الاعتذار

1486 2016-11-18


               قال الامام علي (عليه السلام ): (الاعتذار منذر ناصح)[1].

    إن الاعتذار هو الموقف الذي يقوم به الفرد للتعبير عن الندم على ما فعله، أو على كلام سيء قاله، أو قام بتصرفٍ غير لائق اتجاه أحد الأشخاص أو ارتكاب حرام، أو انحراف عن خطٍّ عقيديّ، حيث انه يتأمل من اعتذاره حصوله على المسامحة، من الآخرين ليتخفّف من ثقل الإحساس والشعور بالذنب الذي فعله، وإن للاعتذار اساليب خاصة يقوم بها الشخص للتعبير عن ندمه الى الشخص المقابل، عن طريق الاقرار، والاعتراف بذنبه، الذي قام به، حيث قال الامام علي(عليه السلام):(الاقرارإعتذار)[2]، فهذا يشير إلى ان الفعل الذي قام به، تندم عليه، وإنه قام بفعل لا يرضي الله، ولا الناس، لكن اذا لم يقدم اعتذاره للآخرين فيتبين لنا من هذا إنه أنكر فعله و مصر عليه؛ لأنه لوكان يشعر بالذنب الذي فعله لأعترف به، وقدم اعتذاره كما في قول الامام علي(عليه السلام) :(الانكار اصرار)[3]، لكن ممكن أن نقول إن إنكاره وعدم اعترافه يدل على أن ما فعله أمر معيب وقبيح، لا يجرؤ صاحبه على الاعتراف به، لما يترتّب عليه من نتائج سلبية على مكانته بين الناس، وممكن ان يفقد احترام الناس له لماله من فعلٍ قبيح قام به، فيصمت عن الاعتذار والاعتراف بذنبه، لكن صمته هذا بمثابة اعترافه بالذنب حيث قال الامام علي(عليه السلام) :( رُبَّ جرمٍ أغنى عن الاعتذار عنه الإقرار به)[4].

   والاعتذار هو من الصفات و الاخلاق الحميدة والذي يتبين لنا ان الشخص المعتذر، يرغب في التخلص من سلبيات أفعاله، والرجوع إلى الطريق الصواب، والتوبة الى الله تعالى في المستقبل فنجد معنى الاعتذار، يلتقي مع معنى التوبة، والدليل على ذلك إننا نجد الكثير من أدعية أهل البيت(عليهم السلام) المأثورة عنوان الاعتذار إلى الله تعبيراً عن التوبة اليه سبحانه، من الافعال السيئة التي قام بها، حيث نجد في الصحيفة السجادية من أدعية الإمام السجاد(عليه السلام) إنه قال: (اللّهمّ إني أعتذر إليك من مظلوم ظُلِم بحضرتي فلم أنصره...، ومن مسيء اعتذر إليّ فلم أعذره)[5].

       وقد قام الدين الاسلامي بتوجيه الانسان المؤمن إلى الابتعاد عن الاعتذار ،حيث نجد في أحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأحاديث أهل بيته الاطهار(عليهم السلام)، تحذيراً شديداً من الاعتذار لما فيه من أذى للإنسان؛ لأنه لون من ألوان الشرك الخفي غير الظاهر، وربما كان الأساس في ذلك، أن الاعتذار يمثل حالة من الخضوع للشخص الذي تقدّم له الاعتذار، مما قد يكون مظهراً من مظاهر العبادة له، وهذا  يتنافى مع ما يريده الله للإنسان من الإخلاص في عبوديّته له، ليكون عبداً لله وحده، وحراً أمام العالم، حيث قال رسول الله(صلى الله عليه وعلى آله):(إياك وما تعتذر منه، فإن فيه الشرك الخفي)[6]، وعندما ونقرأ في كلام للإمام عليّ(عليه السلام) في شأن الاعتذار واللجوء إليه والذي يقول فيه:(إياك وما تعتذر منه، فإنه لا يعتذر من خير)[7]، فيلاحظ من كلامه(عليه السلام) أنّ سبب الاعتذار هي نتيجة افعال واقوال  الفرد التي يفعلها، فلا تنسجم مع تصرفات الإنسان المؤمن، باعتبار أن الإيمان يأمر بالابتعاد عن فعل الشّرّ والإقبال على فعل الخير، وفي كلام آخر له(عليه السلام) يقول فيه:(الاستغناء عن العذر، أعز من الصدق به)[8] ، فإنه يربط مسألة قيام الإنسان بتقديم العذر عن الفعل الذي ارتكبه بمسألة عزّ   الانسان وذّلّه، بحيث يفترض على الإنسان أن لا يقوم بأيّ عمل يجعله في مقام الحاجة إلى الآخرين، والخضوع لهم، في تقديم الاعتذار إليهم عن ما فعله تجاههم، حتى لو كان صادقاً في عذره، فإنّ صدقه لا يرفع عنه موقف الذّلّ أمامهم، طلباً لرضاهم عنه، وتكفيراً عن ما فعله، ولا يجوز للإنسان إن يذل نفسه لغير الله عز وجل، والتوسل إليهم أن يقبلوا عذره، وهذا ما يؤكده قول الإمام الصادق(عليه السلام):(لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه قال مفضّل بن عمر: قلت: بم يذلّ نفسه؟ قال(عليه السلام):(يدخل فيما يعتذر منه)[9].

    وإن الشخص المؤمن يكون حذرًا، من الافعال التي تخل بشخصيته، وتذهب به إلى الاعتذار؛ لأنّ الإيمان الثابت في العقل وفي القلب ينهى المؤمن عن الإساءة للآخرين، وتدفعه إلى تقديم الخير لهم، وهذا ما يجعله بعيداً عن الاعتذار لأنّه لا يكون عن فعل خير، أمّا المنافق فيكون إيمانه ضعيفا بالله تعالى فإنه، فإنّه يخضع لشهواته وأهوائه، ما يجعله يرتكب افعال السوء الّذي تأمره به نفسه، فإذا واجهه الناس بالأفعال السيئة، لجأ إلى الاعتذار إليهم، حتى لا يسقط مقامه عندهم.

  وهكذا تتوالى الأخطاء في يوميّاته، فيبحث عن عذراً يبرّر به نفسه عن الاخطاء التي فعلها، حيث قال الإمام الحسين بن علي(عليه السلام):(إياك وما تعتذر منه، فإن المؤمن لا يسيء ولا يعتذر، والمنافق يسيء كل يوم ويعتذر)[10].

   وقد أكد الاسلام قبول الاعتذار من الشخص المعتذر، لما فيه من قيمة أخلاقية إيجابية؛ لأن الاعتذار من الشخص المسيء يدل على إنه تندم على فعله، وكذلك يدل على تواضعه للشخص المقابل والرغبة في رضاهِ عنه، فيجب من المقابل العفو عن المسيء والتسامح , وإعطاء الفرصة للمحبة والصداقة  بدل العداوة والبغضاء، كما ورد في قوله تعالى: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}[11].

   وأكد الإمام علي (عليه السلام) في شأن قبول العذر من الذي يعتذر إليك وعلى الانسان التماس العذر لأخيه في ما يصدر عنه، ممكن أن يكون هذا الشيء قد صدر عنه بالخطأ، ولا يقصد به الاساءة إلى الآخرين، حيث قال الإمام علي(عليه السلام):(اقبل عذر أخيك، وإن لم يكن له عذر فالتمس له عذراً)[12]، وكذلك قال (عليه السلام):(ضع أمر أخيك على أحسنه...، لاتظن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً، وأنت تجد لها في الخير محملا).

   ويجب قبول العذر من المعتذر حتى وإن كان كاذبا، وهذا ما تحدث عنه الإمام علي بن الحسين(عليه السلام) إنه قال:(لا يعتذر إليك أحد إلا قبلت عذره، وإن علمت إنه كاذب)[13].

   وإن الإمام علي(عليه السلام) يؤكد على تبرير موقف المعتذر على ما بدر منه من فعل اتجاه الآخرين، وايجاد له عذر، ولا يستعجل عليه الحكم لكلامه، وكذلك أكد على قبول العذر أياً كانت طبيعة عذره في الصدق أو الكذب، فإن ذلك يؤدّي إلى أن يمنحه الله أجراً على ذلك، وهو نيل الشّفاعة يوم القيامة حيث إنه قال(عليه السلام)في وصية لابنه محمد بن الحنفية( عليه السلام): (لا تصرم أخاك على ارتياب وتقطعه دون استعتاب، لعل له عذراً وانت تلوم به، اقبل من متنصِل عذرا، صادقاً كان أم كاذبا،ً فتنالك الشفاعة)[14].

 ولا ينبغي على  المؤمن أن يعتذر عن كل شيء يفعله لربما يكون هذا الشيء في طاعة الله عز وجل، وإذا كان هذا الشخص يعيش في مجتمع متخلف، يرى الحق باطلاً والباطل حقاً والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، ففي مثل هذه الحالة، عندما يفعل المؤمن خيرا لا يستوجب عليه الاعتذار من هؤلاء الناس، فعليه أن يكون قوياً، ويتحدى مجتمعه المتخلف، فلا يضعف أمامه، ولا ينقاد إليه وإن عمله في طاعة الله يزيده إيماناً، ولا يجب عليه الاعتذار منه حيث قال الإمام علي(عليه السلام):(لا تعتذر من أمر أطعت الله سبحانه فيه فكفى بذلك منقبة)[15]، لكن  نرى بعض الناس دائماً يعتذرون للآخرين عن بعض تصرفاتهم الطبيعية المنسجمة مع سلوك الناس التي لا تستوجب الاعتذار منهم، لكن أولئك يرون انفسهم افضل من غيرهم، بحيث يرون السلوك الطبيعي في علاقة الناس بهم في نظرهم من الاشياء التي تهينهم وتنقص من مقامهم في المجتمع، ولابدَ للناس أن يقدموا لهم الاعتذار من هذا الفعل، ومن يعتذر من غير ان يكون مذنبا اتجاههم يستوجب عليه الذنب، وهذا ما أكده الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) في قوله: (من اعتذر من غير ذنب، فقد أوجب على نفسه الذنب)[16]، وإن على المؤمن أن لا يعطي لهؤلاء الناس الاهتمام بنظرتهم إليه، وحكمهم عليه؛ فلا يجب عليه تبرير نفسه، عن طريق اعتذاره لهم على ما قام به؛ لأنهم يواجهوه بالرفض وعدم القبول، وهذا ما يؤكده الامام علي(عليه السلام) في قوله:(لا تعتذر إلى من يحب أن لا يجد لك عذراً)[17] .

 

 

 


[1]

[2] ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج 3، ص 1859

[3]  المصدر نفسه، ج 3، ص  1860

[4] المصدر نفسه، ج 3، ص 1861.

[5] الصحيفة السجادية، الإمام زين العابدين(عليه السلام)، ص166،في طلب العفو والرحمة.

[6]ميزان الحكمة، ج 3، ص 1858.

[7] المصدر نفسه، ج 3، ص 1858

[8]  نهج البلاغة، خطب الإمام علي(عليه السلام)، ج 4، ص 78.

[9]  ميزان الحكمة، ج 2، ص983.

[10]وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج 16، ص 159.

[11] البقرة: 237.

[12] بحار الأنوار، ج 71، ص 165.

[13]ميزان الحكمة، ج 3، ص 1859.

[14] وسائل الشيعة، ج 12، ص 218

[15] ميزان الحكمة، ج 3، ص 1861

[16] المصدر نفسه.

[17] المصدر نفسه.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك