتك فبكى ورفع يديه وقال: إلهي وسيدي أسألك بالمحمدية المحمودة والعلوية العالية والفاطمية البيضاء إلَّا تفضلت على تهامة بالرأفة والرحمة.

قال جابر: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فو الله الذي خلق الحبَّة وبرأ النسمة قد كانت العرب تكتب هذه الكلمات فيدعون بها عند شدائدهم في الجاهلية، وهي لا تعلمها ولا تعرف حقيقتها متى ولد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلمَّا كان في الليلة التي ولد فيها (عليه السلام) أشرقت الأرض وتضاعفت النجوم، فأبصرت من ذلك عجباً فصاح بعضهم في بعض وقالوا: إنَّه قد حدث في السماء حادث ألا ترون إشراق السماء وضياءها وتضاعف النجوم بها قال: فخرج أبو طالب وهو يتخلل سكك مكة ومواقها وأسواقها وهو يقول لهم: أيُّها الناس ولد الليلة في الكعبة حجة الله تعالى وولي الله، فبقي الناس يسألونه عن علة ما يرون من إشراق السماء، فقال لهم: أبشروا فقد ولد في هذه الليلة ولي من أولياء الله (عزَّ وجلَّ) يختم به جميع الشر ويتجنب الشرك والشبهات، ولم يزل يذكر هذه الألفاظ حتَّى أصبح فدخل الكعبة وهو يقول هذه الأبيات:

يا رب الغسق الدجيّ ***  والقمر المنبلج المضيّ

بين لنا من حكمك المقضي  ***  ماذا ترى لي في اسم ذا الصبي

فسمع هاتفا يقول:

خصصتما بالولد الزكي ***  والطاهر المطهر المرضي

إنَّ اسمه من شامخ علي ***  علي اشتق من العلي

فلمَّا سمع هذا خرج من الكعبة وغاب عن قومه أربعين صباحا. قال جابر: فقلت يا رسول الله عليك السلام أين غاب؟ قال: مضى إلى المثرم ليبشره بمولد علي بن أبي طالب (عليه السلام) في جبل لكام فإن وجده حياً بشره وإن وجده ميتا أنذره.

فقال جابر: يا رسول الله فكيف يعرف قبره وكيف ينذره، فقال: يا جابر اكتم ما تسمع فإنَّه من سرائر الله تعالى المكنونة وعلومه المخزونة إنَّ المثرم كان قد وصف لأبي طالب كهفا في جبل لكام وقال له: إنَّك تجدني هناك حياً أو ميتا، فلمَّا أن مضى أبو طالب إلى ذلك الكهف ودخله فإذا هو بالمثرم ميتا جسده ملفوف في مدرعتين مسجى بهما، وإذا بحيتين إحداهما أشد بياضا من القمر، والأخرى أشد سواداً من الليل المظلم، وهما يدفعان عنه الأذى فلما أبصرتا أبا طالب غابتا في الكهف، فدخل أبو طالب وقال: السلام عليك يا ولي الله ورحمة الله وبركاته فأحيى الله تعالى بقدرته المثرم، فقام قائماً وهو يمسح وجهه وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنَّ علياً ولي الله وهو الإمام من بعده.

ثمَّ قال له المثرم: بشرني يا أبا طالب فقد كان قلبي متعلقا حتى منَّ الله تعالى علي بك وبقدومك، فقال له أبو طالب: أبشر فإنّ علياً طلع إلى الأرض، قال: فما كان علامة الليلة التي ولد فيها، حدثني بأتم ما رأيت في تلك الليلة، قال أبو طالب: نعم أخبرك بما شاهدته، لمَّا مر من الليل الثلث أخذ فاطمة بنت أسد (عليها السلام) ما يأخذ النساء عند ولادتها، فقرأت عليها الأسماء التي فيها النجاة فسكن بإذن الله تعالى، فقلت لها: أنا آتيك بنسوة من أحبائك ليعينوك على أمرك، قالت: الرأي لك فاجتمعن النسوة عندها فإذا بهاتف يهتف من وراء البيت: أمسك عنهن يا أبا طالب فإنَّ ولي الله لا تمسه إلا يد مطهرة.

فلم يتم الهاتف كلامه حتى أتى محمد بن عبد الله ابن أخي فطرد تلك النسوة وأخرجهن من البيت، وإذا أنا بأربع نسوة قد دخلن عليها وعليهن ثياب من حرير بيض، وإذا روايحهن أطيب من المسك الأذفر، فقلن: السلام عليك يا ولية الله فأجابتهن بذلك، فجلسن بين يديها ومعهن جونة من فضة فما كان إلا قليلا حتى ولد أمير المؤمنين (عليه السلام) فلما إن ولد بينهن فإذا به قد طلع (عليه السلام) فسجد على الأرض وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له وأشهد أن محمداً رسول الله تختم به النبوة وتختم بي الوصية.

فأخذته إحداهن من الأرض ووضعته في حجرها فلما حملته نظر إلى وجهها ونادى بلسان طلق يقول: السلام عليك يا أمَّاه، فقالت: وعليك السلام يا بني، فقال كيف والدي؟ قالت: في نعم الله (عزَّ وجلَّ)، فلمَّا إن سمعت ذلك لم أتمالك أن قلت يا بني أو لست أنا أباك؟ فقال: بلى ولكن أنا وأنت من صلب آدم فهذه أمي حواء، فلمَّا سمعت ذلك غضضت وجهي ورأسي وغطيته بردائي وألقيت نفسي حياء منها (عليها السلام) ثمَّ دنت أخرى ومعها جونة مملوءة من المسك فأخذت عليا (عليه السلام) فلمَّا نظر إلى وجهها قال: السلام عليك يا أختي، فقالت وعليك السلام يا أخي، فقال: ما خبر عمي؟ قالت: بخير فهو يقرأ عليك السلام، فقلت: يا بني من هذى ومن عمك؟ فقال: هذه مريم ابنة عمران (عليها السلام) وعِّمي عيسى (عليه السلام) فضمخته بطيب كان معها من الجنة.

ثمَّ أخذته أخرى فأدرجته في ثوب كان معها، فقال أبو طالب: لو طهرناه كان أخف عليه وذلك أن العرب تطهر مواليدها في يوم ولادتهم، فقلن إنَّه ولد طاهراً مطهراً لأنه لا يذيقه الله حر الحديد إلا على يدي رجل يبغضه الله تعالى وملائكته والسماوات والأرض والجبال وهو أشقى الأشقياء، فقلت لهن: من هو؟ قلن: هو عبد الله بن ملجم لعنه الله تعالى، وهو قاتله بالكوفة سنة ثلاثين من وفاة محمد (صلى الله عليه وآله).

قال أبو طالب: فأنا كنت استمع قولهن، ثم أخذه محمد بن عبد الله أخي من أيديهن ووضع يده في يده وتكلم معه وسأله عن كلِّ شيء، فخاطب محمد (صلى الله عليه وآله) علياً وخاطب علي محمدا بأسرار كانت بينهما.

ثمَّ غابت النسوة فلم أرهن، فقلت في نفسي: ليتني كنت أعرف الامرأتين الآخرين وكان علي (عليه السلام) أعلم بذلك فسألته عنهن، فقال لي: يا أبت أمَّا الأولى فكانت أمي حواء، وأما الثانية التي ضمختني بالطيب فكانت مريم ابنة عمران، وأما التي أدرجتني في الثوب فهي آسية، وأما صاحبة الجونة فكانت أم موسى (عليه السلام).

ثمَّ قال علي (عليه السلام): الحق بالمثرم يا أبا طالب وبشره وأخبره بما رأيت فإنَّك تجده في كهف كذا في موضع كذا وكذا، فلما فرغ من المناظرة مع محمد ابن أخي ومن مناظرته عاد إلى طفوليته الأولى فأنبأتك وأخبرتك ثم شرحت لك القصة بأسرها بما عاينت يا مثرم، قال أبو طالب: فلما سمع المثرم ذلك منى بكى بكاء شديداً في ذلك وفكر ساعة ثم سكن وتمطى ثم غطّى رأسه، وقال: بل غطني بفضل مدرعتي فغطيته بفضل مدرعته فتمدد فإذا هو ميت كما كان فأقمت عنده ثلاثة أيام أكمله فلم يجبني فاستوحشت لذلك فخرجت الحيتان وقالتا الحق بولي الله فإنك أحق بصيانته وكفالته من غيرك.

فقلت لهما من أنتما قالتا نحن عمله الصالح خلقنا الله (عز وجل) على الصورة التي ترى لنذب عنه الأذى ليلاً ونهاراً إلى يوم القيامة، فإذا قامت الساعة كانت إحدانا قائدته والأخرى سائقته ودليلته إلى الجنة. ثم انصرف أبو طالب إلى مكة.

قال جابر بن عبد الله: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): شرحت لك ما سألتني ووجب عليك له الحفظ فإنَّ لعلي عند الله من المنزلة الجليلة والعطايا الجزيلة ما لم يعط أحد من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين، وحبَّه واجب على كل مسلم فإنَّه قسيم الجنة والنار، ولا يجوز أحد على الصراط إلا ببراءة من أعداء علي عليه السلام))[13].

فهذه هي حقيقة ولادة الإمام علي (عليه السلام) في جوف الكعبة وبها يتضح معنى اختيار الله تعالى بيته الحرام في أن يكون محلاً لدخول فاطمة بنت أسد لتلد فيه خاتم الأوصياء وأبو الأئمة النجباء الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] المستدرك على الصحيحين للحاكم: ج3، ص482.

[2] معارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للزرندي الشافعي: ص57.

[3] الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ج1، ص175؛ كشف الغمة للأربلي: ج1، ص60.

[4] الغدير للعلامة الأميني: ج7، ص347، نقلاً عن كفاية الطالب للكنجي: ص260.

[5] خصائص الأئمة: ص39.

[6] المناقب: ج2، ص45.

[7] روضة الواعظين: ص81.

[8] إقبال الأعمال: ج3، ص131.

[9] المزار: ص91.

[10] المزار: ص207.

[11] البحار: ج96، ص370.

[12] كشف الغمة للأربلي: ج1، ص61ـ62؛ الجواهر السنية للحر العاملي (باختصار): ص230؛ شرح إحقاق الحق للمرعشي: ج5، ص57.

[13] الفضائل لابن شاذان: ص54 ــ 59.

(من كتاب : المولود في بيت الله الحرام علي (عليه السلام) أم حكيم بن حزام, دراسة وتحقيق: السيد نبيل الحسني, ص116-129 ) .

 

 

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك