الغضب

1765 2016-10-31


              قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : (إياك والغضب فأوله جنون واخره ندم)[1].

     الغضب والعصبية من الاخلاق الذميمة التي لا تليق بالمرء المسلم ويجب عليه الابتعاد عن هذه الصفة لما فيها من خطورة على الفرد؛ فالإمام(عليه السلام)  يبيِّن لنا ما يصيب الانسان من هذه الصفة ما يترتب عليها من محصلات سلبية تضر بالفرد عندما يثار من بعض المواقف ويهيمن عليه الشيطان ويوسوس في داخله ويدفعه الى الغضب الذي هو من أعوان الشيطان وجند من جنوده ومصائده، حيث الدين الاسلامي يحذرنا من هذه الصفة الرديئة؛ لأن لا يوجد شيء يستحق الغضب عليه، إلا اذا كان الغضب فيما يرضي الله تعالى، وهذا التحذير ما نجده في احاديث الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وأهل بيته الاطهار(عليهم السلام)؛ فإن الامام علي (عليه السلام)  يحذرنا  من الغضب ومن اللجوء إليه وأن نتوقى منه، كما قال أمير المؤمنين(عليه السلام) : (واحذر الغضب، فانه جند عظيم من جنود ابليس)[2]، وقال ايضاً (عليه السلام)  في ذم الغضب والعصبية، إنه أحد أسلحة الشيطان التي يدخل بها الى باطن المرء المؤمن، حيث أنه قال(عليه السلام) : (ليس لإبليس رهق أعظم من الغضب،...)[3]، وإنه من اشد الخصوم للإنسان المؤمن، كما وصفه امير المؤمنين(عليه السلام) ، حيث أنه قال: (أعدى عدو للمرء غضبه)[4].

    إضافةً الى ذلك يوصينا النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم بعدم الغضب، كما روي عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام)  عند مجيء الشخص البدوي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وطلب منه أن يعلمه جوامع الكلام، حيث إنه قال: (سمعت أبي (عليه السلام)  يقول: أتى رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل بدويُّ؛ فقال: إنّي أسكن البادية فعلَّمني جوامع الكلم؟ فقال: آمرك أن لا تغضب)[5]؛ لأن الغضب يؤدي به إلى غضب الله عز وجل عليه؛ فمن كف غضبه  وتحلى بالأيمان وتمتع بالصبر، كف الله عنه غضبه يوم القيامة، كما قال النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) : (من كف غضبه عن الناس، كف الله تبارك وتعالى عنه عذاب يوم القيامة)[6]. ومن هذه السلبيات التي تنتج عن الغضب التي نهانا عنها اهل البيت(عليهم السلام): إنه يصبح يتصرف؛ كالمجنون الذي فقد عقله واصبح لا يميز بين الخطأ والصواب؛ لأن الغضب نوع من الجنون وهذه الميزة لا تناسب مع أسس الاسلام ولامع أخلاق الانسان المؤمن، وبالتالي يصبح نادماً على الذي فعله ساعة غضبه الذي فقد بها عقله ولم يذكر الله تعالى، وهذا ما نفهمه من كلام سيد الوصيين الامام علي (عليه السلام) ، حيث أنه قال: (الحدّة ضرب من الجنون، لأنّ صاحبها يندم،...)[7]؛ فهذه الحالة العصبية ليست من الشجاعة وإن الشديد والمتزن والقوي ليس الذي يهزه ابسط المواقف ويجعله لا يمسك اعصابه ويلجأ الى الغضب، لكن الشخص الحازم والشجاع الذي يكون متزناً في شخصيته ولا يتأثر عندما يتعرض الى موقف يجعله يفقد توازنه وعدم سيطرته على اعصابه، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : (ليس الشديد بالصرعة، انما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)[8].

آثار ومضار الغضب:

   ومن مضار وآثار الغضب والتوتر العصبي هو: مفسدة شديدة لإيمان المؤمن الذي يؤمن بالله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) واهل بيته الاطهار(عليهم السلام)، وكذلك هو عدو له؛ لأنه يصرفه عما يريده الله تعالى من الانسان المؤمن من الاتزان والهدوء بالتعامل مع الآخرين والتسامح معهم وحسن الاخلاق وغيره، حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل)[9].

    وان من يغضب ويتعصب الى أمور دنيوية أو لأمو شخصية أو عاطفية أو نتيجة كبت داخل المرء ولا يغضب أو يتعصب الى الحق؛ فقد نزع الايمان من عنقه ومن قلبه و يحرم عليه هذا الفعل و يتحمل اثماً كبيراً ويتحاسب عليه من قبل الله سبحانه، حيث قال الامام الصادق (عليه السلام) : (من تعصب أو تعصب له فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه)[10]

     وكذلك من مضاره آثاره: انه يعجل فناء الشخص وموته؛ لأن ممكن ان يؤدي به الهيجان العصبي والغضب الى الانتحار؛ فلهذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) : (من أطلق غضبه تعجل حتفه)[11].

  إضافةً الى ذلك إن الغضب والعصبية؛ كالنار الذي عندما توقد لا أحد يقف بوجهها وتحرق كل من يلاقيها في طريقها واذا غضب الانسان ولم يملك نفسه ويتجنب الغضب؛ فسيكون اول من يحترق بهذه النار كما وصفه أمير المؤمنين (عليه السلام) ، حيث انه قال: (الغضب نار موقدة، من كظمه أطفأها، ومن أطلقه كان أول محترق بها)[12]، وكذلك قال(عليه السلام)  في التحذير منه: (احذروا الغضب فإنه نارٌ محرقة)[13].

   وكذلك عندما يغضب المرء يجعله غضبه يخرج عن منطقه المألوف والاخلاقي، حيث نراه لا يلتزم بأخلاقه ولا يعير أي أهمية الى الشخص المقابل، مهما كان مقامه في المجتمع، واذا غضب بسبب شخص آخر سوآءا كان ذلك الشخص متعمدا أو لا، وحتى  عندما يريد أن يعتذر منه فلا يقبل منه العذر أو يسمعه بسبب غضبه وعدم تفهمه للموضوع، وهذا ما يفصله لنا قول الامام علي (عليه السلام) :(شدة الغضب تغير المنطق، وتقطع مادة الحجة، وتفرق الفهم)[14].

 

   ومن مضاره وآثاره أيضاً: إنه مفتاح كل مشكلة تحدث بين الناس، وهو أساس كل شر وإثم يرتكبه الفرد، كما قال الامام الصادق (عليه السلام) : (الغضب مفتاح كل شر)[15]، وحتى يؤدي الغضب الى القتل والانتقام من الشخص المقابل الذي اساء اليه ولكن من دون قصد؛ لأنه يصبح منهاراً فاقدا لعقله ولا يشعر بحاله ماذا يفعل؛ لأنه لم يتمسك بأعصابه، كما قال الامام الصادق (عليه السلام) : (من لم يملك غضبه، لم يملك عقله)[16]، ويأخذ بالشخص الى الكلام غير اللائق عن الآخرين وتشويه سمعتهم؛ فهذا نفهمه مما ورد عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)  أنه قال: (كان أبي محمد عليه السلام يقول: أي شيء أشرمن الغضب؟ إن الرجل إذا غضب يقتل النفس، ويقذف المحصنة)[17].

 

  وكذلك ما ينتج من الأضرار التي تضر بالفرد نتيجة غضبه، وتأثر عليه سلبياً، والتي بسببها حذرونا منه أهل البيت(عليهم السلام): كشف عيوب الشخص وسلبياته، وما في داخله فتصبح عيوبه مكشوفة  للمجتمع، وهذ امر لا يرضاه الله تعالى، وإنه سبحانه لا يستر عورة من اعتاد على الغضب؛ لأن بغضبه خرج عن دي الله عز وجل، وهذا ما نجده في قول الامام الصادق (عليه السلام) ، حيث انه قال: (من كفّ غضبه، ستر اللَّه عورته)[18].

   أسباب الغضب وطرق علاجه:

    ولابد ما تكون للغضب أسباب تثير أعصاب الفرد وتؤدي به الى فقدان سيطرته على أعصابه مثل المزاح الزائد عن حدوده والاستهزاء بالآخرين وسوء أخلاق المقابل؛ فما على الانسان المؤمن إلا أن يتحلى بالصبر وقوة الايمان، ولكن يمكن علاج الغضب والتخلص منه والقضاء عليه من خلال ذكر الله تعالى و التوكل عليه، فهذا يخففه ويسطر عليه، فعندما يذكر اسمه جل جلاله تهدأ اعصابه و يتراجع عن الفعل الذي كان يريد ان يفعله، وبهذا الله تعالى لا يغضب عليه يمحقه، هذا ما جاء عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد اللَّه (عليه السلام)  يقول: (إن في التوراة مكتوبا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك عند غضبي فلا أمحقك فيمن أمحق)[19].

     وكذلك من طرق معالجة الغضب بذكر الصلاة على محمد وآل محمد، مما يؤدي هذا الفعل إلى برود أعصاب الفرد، واذا كان قائماً ممكن أن يجلس، فعند جلوسه يذهب رجس الشيطان عنه ويهدأ ويرجع الى وضعه الطبيعي، كما قال الامام الباقر(عليه السلام) :(...؛ فأيّما رجل غضب وهو قائم، فليجلس؛ فإنّه يذهب عنه رجس الشيطان، وإن كان جالساً فليقم،...)[20].

وإضافةً إلى ذلك إن من معالجة الغضب: التقرب من الارحام ومواصلتهم اليه؛ فهذا يخفف من التوتر العصبي ويعالج هذه مشكلة النفسية في الفرد، كما ورد في قول الامام محمد الباقر(عليه السلام)  حيث إنه قال: (وأيّما رجل غضب على ذي رحم، فليقم إليه وليدن منه وليمسّه، فإنّ الرحم إذا مسّت الرحم، سكنت)[21].

 

 



[1] غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد اللآمدي التميمي، ص89.

[2] نهج البلاغة، خطب الإمام عليu، (تحقيق صالح)، ص460.

[3]مستدرك الوسائل، ميرزا حسين النوري الطبرسي، ج12، ص13.

[4]المصدر نفسه، ج12، ص12.

[5] موسوعة طبقات الفقهاء، اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق u، ج2، ص456.

[6] كلمة التقوى، الشيخ محمد أمين زين الدين، ج2، ص338.

[7] نهج البلاغة، خطب الإمام عليu، ج4، ص56.

[8]تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ،ابن شعبة الحراني، ص47.

[9] روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، محمد تقي المجلسي (الأول)، ج12، ص88.

[10] كلمة التقوى، الشيخ محمد أمين زين الدين،ج2، ص388.

[11]مستدرك الوسائل، ميرزا حسين النوري الطبرسي، ج12، ص13.  

[12] المصدر نفسه، ج12، ص11.

[13] غرر الحكم ودرر الكلم، ص15.

[14]  ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج 3، ص2265.

[15]  الوافي، الفيض الكاشاني، ج5، ص863.

[16] ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج 3، ص2265.

[17]بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج،70، ص265.

[18]  هداية الأمة إلى أحكام الأئمة (عليهم السَّلام)، الحر العاملي، ج5، ص552.

[19] الوافي، الفيض الكاشاني، ج5، ص865.

[20] هداية الأمة إلى أحكام الأئمة (عليهم الصلاة والسلام)، الحر العاملي، ج5، ص552.

[21] وسائل الشيعة (آل البيت عليهم الصلاة والسلام)، الحر العاملي، ج 15، ص363.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك