أن لا يكون الحاكم...بخيلًا

مقالات وبحوث

أن لا يكون الحاكم...بخيلًا

86 مشاهدة

الباحث: محمد حمزة عباس
الْحَمْدُ لله الأَوَّلِ بِلَا أَوَّلٍ كَانَ قَبْلَه، والآخِرِ بِلَا آخِرٍ يَكُونُ بَعْدَه الَّذِي قَصُرَتْ عَنْ رُؤْيَتِه أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ، وعَجَزَتْ عَنْ نَعْتِه أَوْهَامُ الْوَاصِفِينَ ، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين محمد وآله الطاهرين.
وبعد . . .
على الوالي أن يكون سخياً جواداً ذا مروءة، لأن الوالي إذا كان بخيلًا شح على رعيته وبهذا سيخلق فجوة كبيرة بينه وبين الرعية.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (وقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّه لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ، والدِّمَاءِ والْمَغَانِمِ والأَحْكَامِ، وإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ، فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُه)[1].
والنهمة في اللغة: (بُلُوغُ الهِمَّةِ، والشَّهْوَةِ في الشَّيء، وَمِنْهُ الحَدِيثُ: (مَنْهُومَانِ لاَ يِشْبَعَان، طَالِبُ عِلْمٍ، وَطَالِبُ دُنُيَا)[2].
فالوالي الذي وكِّل على هذه الأمور لا يكون فيه هذه الصفة، فمن امتلك هذه الصفة يكون مولع في حب المال والشهوات وبذلك ستشغله بطنه ولذاته عن أداء الحقوق التي كلف بها.
جاء في كتاب الأغاني: (كان الشّراة والمسلمون يتواقفون ويتساءلون بينهم عن أمر الدّين وغير ذلك على أمان وسكون فلا يهيج بعضهم بعضا، فتواقف يوما عبيدة بن هلال اليشكريّ وأبو حزابة التّميمي وهما في الحرب؛ فقال عبيدة: يا أبا حزابة، إني سائلك عن أشياء، أفتصدقني في الجواب عنها؟ قال: نعم إن تضمّنت لي مثل ذلك؛ قال: قد فعلت، قال: سل عما بدا لك، قال: ما تقول في أئمتكم؟ قال: يبيحون الدم الحرام والمال الحرام والفرج الحرام، قال: ويحك! فكيف فعلهم في المال؟ قال: يجبونه من غير حلَّه، وينفقونه في غير حقه، قال: فكيف فعلهم في اليتيم؟ قال: يظلمونه ماله، ويمنعونه حقه .... قال: ويلك يا أبا حزابة! أفمثل هؤلاء تتّبع؟!)[3].
لذا حينما اختار الله خلفائه انما اختارهم لكرمهم وجودهم يقول الإمام علي (عليه السلام) في بعض خطبه مادحا فيها تلك الشجرة التي علت بكرمها وجودها تلك الشجرة النبوية التي صارت مضرب مثلٍ للسخاء: (فَأَخْرَجَه مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً، وأَعَزِّ الأَرُومَاتِ مَغْرِساً، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَه، وانْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَه عِتْرَتُه خَيْرُ الْعِتَرِ، وأُسْرَتُه خَيْرُ الأُسَرِ وشَجَرَتُه خَيْرُ الشَّجَرِ، نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ وبَسَقَتْ فِي كَرَمٍ)[4].
فلكي تنتظم الأمور خلق الله الخليفة قبل الخليقة، يقول الإمام علي (عليه السلام) في عهده لمحمد بن أبي بكر: (فَإِنَّهُ لَا سَوَاءَ، إِمَامُ الْهُدَى وإِمَامُ الرَّدَى، ووَلِيُّ النَّبِيِّ، وعَدُوُّ النَّبِيِّ)[5].
وإنما وصل الناس إلى هذا المستوى من الظلم والجور لأنهم ولّوا زمام أمورهم إلى من لا يستحقها وحازوها عن الإمامة التي نص بها القران والسنة النبوية.
وقد أراهم الله عدله حينما تولى أمير المؤمنين الخلافة فقد كان (عليه السلام) يحاسب بعض عماله الطامعين الذين يسلبون حق الرعية، وهذا ما وضحه كتابه إذ قال فيه: (أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ، إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ رَبَّكَ، وعَصَيْتَ إِمَامَكَ، وأَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ، بَلَغَنِي أَنَّكَ جَرَّدْتَ الأَرْضَ فَأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ، وأَكَلْتَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ، فَارْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ، واعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ، والسَّلَامُ)[6].
وكان (عليه السلام) لا يقنع أن يقال له أمير المؤمنين ولا يشارك الناس بمأكلهم وملبسهم وقد شهد الناس عدله (عليه السلام) وإنصافه في توزيع بيت المال وقد شهدوا بسخائه، ولا زال كرم الإمام فياض لنا حيث هذه الكلمات التي هي دستور تربوي للحكام والرعية إذ يبين فيها جميع الحقوق وما يتوجب على الحاكم والمحكوم في فرض الواجبات وما يترتب عليهم من أداء الحقوق.
فنسأل الله أن يعجل لنا فرج مولانا صاحب الزمان ليقيم به العدل وينشر الحق.
الهوامش:
[1] - نهج البلاغة، 131 ومن كلام له (عليه السلام) وفيه يبين سبب طلبه الحكم ويصف الإمام الحق: 189.
[2]- تاج العروس: 17 / 713.
[3]- الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني: 6 / 390.
[4] - نهج البلاغة، الخطبة: 94.
[5] - نهج البلاغة، 27 ومن عهد له (عليه السلام) إلى محمد بن أبي بكر رضي الله عنه - حين قلده مصر: 383.
[6] - نهج البلاغة، الكتاب: 40.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2042 Seconds