محاربة الفساد في خلافة أمير المؤمنين (عليه السَّلَام)

مقالات وبحوث

محاربة الفساد في خلافة أمير المؤمنين (عليه السَّلَام)

318 مشاهدة

الباحث: عليَ عبَّاس فاضل
الحمد لله رب العالمين والصَّلَاة والسَّلَام على خير الخلق أجمعين أبي القاسم مُحَمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين، وبعد...
عانى الناس ولا زالوا من آفة الفساد التي اتصفت بها الحكومات على مرّ  الأزمان إلا ما ندر منها، ولم تكن هذه الآفة وليدة زمن قصير، بل هي منذ زمن بعيد، إذ نرى لها وجودا في الحضارات القديمة، وكذلك في أوائل الحكم الإسلامي، وتحديدا بعد وفاة الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) الذي كان قائد دولة العدل الإلهي، لكن بعد وفاته حدثت أمور ادت إلى ظهور فساد الحاكم.
وقد تصدى أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) لهذ الآفة عندما تولى الخلافة، وأولى خطواته (عليه السَّلَام) بدأ بمصادرة أموال بني أمية التي نهبوها من بيت مال المسلمين، وأعاد كل القطائع التي وهبها عثمان إلى بيت مال المسلمين فيقول في ذلك (وَاَللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ اَلنِّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ اَلْإِمَاءُ لَرَدَدْتُهُ، فَإِنَّ فِي اَلْعَدْلِ سَعَةً وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ اَلْعَدْلُ، فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ)([1]).
ومن ثم تتوالى إجراءات أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) في مكافحة الفساد بقيامه بعزل الولاة الفاسدين فقد ذكر الطبري في تاريخه: (قال ابن عباس يا أمير المؤمنين أخبرني عن شأن المغيرة ولِمَ خلا بك قال جاءني بعد مقتل عثمان بيومين فقال لي أخلني ففعلت فقال إنّ النّصح رخيص وأنت بقية النَّاس وإني لك ناصح وإنّي أشير عليك برد عمال عثمان عامك هذا فاكتب إليهم بإثباتهم على أعمالهم فإذا بايعوا لك واطمأن الأمر لك عزلت من أحببت وأقرت من أحببت فقلت: والله لا أدهن في ديني ولا أعطى الدني في أمري قال فان كنت قد أبيت عَلِيّ فانزع من شئت واترك معاوية فإن لمعاوية جرأة وهو في أهل الشام يسمع منه ولك حجة في إثباته كان عمر بن الخطاب قد ولاه الشام كلها فقلت: لا والله لا أستعمل معاوية يومين أبدا فخرج من عندي على ما أشار به ثم عاد فقال لي إني أشرت عليك بما أشرت به فأبيت علي ثم نظرت في الأمر فإذا أنت مصيب لا ينبغي لك أن تأخذ أمرك بخدعة ولا يكون في أمرك دلسة، قال: فقال ابن عباس: فقلت لِعَلِيّ (عليه السَّلَام): أما أول ما أشار به عليك فقد نصحك وأما الآخر فغشك وأنا أشير عليك بأن تثبت معاوية فإن بايع لك فعلي أن أقلعه من منزله قال عَلِيّ لا والله لا أعطيه إِلَّا السَّيف)([2]).
فأمير المؤمنين (عليه السَّلَام) عزل جميع الذين ولاهم عثمان، وقد أشار عليه بعض أصحابه أن يبقيهم حتى تستتب الأمور ثم يعزلهم، أو ان يعزل بعضهم ويبقي آخرين، إلا أنه رفض ذلك وعده مداهنة في الدين، ويدل ذلك على مدى الفساد الذي كانت تقوم تلك العصابة، وطلب ابن عباس من أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) أن يثبت معاوية، فإن بايعه عزله فيما بعد، فأجابه لا والله لا أعطيه إِلَّا السَّيف، يبين هذا إصرار أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) على محاربة الفساد ورموزه، بكل الوسائل ومهما كلف الأمر، لما للفساد والفاسدين من تأثير على حياة الأمة، وسلب خيراتها، وظلم أهلها، لذا كان لا بد من قلع جذور الفساد من جذورها، ليتحقق العدل، وهو أول معيار لدولة العدل الإلهي المتمثلة بخلافة أمير المؤمنين (عليه السَّلَام).
هذه بعض الأمور التي عمل عليها أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) حال توليه الخلافة، ليحقق العدل ويرد لكل ذي حق حقه، في الختام نسأل الله العلي القدير أن يمن علينا بدولة كريمة يعز بها الإسلام وأهله، ويذل فيها النفاق وأهله، إنّه سميع الدُّعاء.
الهوامش:
([1]) نهج البلاغة، خطب الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام): 57، تحقيق: صبحي الصَّالح، والمراد بالقطائع: ما منحه عثمان للناس من الأراضي، وكان الاصل فيها أن تنفق غلتها على أبناء السبيل وأشباههم كقطائعه لمعاوية ومروان.
([2]) تاريخ الطبري: 3/ 461- 462.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1878 Seconds