ابن ابي الحديد قائلا في النهج الشريف

663 2016-05-10


قول إبن أبي الحديد في  نهج البلاغة

كثير من أرباب الهوى يقولون : إن كثيرا من « نهج البلاغة » كلام محدث صنعه قوم من فصحاء الشيعة ، و ربما عزوا بعضه إلى الرضي أبي الحسن أو غيره ، و هؤلاء قوم أعمت العصبيّة أعينهم ، فضلّوا عن النهج الواضح ، و ركبوا بنيّات الطريق، ضلالا و قلّة معرفة بأساليب الكلام . 

و أنا أوضح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط ، فأقول : لا يخلو إما أن يكون كلّ « نهج البلاغة » مصنوعا منحولا ، أو بعضه . 

و الأول باطل بالضرورة ، لأنّا نعلم بالتواتر صحة استناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، و قد نقل المحدّثون ، كلّهم أو جلّهم ، و المؤرّخون كثيرا منه ، و ليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك .

و الثاني يدلّ على ما قلناه ، لأن من قد أنس بالكلام و الخطابة ، و شدا طرفا من علم البيان ، و صار له ذوق في هذا الباب ، لا بدّ أن يفرّق بين الكلام الركيك و الفصيح ، و بين الفصيح و الأفصح ، و بين الأصيل و المولّد و اذا وقف على كرّاس واحد يتضمّن كلاما لجماعة من الخطباء ، أو لاثنين منهم فقط ، فلا بدّ أن يفرّق بين الكلامين ، و يميّز بين الطريقين .

ألا ترى أنّا مع معرفتنا بالشعر و نقده ، لو تصفّحنا ديوان أبي تمّام ، فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره، لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمّام و نفسه ، و طريقته و مذهبه في القريض .

ألا ترى أن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه ، لمباينتها لمذهبه في الشعر و كذلك حذفوا من شعر أبي نوّاس كثيرا ، لمّا ظهر لهم أنه ليس من ألفاظه و لا من شعره ، و كذلك غيرهما من الشعراء ، و لم يعتمدوا في ذلك إلاّ على الذوق خاصة.

و أنت إذا تأملت « نهج البلاغة » وجدته ماء واحدا ، و نفسا واحدا ، و أسلوبا واحدا ، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الأبعاض في الماهيّة ، و كالقرآن العزيز ، أوّله كوسطه ، و أوسطه كآخره ، و كلّ سورة منه و كل آية مماثلة في المأخذ و المذهب و الفن و الطريق و النظم لباقي الآيات و السور .

و اعلم أن قائل هذا القول يطرق على نفسه ما لا قبل له به ، لأنّا متى فتحنا هذا الباب ، و سلّطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو ، لم نثق بصحة كلام منقول عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أبدا ، و ساغ لطاعن أن يطعن و يقول : هذا الخبر منحول ، و هذا الكلام مصنوع ، و كذا ما نقل عن أبي بكر و عمر من الكلام و الخطب و المواعظ و الآداب و غير ذلك ، و كلّ أمر جعله هذا الطاعن مستندا له فيما يرويه عن النبي و آله و الأئمة الراشدين ، و الصحابة و التابعين ، و الشعراء و المترسلين و الخطباء ، فلناصري أمير المؤمنين عليه السلام أن يستندوا إلى مثله فيما يروونه عنه من « نهج البلاغة » و غيره ، و هذا واضح .

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك