شعريات النثر وجماليات الأسلوب في نهج البلاغة

1094 2016-06-09


 

كانت اللغة الفنية التي استخدمها علي بن أبي طالب مكثفة بشكل يحولها إلى لغة جمالية محضة تغرق في غابة من الصور التشبيهية والتمثيلية والاستعارية والرمزية والاستدلالية والتضمينية، وتحتشد بإيقاعات هائلة تتناول كل مفردة ومركبة من الكلمات والجمل.

         هناك إجماع واضح على أن كتاب «نهج البلاغة» للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)  هو من أكثر النصوص إثارة للنقاش والجدل من حيث مضامينه الفكرية والفلسفية والعقائدية. ولا يكاد يختلف الأمر مع أسلوبياته اللغوية التي نظر إليها النقاد والدارسون عبر التاريخ نظرة إجلال لما فيها من توظيفات جمالية هائلة.

         ضمن سلسلة «الفكر العراقي الجديد» التي تنشرها تباعاً «دار الشؤون الثقافية العامة» في بغداد، صدر كتاب الشاعر والناقد العراقي نوفل أبو رغيف: «المستويات الجمالية في نهج البلاغة: دراسة في شعرية النثر». ويرى المؤلِّف أنه من المفارقات اللافتة في شخصية الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) هو أخذه من كل شيء بطرف مما انعكس على خطاب «نهج البلاغة» بتنوعه وشموليته. لذا، كانت اللغة الفنية التي استخدمها الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) مكثفة بشكل يحولها إلى لغة جمالية محضة تغرق في غابة من الصور التشبيهية والتمثيلية والاستعارية والرمزية والاستدلالية والتضمينية، وتحتشد بإيقاعات هائلة تتناول كل مفردة ومركبة من الكلمات والجمل. قبل الولوج إلى معترك الشعرية في «نهج البلاغة»، يغوص الباحث في ما اسماه بـ«القراءة الخارجية» للكتاب في محاولة منه للدخول إلى نهج البلاغة في فضاء النَّص الإنشائي. وفي ضوء ذلك يأخذنا المؤلِّف إلى توصيف النصوص الواردة في «نهج البلاغة»، ويقسمها على النحو الآتي: العبارات الموجزة، والنصوص الطويلة غير المجزوءة، والنصوص القصيرة المكتظة بالطاقة الشعرية. مع الإشارة إلى أن كتاب «نهج البلاغة» يدور على ثلاثة أقطاب مركزية هي: الخطب والأوامر، والكتب والرسائل، والحكم والمواعظ.

شــعرية الإيقــاع

يبدأ الكتاب فصله الأول بدراسة شعرية التشكُّلات الإيقاعية اعتقادا من أبي رغيف بأن ظاهرة «التكرار» هي من أبرز الظواهر الخالقة لشعرية الصوت لما يمتلكه من تنغيم داخلي وخارجي. كما يعتقد الكاتب أن ظاهرة «التضاد» أو ما يطلق عليه «نسق التضاد» هي واحدة من أبرز تشكيلات الإيقاع التي تحفل بها نصوص نهج البلاغة. ومن ثم يأتي على ما أسماه بــ «نسق التقابلات والتناظر الإيقاعي» الذي كان مهيمناً على البنية الصوتية في «نهج البلاغة» ما خلق علاقات إيقاعية تزخر بالشعرية وتؤكِّد تجلياتها. ليدرس، بعد ذلك، نسق السجع والجناس المزدوج الذي غالباً ما يحرِّك فاعلية النَّص الشعرية، ويؤكِّد دورها في تضمينات جمالية متعدِّدة الظهور. في كل ذلك، يلجأ أبو رغيف إلى التوافر على منظومة مفهومية يقرأ من خلالها محفزات الشعرية في نص الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام

) ليبدأ تطبيقها على نص خطبته الشهيرة بــ «الخطبة الشقشقية» كأنموذج تحليلي عام وفق عدِّة مفاهيمية قوامها التكرار والتضاد والتقابلات لينزل في التحليل إلى العلاقات الداخلية الثاوية في نص الخطبة مستجلياً أنساقها الموسيقية وأسرارها البلاغية والجناسية ومجمل تنويعاتها في المماثلة والمقابلة. في الفصل الثاني يعكف المؤلف على دراسة شعرية المظاهر التركيبية في هذا النَّص التاريخي الكبير، أو دراسة إمكانات النَّص في التحوُّل من الكلام التعبيري العادي إلى الكلام الاستثنائي الذي يمنح النَّص جماليته الخاصة به. ومن ثم يدرس شعرية كسر النظام من خلال مفاهيم وآليات التقديم والتأخير والاعتراض ليتوغَّل في شعرية الجملة الاعتراضية لما لها من أثر في بناء التوزيع الأفقي للجمل عبر الاقتراب والابتعاد بين المكونات النحوية المتلازمة في النَّص. ليفرغ إلى النظر في ما أسماه بــ «شعرية التحوُّل الوظيفي» أي توظيف علامات الاستفهام وما تؤول إليه لدى القارئ. ولا يختلف الأمر مع شعرية التوكيد والحذف من خلال استخدام أدوات التوكيد في اللغة. من جهة أخرى، يعتقد أبو رغيف أن شعرية «نهج البلاغة» لا تقتصر على رصد الظواهر الشعرية والكشف عن قوانينها، إنما تستمد وجودها وهويتها، فضلاً عن ذلك، من البعد العام الذي يتكوَّن من مجموعة من العناصر التي تحقق فرادة النصوص عن طريق ميزاتها الجمالية لتدخل في تحقيق فرادة في المستوى العام، تعزز الجزئيات الشعرية من جهة، وتنبثق عنها من جهة أخرى. يكمن ذلك في نوعية اللغة في كتاب الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) التي تتراوح بين الحقيقية والمجازية. كذلك يكمن في النصوص الطويلة، والنصوص المتوسطة والنصوص القصيرة. ويكمن أيضاً في التناصات القرآنية أو الاقتباسات الكثيرة، ومن ثم يكمن في الغريب والنادر من المفردات والتراكيب، إلى جانب الأمثال والحكم. لقد سرد وجدول المؤلف الكثير من هذه النماذج لإضاءة بحثه في شعرية الملامح العامة، وهو بذلك يقدم لنا خريطة إحصائية مفيدة بقدر ما هي مهمة في سياق الدراسات حول كتاب «نهج البلاغة». هل تكمن شعرية «نهج البلاغة» في أسلوبياته فحسب أم أن هناك بؤرا أخرى يمكن أن تتجلى فيها عناصر الشعرية؟. ينطلق أبو رغيف من الاعتقاد بأن الدلالة تمثل العنصر الرئيس في تكوين الشعرية لكونها تمثل الناتج الذي يستخلص من الخطاب بمكوناته كلها التي يشغل الدال فيها موقع الخصوصية في أداء المعنى المراد إيصاله. وفي سياق هذه الرؤية، يأخذنا المؤلِّف، باحثاً ودارساً، إلى استقراء الدلالة المجازية في نصوص «نهج البلاغة» من خلال شعرية التوازي الدلالي، وشعرية التجاور. كما أنه يأخذنا إلى استقراء الدلالة الحقيقية من خلال النظر في شعرية الإخبار «بالكسر»، وشعرية الطلب. ولأسباب تطبيقية، يصطفي الباحث «خطبة الجهاد» كأنموذج تحليلي عام في تطبيق مفاهيم شعرية الدلالة بشكليها المجازي والحقيقي. في الخاتمة يعتقد نوفل هلال أبو رغيف أن دراسته هذه أوضحت وقدمت جديداً لمن يبتغي دراسة هذا الكتاب الخالد من زواياه الأُخر.

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك