مفهوم الحكم وأصول السّياسة عند عَلِيٍّ (عليه السَّلَام)

مقالات وبحوث

مفهوم الحكم وأصول السّياسة عند عَلِيٍّ (عليه السَّلَام)

98 مشاهدة

عمَّار حسن الخزاعي:
الحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا كما يستحقُّه وكما هو أهله، والصلاة والسلام على خير خلقه محمَّد وآله الطاهرين...
أسَّس أمير المؤمنين عَلِيٌّ (عليه السَّلَام) نظامًا للحكم في عصره، بيَّن فيه المحاور الرئيسة التي يستند عليها الحاكم والمسؤول في تنظيم شؤون الدَّولة والشعب، وقد أبان ذلك بوصايا كثيرة في مواطن متعدِّدة، ويمكن لنا أن نرتشف من معينه العذب بعضًا من أهمِّ الأسس الفاعلة في تنظيم أمور الرعيَّة وسياسة الدولة:
أولًا: ضرورة وجود الحاكم
لابدَّ من وجود نظامٍ يقنن أمور الشعب، وتحفظ به الحقوق وتقام به الواجبات، وإلَّا تصبح الدَّولة كغابةٍ يفترس فيها القويُّ الضعيف، والنظام لا يكون إلَّا بوجود حاكم وأدواتٍ سياسيَّة تسعى لتطبيق النظام الذي تنتظم به الحياة، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): ((وإِنَّه لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِه الْمُؤْمِنُ، ويَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، ويُبَلِّغُ اللَّه فِيهَا الأَجَلَ ويُجْمَعُ بِه الْفَيْءُ، ويُقَاتَلُ بِه الْعَدُوُّ وتَأْمَنُ بِه السُّبُلُ، ويُؤْخَذُ بِه لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ ويُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ))([1]).
 فأمير المؤمنين (عليه السَّلَام) يؤكِّد على ضرورة وجود الحاكم من أجل إقامة النظام بين أفراد الشعب وتنظيم الحقوق والواجبات.
ثانيًا: أن يكون الحكم وسيلةً لا غاية
يؤكِّد أمير المؤمنين (عليه السلام) على أن يكون التصدِّي للحكم وسيلة لإحياء الدِّين وإصلاح الرعيَّة وإقامة النظام وإحقاق الحقوق وتنفيذ الواجبات، وأن لا يكون غايةً يسعى إليها الحاكم من أجل التّسلُّط على رقاب النَّاس، أو من أجل كسب مغانم من وراء السيطرة على مقاليد الدَّولة، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): ((اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّه لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ، ولَا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، ولَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، ونُظْهِرَ الإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ))([2]) .
ثالثًا: قيمة السّلطة في إقامة الحقوق وتنفيذ الواجبات
ينصُّ أمير المؤمنين (عليه السلام) على أنَّ السلطة مهما علا شأنها وعظم خطرها لا قيمة لها مالم تقم الحقَّ وتدفع الباطل، وبغير ذلك تكون بلا قيمة أو منزلة، وفي هذا المعنى ينقل عنه ابن عبَّاس بقوله: ((دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِذِي قَارٍ وهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَه، فَقَالَ لِي: مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ؟ فَقُلْتُ: لَا قِيمَةَ لَهَا، فَقَالَ (عليه السَّلَام): واللَّه لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ؛ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا))([3]).
رابعًا: على الحاكم أن يكشف عن ذمَّته الماليَّة
أرسى أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) قاعدةً في أوَّل تسنُّمه للحكومة عند مقدمه على الكوفة، وهي الكشف عن ذمَّته الماليَّة أمام النَّاس؛ لكي يتسنَّى للجهاز الرقابي أو عموم الرعيَّة مراقبة نمو ثروة الحاكم، فإذا كان النمو طبيعيًّا كان هذا الحاكم مراعيًا لله تعالى في أموال الشعب، وأمَّا إذا كان بغير ذلك فهو سارق خائن، وقد طبَّق ذلك عمليًّا في أوَّل دخوله للكوفة عندما اجتمع النَّاسُ حوله بقوله: ((يا أهل الكوفة إذا أنا خرجت من عندكم بغير رحلي وراحلتي وغلامي فأنا خائن))([4]) .
خامسًا: أصول السياسة في إدارة الدَّولة
خطَّ أمير المؤمنين علي (عليه السَّلَام) استراتيجية متكاملة لكلِّ الحكام والمسؤولين على اختلاف العصور، وهي دستور ممكن التطبيق، وفي حال اعتماده يضمن للحاكم بسط النظام والقانون على جميع مملكته، وكذلك يضمن للرعية حقوقها كاملةً، وهذا الدستور أوضحه في عهده المبارك لمالك الأشتر (رضوان الله عليه)، وممَّا جاء فيه قوله: ((وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ، ولَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ، ويُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ والْخَطَأ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّه مِنْ عَفْوِه وصَفْحِه، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ ووَالِي الأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، واللَّه فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ، وقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وابْتَلَاكَ بِهِمْ، ولَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّه؛ فَإِنَّه لَا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِه، ولَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِه ورَحْمَتِه، ولَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ ولَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ، ولَا تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً، ولَا تَقُولَنَّ إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ، ومَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ وتَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيَرِ، وإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيه مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أَوْ مَخِيلَةً فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللَّه فَوْقَكَ وقُدْرَتِه مِنْكَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْه مِنْ نَفْسِكَ))([5])، وهذه الكلمات على إيجازها فإنَّها نظامًا متكاملًا في إدارة الدولة والشعب.
الهوامش:
([1]) نهج البلاغة، تحقيق: د. صبحي الصالح: 82 .
([2]) المصدر نفسه: 89 .
([3]) نهج البلاغة، تحقيق د. صبحي الصالح: 76 .
([4]) الغارات، إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي (ت: 283 هـ): 1/68 .
([5]) نهج البلاغة، تحقيق د. صبحي الصالح: 427 – 428 .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1778 Seconds