شهادة الرضا... نبوءة سبق واهتمام

مقالات وبحوث

شهادة الرضا... نبوءة سبق واهتمام

51 مشاهدة

خُطَى الخُزَاعي
أغنى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في جزء مهم إن لم يكن الأهم من موروثه الروائي الشريف الجزئية الكلية في الدين، ألا وهي مسألة خلافته على الأمة بعد رحيله، مُنوِّعًا إغناءه الشريف بسيل معرفي مفصَّل وجامع، بدايته تنطلق من التعريف بأهمية هذا الأمر محلًا ووظيفة مع مقارنة هذا البيان بالتعريف بالذوات المنتخبة من لدن الله تعالى المؤهلة وهذا المقام، مرورًا بمختارات تفصيلات هامة؛ كالإخبار بالأحوال والظروف المرحلية الآتية  للأئمة في قابل الأيام، والإضاءة على بعض أدوارهم ومظلومياتهم... الخ، والمراد من هذا السبق والاهتمام تمتين الحجَّة على الخلق وتحقيق هدايتهم.
ومن موارد هذه الإخبارات في الرواية الشريفة للنبي وبعض المعصومين المتقدِّمين (صلوات الله عليهم أجمعين) خبر شهادة الإمام الرضا (صلوات الله وسلامه عليه)، إذ حظيت الروايات التي تنعاه بحيزٍ وافرٍ وملحوظ من الذكر يستوقف من يمر عنده، ولعلَّ أوَّل ما يسبق إلى الذهن من قراءة لما وراء هذا الاهتمام بهذا الخصوص؛ هو بيان مظلومية الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) وإلى ما سيتعرض له من إلجاء تجاه غربةٍ تنتهي سنيها بغائلةٍ ترديه شهيدًا، فتُعدُّ تلك المرويات بمثابة وثيقة تجرِّم الظالمين، وتكذِّب سلفًا من يدَّعي أنَّ الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) قد مات حتف أنفه أو مات فجأة كما جاء في بعض الأخبار، منها كما في تاريخ الطبري (ت:310هـ)، والكامل في التاريخ([1]) لابن الأثير(ت: 630هـ)، وممَّا أورده الطبري بهذا الخصوص: ((ذُكر أنَّ المأمون شخص من سرخس حتَّى صار إلى طوس، فلما صار بها أقام بها عند قبر أبيه أيامًا، ثم أن علي بْن موسى أكل عنبًا فأكثر منه فمات فجأة، وذلك في آخر صفر، فأمر به المأمون فدفن عند قبر الرشيد))([2]).
وبعيدًا عن انعطافة ما يدَّعى من كلام مدونة القوم، نستعرض مُنتَخبًا ممَّا ورد على لسان المعصوم بهذا الشأن بوقتٍ متقدِّم على الحدث، ففي حديث مرفوع عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) موثِّقًا مظلومية الإمام من جهة غربته، إذ قال: (( ستدفن بضعة منِّي بأرض خراسان، لا يزورها مؤمن إلا أوجب الله (عزَّ وجلَّ) له الجنة، وحرم جسده على النار))([3])، وعن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) موثِّقًا شهادته وغربته: ((سيقتل رجل من ولدي بأرض خراسان بالسُّم ظلمًا اسمه اسمي، واسم أبيه اسم ابن عمران موسى (عليه السلام) ألا فمن زاره في غربته غفر الله تعالى ذنوبه ما تقدَّم منها وما تأخر، ولو كانت مثل عدد النجوم وقطر الأمطار وورق الأشجار))([4])، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) مصرِّحًا بقتله: ((يقتل حفدتي بأرض خراسان في مدينة يقال لها: طوس من زاره إليها عارفًا بحقه أخذته بيدي يوم القيامة فأدخلته الجنة وإن كان من أهل الكبائر، قال: قلت: جعلت فداك وما عرفان حقه؟ قال: يعلم أنَّه إمام مفترض الطاعة شهيد، من زاره عارفًا بحقه أعطاه الله تعالى له أجر سبعين ألف شهيد ممَّن استشهد بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) على حقيقة))([5])، وأيضًا قوله لرجل من أهل طوس: ((سيخرج من صلبه - يعني موسى بن جعفر (عليه السلام) - رجلٌ يكون رضًا لله في سمائه، ولعباده في أرضه، يُقْتَل في أرضكم بالسُمّ ظلمًا وعدوانًا، ويُدْفَن بها غريباً، ألا فمن زاره في غربته، وهو يعلم أنَّه إمام بعد أبيه مفترض الطاعة من الله عزَّ وجلَّ، كان كمن زار رسول الله (صلى الله عليه وآله)))([6])، وحديث آخر مرفوع إلى الإمام موسى بن جعفر (صلوات الله وسلامه عليهما): (ابني علي مقتول بالسم ظلمًا ومدفون إلى جنب هارون بطوس من زاره كمن زار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم))([7])، وممَّا ورد أيضًا على لسان الإمام الرضا (صلوات الله وسلامه عليه) من نعي لنفسه الشريفة في أكثر من مناسبة إذ قال: ((أنا مقتول ومسموم ومدفون بأرض غربة، أعلم ذلك بعهدٍ عهده إلي أبي عن أبيه عن آبائه عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ألا فمن زارني في غربتي كنت أنا وآبائي شفعاءه القيامة، ومن كنَّا شفعاءه نجى ولو كان عليه مثل وزر الثقلين))([8])، وختامًا روي أنَّ الشاعر دعبل الخزاعي (دخل على علي موسى الرضا (عليهما السلام) بمرو، فقال له: يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنِّي قد قلت فيك قصيدة وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحدًا قبلك فقال (عليه السلام): هاتها فأنشده:  
         مدارس آيات خلت من تلاوة *** ومنزل وحي مقفر العرصات
... فلما انتهى إلى قوله:
          وقبر ببغداد لنفس زكية *** تضمنها الرحمن في الغرفات
قال له الرضا (عليه السلام): أفلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك؟ فقال: بلى. يا ابن رسول الله، فقال (عليه السلام):
      وقبر بطوس يا لها من مصيبة   ***  توقد في الأحشاء بالحرقات
      إلى الحشر حتى يبعث الله قائمًا ***  يفرج عنَّا الهم والكربات
فقال دعبل: يا ابن رسول الله هذا القبر الذي بطوس قبر من هو؟ فقال الرضا (عليه السلام): قبري ولا تنقضي الأيام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفورًا له)([9]). وبهذه الكثرة في الأثر الشريف لخصوص هذا المضمون، امتدادًا من رسول الله إلى الإمام الرضا (صلوات الله عليهم أجمعين) نلمس شيئًا عن مدى اهتمام المعصوم وحرصه على بيان هذه الفاصلة، وكأنَّهم ببيانهم (عليهم السلام) أرادوا استثارة العقول وحثها على التساؤل الذي ينتهي إلى حيث الإضاءة على دور الإمام الرضا (صلوات الله وسلامه عليه) وما تميز به من تضحية ومظلومية.   
فالسلام على غريب طوس ومعقد فخرها ورحمة الله وبركاته.
الهوامش:
[1])) الكامل في التاريخ: ابن الأثير: (ت: 630هـ): 5/504.
[2])) تاريخ الطبري: الطبري (ت: 310هـ): 8/568.
[3])) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، الشيخ الصدوق (ت: 381): 2/286.
[4])) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2/289.
[5])) المصدر نفسه: 2/290.
[6])) الأمالي، الشيخ الصدوق (ت: 381):684.
[7])) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2/291.
[8])) عيون أخبار الرضا (عليه السلام):2/287-288.
[9])) عيون أخبار الرضا (عليه السلام):2/294-295.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1790 Seconds