زين العابدين... امتداد الثورة الحسينية

مقالات وبحوث

زين العابدين... امتداد الثورة الحسينية

53 مشاهدة

الباحث: علي عباس فاضل
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد
شهدت الأمة الإسلامية أعظم مصيبة على مر التاريخ، وكان شاهدها من أهل بيت نبيها صاحب السجدة الطويلة الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، إذ قتل في هذه المصيبة والده وإخوته وأعمامه وأهل بيته وبعض من الأصحاب، تلك الواقعة التي اهتز لها عرش السماء، كانت بمرأى إمامنا السجاد (عليه السلام) الذي كان منهكا من المرض الذي هو من حكمة الله تعالى لتبقى السلالة المحمدية على امتداد دائم حتى يأذن الله.
شاهد الإمام السجاد أباه وهو ينادي (هل من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله)([1]) أي ألم أصابه؟ وأي حسرة دارت في فؤاده؟ حين يسمع أباه يردد هذه العبارة ولا يستطيع إجابته، لم يحتمل الموقف فحمل سيفه واتكأ على عصاه، ملبيا دعوة والده لينصره، لكن الإمام الحسين (عليه السلام) منعه ليبقي لدين جده باقية، ولا يقطع صلة السماء بأهل الأرض، نعم فالأئمة هم الإمتداد السماوي إلى الأرض، وحملة الرسالة.
ما بين المصيبة والمرض هكذا مرت تلك اللحظات العصيبة على إمامنا السجاد (عليه السلام) بين أجساد مقطعة ورؤوس على الرماح وأغلال في اليدين (ثم ينادي مناد الرحيل ليخرج من كربلاء... وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب يراد بهم الكوفة، فجعل ينظر إليهم صرعى لم يواروا، فعظم ذلك في صدره، واشتدّ لما أرى منهم قلقه، فكادت نفسه تخرج، وتبيّنت ذلك منه عمّته زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فقالت: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدّي وأبي وإخوتي؟!
فقال: وكيف لا أجزع وأهلع؟! وقد أرى سيّدي وإخوتي وعمومتي وولد عمّي وأهلي مصرّعين بدمائهم، مرمّلين بالعراء، مسلّبين، لا يكفّنون، ولا يوارون، ولا يعرّج عليهم أحد، ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر!
فقالت: لا يجزعنك ما ترى! فو الله إنّ ذلك لعهد من رسول الله(صلی الله عليه وآله) إلى جدّك وأبيك وعمّك...فصبّرته وسلّته وعزّته، فكان يعزّيها مرّة، وتعزّيه مرّة، ويسلّيها أحياناً، وتسليه أحياناً أخرى..)([2])،  فسار بين نوح الثكالى وصراح الأيتام، تاركا أرض كربلاء إلى مجالس الكفر والشرك، مجالس بني أمية الذين ظنوا أنهم أطفؤوا نور الله في كربلاء، لكن الله أبى إلا أن يتم نوره بالسجاد وذريته(عليه السلام).
بدأ التكليف الإلهي للإمام السجاد (عليه السلام) فانبرى لأهل الكفر والنفاق والشرك فاضحا لهم، معلنا كفرهم وشركهم، فأول ما يلقانا ما كان في الكوفة، إذ خطب الإمام السجاد خطبته المعروفة، التي أبكت الحاضرين، فكان أول مجلس عزاء للإمام الحسين (عليه السلام) بعد مقتله، إذ عقده الإمام بين قاتليه، فقد نقل أرباب السير (ثُمَّ إِنَّ زَيْنَ الْعَابِدِينَ (عليه السلام) أَوْمَأَ إِلَى النَّاسِ أَنِ اسْكُتُوا فَسَكَتُوا، فَقَامَ قَائِماً فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ النَّبِيَّ وَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي:
فَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
أَنَا ابْنُ الْمَذْبُوحِ بِشَطِّ الْفُرَاتِ مِنْ غَيْرِ ذَحْلٍ وَلا تِرَاتٍ.
أَنَا ابْنُ مَنِ انْتُهِكَ حَرِيمُهُ، وَسُلِبَ نَعِيمُهُ، وَانْتُهِبَ مَالُهُ، وَسُبِيَ عِيَالُهُ.
أَنَا ابْنُ مَنْ قُتِلَ صَبْراً وَكَفَى بِذَلِكَ فَخْراً.
أَيُّهَا النَّاسُ! نَاشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ! هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ كَتَبْتُمْ إِلَى أَبِي وَخَدَعْتُمُوهُ؟ وَأَعْطَيْتُمُوهُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ وَالْبَيْعَةَ، وَقَاتَلْتُمُوهُ وَخَذَلْتُمُوهُ؟
فَتَبّاً لِمَا قَدَّمْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ، وَسَوْأَةً لِرَأْيِكُمْ.
بِأَيَّةِ عَيْنٍ تَنْظُرُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ (صلی الله عليه وآله) إِذْ يَقُولُ لَكُمْ: قَتَلْتُمْ عِتْرَتِي، وَانْتَهَكْتُمْ حُرْمَتِي، فَلَسْتُمْ مِنْ أُمَّتِي؟!
***
قَالَ: فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُ النَّاسِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلَكْتُمْ وَمَا تَعْلَمُونَ!
فَقَالَ(عليه السلام): رَحِمَ اللهُ امْرَأً قَبِلَ نَصِيحَتِي، وَحَفِظَ وَصِيَّتِي فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَإِنَّ لَنَا فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةً حَسَنَةً.
فَقَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ: نَحْنُ كُلُّنَاـ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهُ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ حَافِظُونَ لِذِمَامِكَ غَيْرَ زَاهِدِينَ فِيكَ وَلا رَاغِبِينَ عَنْكَ، فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ -يَرْحَمُكَ اللهُ - فَإِنَّا حَرْبٌ لِحَرْبِكَ، وَسِلْمٌ لِسِلْمِكَ، لَنَأْخُذَنَّ يَزِيدَ! وَنَبْرَأُ مِمَّنْ ظَلَمَكَ وَظَلَمَنَا!
فَقَالَ(عليه السلام): هَيْهَاتَ! هَيْهَاتَ! أَيُّهَا الْغَدَرَةُ الْمَكَرَةُ، حِيلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ شَهَوَاتِ أَنْفُسِكُمْ!
أَتُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ كَمَا أَتَيْتُمْ إِلَى آبَائِي مِنْ قَبْلُ؟!
كَلا وَرَبِّ الرَّاقِصَاتِ، فَإِنَّ الْجُرْحَ لَمَّا يَنْدَمِلُ، قُتِلَ أَبِي ـ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ـ بِالأَمْسِ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ مَعَهُ، وَلَمْ يُنْسِنِي ثُكْلَ رَسُولِ اللهِ وَثُكْلَ أَبِي وَبَنِي أَبِي، وَوَجْدُهُ بَيْنَ لَهَاتِي، وَمَرَارَتُهُ بَيْنَ حَنَاجِرِي وَحَلْقِي، وَغُصَصُهُ يَجْرِي فِي فِرَاشِ صَدْرِي، وَمَسْأَلَتِي أَنْ لا تَكُونُوا لَنَا وَلا عَلَيْنَا...)([3]).
ولم يقف الإمام السجاد (عليه السلام) عند هذا ولكن خطب أيضا في مجلس يزيد (لعنه الله) خطبة عظيمة ردَّ فيها على خطيب يزيد الذي نال من أمير المؤمنين والإمام الحسين (عليه السلام)، إذ (رُوِيَ أَنَّ يَزِيدَ ـ لَعَنَهُ اللهُ ـ أَمَرَ بِمِنْبَرٍ وَخَطِيبٍ لِيُخْبِرَ النَّاسَ بِمَسَاوِي الْحُسَيْنِ وَعَلِيٍّ(عليه السلام) وَمَا فَعَلا!!! فَصَعِدَ الْخَطِيبُ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَكْثَرَ الْوَقِيعَةَ فِي عَلِيٍّ وَالْحُسَيْنِ(عليه السلام)، وَأَطْنَبَ فِي تَقْرِيظِ مُعَاوِيَةَ وَيَزِيدَ ـ لَعَنَهُمَا اللَّهُ ـ فَذَكَرَهُمَا بِكُلِّ جَمِيلٍ!!!
قَالَ: فَصَاحَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: وَيْلَكَ ـ أَيُّهَا الْخَاطِبُ ـ اشْتَرَيْتَ مَرْضَاةَ الْمَخْلُوقِ بِسَخَطِ الْخَالِقِ، فَتَبَّوأْ مَقْعَدَكَ مِنَ النَّارِ.
ثُمَّ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(عليه السلام): يَا يَزِيدُ! ائْذَنْ لِي حَتَّى أَصْعَدَ هَذِهِ الأَعْوَادَ، فَأَتَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ للهِ فِيهِنَّ رِضاً، وَلِهَؤُلاءِ الْجُلَسَاءِ فِيهِنَّ أَجْرٌ وَثَوَابٌ.
قَالَ: فَأَبَى يَزِيدُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!! ائْذَنْ لَهُ، فَلْيَصْعَدِ الْمِنْبَرَ، فَلَعَلَّنَا نَسْمَعُ مِنْهُ شَيْئاً.
فَقَالَ: إِنَّهُ إِنْ صَعِدَ لَمْ يَنْزِلْ إِلا بِفَضِيحَتِي وَبِفَضِيحَةِ آلِ أَبِي سُفْيَانَ!
فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!! وَمَا قَدْرُ مَا يُحْسِنُ هَذَا؟!
فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ قَدْ زُقُّوا الْعِلْمَ زَقّاً.
قَالَ: فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَذِنَ لَهُ) .
فيزيد يخاف أن يصعد الإمام (عليه السلام) المنبر لأنه سيفضحه ويبين للناس كفره ونفاقه وشركه، ويفضح آل أبي سفيان (لعنهم الله).
فبدأ الإمام السجاد (عليه السلام) خطبته بالتعريف بنفسه، ويبين لنا من هو وابن من ليعرف الناس حقسقة آل أبي سفيان (لعنهم الله) فيقول: (فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ خَطَبَ خُطْبَةً أَبْكَى مِنْهَا الْعُيُونَ، وَأَوْجَلَ مِنْهَا الْقُلُوبَ، ثُمَّ قَالَ:
أَيُّهَا النَّاسُ! أُعْطِينَا سِتّاً وَفُضِّلْنَا بِسَبْعٍ: أُعْطِينَا الْعِلْمَ، وَالْحِلْمَ، وَالسَّمَاحَةَ، وَالْفَصَاحَةَ، وَالشَّجَاعَةَ، وَالْمَحَبَّةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ. وَفُضِّلْنَا: بِأَنَّ مِنَّا النَّبِيَّ الْمُخْتَارَ مُحَمَّداً(صلی الله عليه وآله)، وَمِنَّا الصِّدِّيقُ، وَمِنَّا الطَّيَّارُ، وَمِنَّا أَسَدُ اللهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ، وَمِنَّا سِبْطَا هَذِهِ الأُمَّةِ.
مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي أَنْبَأْتُهُ بِحَسَبِي وَنَسَبِي:
أَيُّهَا النَّاسُ! أَنَا ابْنُ مَكَّةَ وَمِنَى. أَنَا ابْنُ زَمْزَمَ وَالصَّفَا. أَنَا ابْنُ مَنْ حَمَلَ الرُّكْنَ بِأَطْرَافِ الرِّدَا. أَنَا ابْنُ خَيْرِ مَنِ ائْتَزَرَ وَارْتَدَى أَنَا ابْنُ خَيْرِ مَنِ انْتَعَلَ وَاحْتَفَى. أَنَا ابْنُ خَيْرِ مَنْ طَافَ وَسَعَى. أَنَا ابْنُ خَيْرِ مَنْ حَجَّ وَلَبَّى. أَنَا ابْنُ مَنْ حُمِلَ عَلَى الْبُرَاقِ فِي الْهَوَاءِ.
أَنَا ابْنُ مَنْ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى. أَنَا ابْنُ مَنْ بَلَغَ بِهِ جَبْرَئِيلُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. أَنَا ابْنُ مَنْ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏. أَنَا ابْنُ مَنْ صَلَّى بِمَلائِكَةِ السَّمَاءِ. أَنَا ابْنُ مَنْ أَوْحَى إِلَيْهِ الْجَلِيلُ مَا أَوْحَى. أَنَا ابْنُ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى. أَنَا ابْنُ عَلِيٍّ الْمُرْتَضَى. أَنَا ابْنُ مَنْ ضَرَبَ خَرَاطِيمَ الْخَلْقِ حَتَّى قَالُوا: لا إِلَهَ إِلا اللهُ. أَنَا ابْنُ مَنْ ضَرَبَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ بِسَيْفَيْنِ، وَطَعَنَ بِرُمْحَيْنِ، وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَبَايَعَ الْبَيْعَتَيْنِ، وَقَاتَلَ بِبَدْرٍ وَحُنَيْنٍ، وَلَمْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ. أَنَا ابْنُ صَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَارِثِ النَّبِيِّينَ، وَقَامِعِ الْمُلْحِدِينَ، وَيَعْسُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَنُورِ الْمُجَاهِدِينَ، وَزَيْنِ الْعَابِدِينَ، وَتَاجِ الْبَكَّائِينَ، وَأَصْبَرِ الصَّابِرِينَ، وَأَفْضَلِ الْقَائِمِينَ مِنْ آلِ يَاسِينَ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَنَا ابْنُ الْمُؤَيَّدِ بِجَبْرَئِيلَ، الْمَنْصُورِ بِمِيكَائِيلَ. أَنَا ابْنُ الْمُحَامِي عَنْ حَرَمِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَاتِلِ الْمَارِقِينَ وَالنَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ، وَالْمُجَاهِدِ أَعْدَاءَهُ النَّاصِبِينَ. وَأَفْخَرِ مَنْ مَشَى مِنْ قُرَيْشٍ أَجْمَعِينَ، وَأَوَّلِ مَنْ أَجَابَ وَاسْتَجَابَ للهِ وَلِرَسُولِهِ مِنَ‏ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَوَّلِ السَّابِقِينَ. وَقَاصِمِ الْمُعْتَدِينَ، وَمُبِيدِ الْمُشْرِكِينَ، وَسَهْمٍ مِنْ مَرَامِي اللهِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ. وَلِسَانِ حِكْمَةِ الْعَابِدِينَ، وَنَاصِرِ دِينِ اللهِ، وَوَلِيِّ أَمْرِ اللهِ، وَبُسْتَانِ حِكْمَةِ اللهِ، وَعَيْبَةِ عِلْمِهِ. سَمِحٌ سَخِيٌّ، بَهِيٌّ بُهْلُولٌ زَكِيٌّ، أَبْطَحِيٌّ رَضِيٌّ، مِقْدَامٌ هُمَامٌ، صَابِرٌ صَوَّامٌ، مُهَذَّبٌ قَوَّامٌ. قَاطِعُ الأَصْلابِ، وَمُفَرِّقُ الأَحْزَابِ، أَرْبَطُهُمْ عِنَاناً، وَأَثْبَتُهُمْ جَنَاناً، وَأَمْضَاهُمْ عَزِيمَةً، وَأَشَدُّهُمْ شَكِيمَةً. أَسَدٌ بَاسِلٌ، يَطْحَنُهُمْ فِي الْحُرُوبِ ـ إِذَا ازْدَلَفَتِ الأَسِنَّةُ، وَقَرُبَتِ الأَعِنَّةُـ طَحْنَ الرَّحَى، وَيَذْرُوهُمْ فِيهَا ذَرْوَ الرِّيحِ الْهَشِيمِ، لَيْثُ الْحِجَازِ، وَكَبْشُ الْعِرَاقِ، مَكِّيٌّ مَدَنِيٌّ، خَيْفِيٌّ عَقَبِيٌّ، بَدْرِيٌّ أُحُدِيٌّ، شَجَرِيٌّ مُهَاجِرِيٌّ، مِنَ الْعَرَبِ سَيِّدُهَا، وَمِنَ الْوَغَى لَيْثُهَا. وَارِثُ الْمَشْعَرَيْنِ، وَأَبُو السِّبْطَيْنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، ذَاكَ جَدِّي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(([4])
في هذا المقطع من الخطبة أراد الإمام (عليه السلام) أن يبين للناس العلاقة التي تربطه برسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنه ابنهما، فهو يمثل الإسلام المحمدي، ويزيد يمثل النفاق السفياني، وانكم أيها قد تركتم الإسلام المحمدي وقتلتهم ذريته، وتبعتم النفاق السفياني.
ثم يعرج الإمام (عليه السلام) على نسبه من جهة أخرى إكمالا لما سبقه ويذكر فيه أباه الإمام الحسين (عليه السلام) وما جرى عليه في كربلاء، فيقول: ( ثُمَّ قَالَ: أَنَا ابْنُ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ، أَنَا ابْنُ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ. أَنَا ابْنُ خَدِيجَةَ الْكُبْرَى. أَنَا ابْنُ الْمَقْتُولِ ظُلْما. أَنَا ابْنُ الْمَجْزُوزِ الرَّأْسِ مِنَ الْقَفَا. أَنَا ابْنُ الْعَطْشَانِ حَتَّى قَضَى. أَنَا ابْنُ طَرِيحِ كَرْبَلا. أَنَا ابْنُ مَسْلُوبِ الْعِمَامَةِ وَالرِّدَا. أَنَا ابْنُ مَنْ بَكَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ السَّمَا. أَنَا ابْنُ مَنْ نَاحَتْ عَلَيْهِ الْجِنُّ فِي الأَرْضِ وَالطَّيْرُ فِي الْهَوَا. أَنَا ابْنُ مَنْ رَأْسُهُ عَلَى السِّنَانِ يُهْدَى. أَنَا ابْنُ مَنْ حَرَمُهُ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ تُسْبَى.‏ ..فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ: أَنَا.. أَنَا.. حَتَّى ضَجَّ النَّاسُ بِالْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ، وَخَشِيَ يَزِيدُ ـ لَعَنَهُ اللهُ ـ أَنْ يَكُونَ فِتْنَةٌ، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَقَطَعَ عَلَيْهِ الْكَلامَ. فَلَمَّا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ. قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): لا شَيْ‏ءَ أَكْبَرُ مِنَ اللهِ. فَلَمَّا قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام): شَهِدَ بِهَا شَعْرِي وَبَشَرِي وَلَحْمِي وَدَمِي. فَلَمَّا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ. الْتَفَتَ مِنْ فَوْقِ الْمِنْبَرِ إِلَى يَزِيدَ، فَقَالَ: مُحَمَّدٌ هَذَا جَدِّي أَمْ جَدُّكَ يَا يَزِيدُ؟ فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّهُ جَدُّكَ، فَقَدْ كَذَبْتَ وَكَفَرْتَ، وَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّهُ جَدِّي، فَلِمَ قَتَلْتَ أَبِي وَسَبَيْتَ حَرَمَهُ وَسَبَيْتَنِي؟ ثُمَّ قَالَ: مَعَاشِرَ النَّاسِ! هَلْ فِيكُمْ مَنْ أَبُوهُ وَجَدُّهُ رَسُولُ اللهِ(صلی الله عليه وآله)؟ فَعَلَتِ الأَصْوَاتُ بِالْبُكَاءِ.....)([5]).
بين الإمام (عليه السلام) في هذه المقدمة نسبه الشريف وهو النسب المحمدي الطاهر، ليبين للمتلقى أنه خير البرية، فكل ما سواه دونه نسبا ومنزلة وشرفا، وكذلك يبين لهم أن يزيد (لعنه الله) قتل هذا النسب الطاهر، أي قتل كل هذا بقتله الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، وإذا ما نظرنا إلى ما ذكره الإمام (عليه السلام) نجده قد ذكر كل ما جاء في الرسالة المحمدية وكل ما هو مقدس في نقوس المسلمين، ليقول لهم قتل يزيد هذه الرسالة ومقدساتها بقتل الإمام (عليه السلام)، ولم يبقى منها إلا أنا، فلما أحس يزيد بخطر الخطبة وأنها ستكون ثورة عليه، لما رآه من استجابة الناس لما جاء فيها وتفاعلهم معها وبكائهم على ما جرى، أراد أن يقطع خطبة الإمام (عليه السلام)، فلجأ يزيد (لعنه الله) إلى المكر كعادة بني أمية، فأمر المؤذن أن يؤذن، فما كان من الإمام (عليه السلام) إلا أن أتم خطبته مع الأذان، مجيبا ومتسائلا على ما في الأذان، فكان الأذان جزءا من الرد على يزيد (عليه السلام) وخصوصا في قوله (أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ. الْتَفَتَ مِنْ فَوْقِ الْمِنْبَرِ إِلَى يَزِيدَ، فَقَالَ: مُحَمَّدٌ هَذَا جَدِّي أَمْ جَدُّكَ يَا يَزِيدُ؟ فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّهُ جَدُّكَ، فَقَدْ كَذَبْتَ وَكَفَرْتَ، وَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّهُ جَدِّي، فَلِمَ قَتَلْتَ أَبِي وَسَبَيْتَ حَرَمَهُ وَسَبَيْتَنِي؟) فهنا قد ألقى الإمام السجاد (عليه السلام) الحجة الدامغة على يزيد فهز أركان دولته الباطلة، وبين للناس ظلمة وطغيانه.
وفي الختام، نسأل الله العلي القدير أن يجعلنا مع إمامنا السجاد (عليه السلام) وآبائه وذريته في الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين.
الهوامش:
[1])) اللهوف، ابن طاووس: 69.
[2])) بحار الأنوار، المجلسي: 45/ 179- 180.
[3])) اللهوف، ابن طاووس: 156، بحار الأنوار، المجلسي: ٤٥/۱۱۲.
[4])) الفتوح، ابن أعثم الكوفي: 5/ 132- 133، الاحتجاج، الطوسي: 2/ 38- 39، مناقب آل أبي طالب، ابن شهراشوب: 3/ 305، بحار الأنوار، المجلسي: 45/ 137- 139. 
[5])) الفتوح، ابن أعثم الكوفي: 5/ 132- 133، الاحتجاج، الطوسي: 2/ 38- 39، مناقب آل أبي طالب، ابن شهراشوب: 3/ 305، بحار الأنوار، المجلسي: 45/ 139.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0845 Seconds