الاحاديث الواردة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في معرفة الله (عزَّ وجلَّ)

727 2016-07-04


إنَّ معرفة الله (عزَّ وجلَّ) وتلقي خطاباته لا تتاح للإنسان الاعتيادي إلا بوجود واسطة بينه تعالى وبين عباده، ولذلك جاء الرسل مبشرين لمن يطيع الله تعالى ومنذرين لمن يعصيه ويتجاوز أوامره، فكان واجب الرسل تعريف العباد بخالقهم من أجل أن يؤدوا حقَّه عليهم ويشكروا نعمته بعد أن أوجدهم من العدم، وتستمر هذه الحركة التعريفية بعد الأنبياء بواسطة أوصيائهم فيسيروا على هديهم في إرشاد الناس إلى ربِّهم. ومن جملة الأوصياء الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي أخذ على عاتقه نشر المعارف الإلهية بين الناس ليكونوا عارفين بربِّهم طائعين له. ومن جملة ما قال في هذا الصدد:

ـ  عن محمد بن يعقوب، عن عليّ بن محمّد، عمّن ذكره، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن حمران، عن الفضل بن السكن، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : اعرفوا الله بالله، والرسول بالرسالة، وأُولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان(1).

ـ عن محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الفارسي، عن أحمد بن محمّد بن سعيد النسويّ، عن أحمد بن محمّد بن عبد الله الصغدي بمرو، عن محمّد بن يعقوب بن الحكم العسكري، وأخيه معاذ بن يعقوب، عن محمّد بن سنان الحنظلي، عن عبد الله بن عاصم، عن عبد الرحمن بن قيس، عن ابن هاشم الرّماني، عن زاذان، عن سلمان الفارسي (رحمه الله) في حديث طويل يذكر فيه قدوم الجاثليق المدينة مع مائة من النصارى، وما سأل عنه أبا بكر فلم يجبه، ثمَّ أرشد إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي

____________

1- الكافي 1: 85; روضة الواعظين، باب معنى التوحيد والعدل: 30; مصابيح الأنوار 1: 24.

طالب (عليه السلام) فسأله عن مسائل فأجابه عنها، وكان فيما سأله أن قال له: أخبرني عرفت الله بمحمد، أم عرفت محمّداً بالله؟ فقال عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) :( ما عرفت الله عزّ وجلّ بمحمّد (صلى الله عليه وآله) ولكن عرفت محمّداً بالله عزّ وجلّ حين خلقه وأحدث فيه الحدود من طول وعرض، فعرفت أنّه مدبَّرٌ مصنوعٌ باستدلال وإلهام منه وإرادة، كما ألهم الملائكة طاعته وعرّفهم نفسه بلا شبه ولا كيف، الحديث(1)

بيـان:

عن عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقّاق (رحمه الله) قال: سمعت محمَّد بن يعقوب يقول: معنى قوله: اعرفوا الله بالله، يعني أنّ الله (عزّ وجلّ) خلق الأشخاص والألوان والجواهر والأعيان، فالأعيان الأبدان، والجواهر الأرواح، وهو (جلّ وعزّ) لا يشبه جسماً ولا روحاً، وليس لأحد في خلق الروح الحسَّاس الدراك أثر ولا سبب، وهو المتفرّد بخلق الأرواح والأجسام، فمن نفى عنه الشبهين: شبه الأبدان وشبه الأرواح، فقد عرف الله بالله، ومن شبّهه بالروح أو البدن أو النور فلم يعرف الله بالله.

قال الصدوق (رحمه الله) القول الصواب في هذا الباب: هو أن يقال: عرفنا الله بالله، لأنّا إن عرفناه بعقولنا فهو (عزّ وجلّ) واهبها، وإن عرفناه (عزّ وجلّ) بأنبيائه ورسله وحججه (عليهم السلام) فهو (عزّ وجلّ) باعثهم ومرسلهم ومتّخذهم حججاً، وإن عرفناه بأنفسنا فهو (عزّ وجلّ) محدثها، فبه عرفناه، وقد قال الصادق (عليه السلام) : لولا الله ما عرفناه، ولولا نحن ما عرف الله، ومعناه لولا الحجج ما عرف الله حقّ معرفته، ولولا الله ما عرف الحجج، وقد سمعت بعض أهل الكلام يقول: لو أنّ رجلا وُلد في فلاة من الأرض ولم يرَ أحداً يهديه ويرشده حتّى كبر وعقل ونظر إلى السماء والأرض لدلّه ذلك على أنّ لهما صانعاً ومحدثاً....

__________

1- البحار 3: 272; توحيد الصدوق، باب أنّه لا يُعرف إلاّ به: 286، ونفي الحركة عنه تعالى: 183.

ـ عن محمد بن يعقوب، عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن عليّ بن عقبة بن قيس بن سمعان بن أبي ربيحة مولى رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) بِمَ عرفت ربَّك؟ قال: بما عرّفني نفسه، قيل: وكيف عرّفك نفسه؟ قال: لا تشبهه صورة، ولا يُحسّ بالحواس، ولا يُقاس بالناس، قريب في بُعده، بعيد في قُربه، فوق كلّ شيء ولا يقال شيء فوقه، أمام كلّ شيء ولا يقال له أمام، داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء، وخارج من الأشياء لا كشيء خارج من شيء، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره، ولكلّ شيء مبتدئ(1).

ـ الصدوق، حدَّثنا أحمد بن هارون القاضي (الفامي)، وجعفر بن محمّد بن مسرور، قال: حدّثنا محمّد بن جعفر بن بُطة، قال: حدّثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعت أبي يحدّث عن أبيه (عليه السلام) أنَّ رجلاً قام إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: يا أمير المؤمنين بما عرفت ربّك؟ قال (عليه السلام) : بفسخ العزائم ونقض الهمم، لمَّا أن هممت فحال بيني وبين همّي، وعزمت فخالف القضاء عزمي، فعلمت أنّ المدبِّر غيري، قال: فبماذا شكرت نعماه؟ قال: نظرت إلى بلاء قد صرفه عنّي وأبلى به غيري، فعلمت أنّه قد أنعم عليّ فشكرته، قال: فبماذا أحببت لقاءه؟ قال: لمّا رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله وأنبيائه علمت أنّ الذي أكرمني بهذا ليس ينساني فأحببت لقاءه(2).

____________

1- الكافي 1: 86; توحيد الصدوق، باب لا يعرف إلاّ به: 285; روضة الواعظين، في معنى العدل والتوحيد: 30; البحار 3: 270; الفصول المهمة: 42.

2- خصال الصدوق، باب الاثنين: 33; توحيد الصدوق، باب أنه لا يعرف إلاّ به: 288; إرشاد القلوب، باب التوحيد 1: 168; البحار 3: 42.

ـ روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حين أتاه نجدة يسأله عن معرفة الله، قال: يا أمير المؤمنين بماذا عرفت ربّك؟ قال (عليه السلام) : بالتمييز الذي خوّلني، والعقل الذي دلّني، قال: أفمجبول أنت عليه؟ قال: لو كنت مجبولا ما كنت محموداً على إحسان ولا مذموماً على إساءة، وكان المحسن أولى باللائمة من المسيء، فعلمت أنّ الله قائم باق وما دونه حدث حائل زائل، وليس القديم الباقي كالحدث الزائل، قال نجدة: أجدك أصبحت حكيماً يا أمير المؤمنين، قال: أصبحت مخيّراً فإن أتيت السيئة بمكان الحسنة فأنا المعاقب عليها(1).

ـ العياشي: عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، أنّ رجلاً قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) : هل تصف ربّنا نزداد له حبّاً وبه معرفة؟ فغضب وخطب الناس، فقال فيما قال:

عليك يا عبد الله بما دلّك عليه القرآن من صفته، وتقدّمك فيه الرسول من معرفته، فأتمَّ به وأستضيء بنور هدايته، فإنّما هي نعمة وحكمة أوتيتها، فخذ ما أوتيت وكُن من الشاكرين، وما كلّفك الشيطان علمه ممَّا ليس عليك في الكتاب فرضه، ولا في سنّة الرسول وأئمة الهداة أثره، فَكِل علمه إلى الله، ولا تقدّر عظمة الله على قدر عقلك فتكون من الهالكين، واعلم يا عبد الله أنَّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم الله عن الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب إقراراً بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: آمنّا به كلّ من عند ربّنا، وقد مدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمّى تركهم التعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخاً(2).

____________

1- تحف العقول: 349; البحار 5: 75.

2- تفسير العياشي 1: 163; البحار 3: 257; مستدرك الوسائل 12: 247 ح14016; تفسير البرهان 1: 271; مصابيح الأنوار 1: 185 ح26.

 

وعليه:

 فمعرفة الله (عزَّ وجلَّ) لها دور كبير في إخضاع القلب له سبحانه، من ذل وانكسار وخشية وافتقار، وكذلك رؤية النفس على حقيقتها ومدى ضعفها وعجزها وحاجتها إلى مولاها.

 فنحن نحتاج لمعرفة الله (عزَّ وجلَّ) لتزداد خشيتنا له، وخوفنا منه، وتوكلنا عليه وغير ذلك من ألوان العبودية,  وعلى قدر التفكر في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) تزداد المعرفة بالله تعالى


المصدر: (مسند الإمام علي (عليه  السلام), السيد حسن القبانجي, ج1, ص131-134) بتصرف.

 

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك