نهج البلاغة في كلمات الدكتور صبحي الصالح

503 2016-06-06


الدكتور صبحي الصالح(1) (ت1407هـ)

وإنّ نهج البلاغة ليضمّ ـ إلى جانب الموضوعات السابقة ـ طائفة من خطب الوصف تُبوّئ الإمام (عليه السلام) ذروة لا تُسامى بين عباقرة الوصّافين في القديم والحديث، ذلك أنّ الإمام (عليه السلام) ـ كما تنطق نصوص النهج ـ قد استخدم الوصف في مواطن كثيرة ، ولم تكن خطبة من خطبة تخلو من وصف دقيق، وتحليل نفّاد إلى بواطن الأمور، صوّر الحياة فأبدع، وشخّص الموت فأجزع، ورسم لمشاهد الآخرة لوحات كاملات فأراع وأرهب، ووازن بين طباع الرجال وأخلاق النساء، وقدّم للمنافقين نماذج شاخصة، وللأبرار أنماطاً حيّة، ولم يفلت من ريشته المصوّرة شيطان رجيم يوسوس في صدور الناس، ولا ملك رحيم يوحي الخير ويُلهم الرشاد( 2) .

وأغراض الإمام علي (عليه السلام) في كتبه ورسائله وعهوده ووصاياه تشبه أغراضه في خطبه شبهاً شديداً، كثرت فيها رسائل التعليم والإرشاد، وكتب النقد والتعريض، والعتاب والتقريع، وانضمّت إليها بعض الوثائق السياسيّة والإداريّة والقضائيّة والحربيّة، ورسائله جميعاً مطبوعة بالطابع الخطابي، حتّى ليكاد الباحث يعدّها خطباً تُلقى لاكتباً تدبج، إذ تؤلّف فيها الألفاظ المنتقاة، وتنسّق فيها الجمل المحكمات، فينبعث من أجزائها كلّها نغم حلو الإيقاع يسمو بنثرها الرشيق فوق مجالات الشعر الرفيع،

وإذا تجاوزنا خطب الامام علي (عليه السلام) ورسائله إلى المختار من حكمه، ألفيناه يرسل من المعاني المعجزة والأجوبة المسكتة ما ينبئ عن غزارة علمه، وصحّة تجربته، وعمق إدراكه لحقائق الأشياء، وحكم الإمام علي (عليه السلام)هذه منها ما جمعه الشريف الرضي تحت عنوان مستقل، نجد فيه مثل قوله: \\النّاس أعداء ما جهلوا\\ \\قيمةُ كلّ امرئٍ ما يُحسِنُهُ\\ \\احذَرُوا صَولَةَ الكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَاللّئيمِ إذا شَبع.

ومنها أثبت وتناثر ضمن فقرات خطبه ووصايا الإمام علي (عليه السلام) الاجتماعيّة تتجسّد ها هنا بوضوح من خلال كلماته النوابغ وحِكَمِه الحسان، فهو يجلو أبصار صحبه وبصائرهم، ويودّ لو يغبقهم كأس الحكمة بعد الصبوع، يحذّرهم من العلم الذي لا ينفع \\رُبَّ عَالِمَ قَد قَتَلُهُ وَعِلمُهُ مَعَهُ لايَنفَعُهُ\\ و\\الجاهِلَ بِقَدرِ نَفسِهِ يَكُونُ بِقَدرِ غَيرِهِ أَجهَلَ\\.

والفكرة في خطب الإمام علي (عليه السلام)ورسائله وحكمه عميقة من غير تعقيد، بسيطة من غير إسفاف، مستوفاة من غير إطناب، يلوّنها ترادف الجمل، ويزيّنها تقابل الألفاظ ، وينسّقها ضرب من التقسيم المنطقي يجعلها أنفذ في الحس وألصق بالنفس. وكان ينبغي للإمام علي (عليه السلام) أن تقذف بديهته بتلكم الحكم الخالدة والآراء الثاقبة، بعد أن نهل المعرفة من بيت النبوّة، وتوافرت له ثقافة واسعة، وتجربة كاملة، وعبقرية نفّاذة إلى بواطن الأمور.

وتتّسم أفكار الإمام علي (عليه السلام) غالباً بالواقعيّة، إذ كان يستمدّ عناصرها من بيئته الاجتماعية والجغرافية، فأدبه ـ من هذه الناحية ـ مرآة للعصر الذي عاش فيه ، صوّر منه ما قد كان أو ما هو كائن، ولقد يطيب له أحياناً يصوّر ما ينبغي أن يكون، فتغدو أفكاره مثاليّة عصيّة على التحقيق.

وما من ريب في أنّ الكتاب والسنّة قد رفداه بينبوع ثرّ لايفيض، فتأثّر بأسلوب القرآن التصويريّ لدى صياغة خطبه ورسائله، واقتطف من القرآن والحديث كثيراً من الألفاظ والتراكيب والمعاني.

وأمّا عاطفة الإمام علي (عليه السلام) فثائرة جيّاشة تستمدّ دوافعها من نفسه الغنيّة بالانفعالات، وعقيدته الثابتة على الحقّ، فما تكلّم إلاّ وبه حاجة إلى الكلام، وما خطب إلاّ ولديه باعث على الخطابة، وإنّما تتجلّى رهافة حسّه في استعماله الألفاظ الحادّة، وإكثاره من العبارات الإنشائيّة كالقسم والتمنّي والترجّي والأمر والنهي والعجب والاستفهام والإنكار والتوبيخ والتقريع، مصحوبة كلّها بترادف بين الفقرات، وتجانس بين الأسجاع، وحرص واضح على النغم والإيقاع.

وخيال الإمام علي (عليه السلام) ـ فيما يخلعه على موصوفاته من صور زاهيات ـ ينتزع أكثر ما ينتزع من صميم البيئة العربية إقليميّة وفكريّة واجتماعيّة، وتمتاز صور الإمام علي (عليه السلام) بالتشخيص والحركة، ولاسيّما حين يتّسع خياله ويمتدّ مجسّماً الأفكار، ملوّناً التعابير، باثّاً الحياة في المفردات والتراكيب( 3) .

------------------------

(1)صبحي بن إبراهيم الصالح، مفكر. أحد أبرز رجالات الفكر والعلم في العالم الإسلامي، نائب رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في لبنان، ولد في طرابلس الشام، وحصل على الدكتوراه من السوربون، ودرس بجامعات لبنان وسورية والعراق والأردن، قتل غيلة في الحرب الأهلية اللبنانية. (إتمام الأعلام: 129). 

(2)مقدمة نهج البلاغة: 12. 

(3)مقدمة نهج البلاغة: 15، طبعة بيروت، سنة 1967م . 

 

 

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك