المختار بين الكياسة والاتِّهام..

مقالات وبحوث

المختار بين الكياسة والاتِّهام..

2K مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 12-12-2019

عمَّار حسن الخزاعي:
الحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا كما يستحقُّه وكما هو أهله، والصلاة والسلام على خير خلقه محمَّد وآله الطاهرين...
نالت شخصية المختار مساحةً كبيرةً في التاريخ الإسلامي، وتقاسمتها الأقلام حتَّى وصلت بها إلى حدِّ التناقض في بعض الأحيان، ما بين مادح له ومتوقف عليه وذام له، وبين حاكمٍ عليه بالنَّار، وبين مؤيِّدٍ لدخوله إلى الجنَّة، وبين ذاهبٍ إلى دخوله إلى النَّار ثمَّ انتقاله إلى الجنَّة بشفاعة الحسين (عليه السلام)، ولكلٍّ من هذه الاتِّجاهات أدلَّته، ونحن هنا لا نودُّ الخوض في تلك الأدلَّة من حيث سندها أو الجهة الغالبة فيها  وإنَّما أُحاول الكشف عن جانبٍ للمختار الثقفي مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفحوى ذلك الجانب الشهادة للمختار بالكياسة من لدن أمير المؤمنين (عليه السلام)، في حديثٍ نقله الأصبغ (رضوان الله عليه) بقوله: ((رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو يمسح رأسه ويقول: يا كيس يا كيس))([1])، والرجل الكيس، هو العاقل([2])، والمتأنِّي الذي يُحسن معالجة الأمور([3])، أي خلاف الأحمق([4])، وهو من اجتمع له حسن الرأي والتعقُّل في الأمور([5])، وكذلك حُسن الأدب([6])، فأمير المؤمنين (عليه السلام) وهو العالم من لدن الله تعالى بعواقب الأمور يصف المختار بالكياسة، التي هي التعقُّل وحُسن الرأي والأدب، ممَّا يمكن أن نعوِّل على ذلك، ونفهم منه تزكيةً لهذا الصبي؛ لأنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) إمامٌ معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكلامه حقٌ لا يشوبه الغفلة والسهو، وهو أعلى من أن يُرسل الأحكام جزافًا بلا نظرٍ إلى عواقب الأمور، وقد شهدت له مواضع كثيرة بيَّن فيها عواقب بعض الأشخاص ممَّن غضب الله عليهم، ومنهم عمر بن سعد (عليه لعائن الله تعالى)، الذي نقل الأصبغ (رضوان الله عليه) كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) فيه بقوله: ((بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) يخطب الناس وهو يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، فو الله لا تسألوني عن شيء مضى ولا عن شيء يكون إلا أنبأتكم به. فقام إليه سعد بن أبي وقاص، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة ؟ فقال له: أما والله لقد سألتني عن مسألة حدثني خليلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنَّك ستسألني عنها، وما في رأسك ولحيتك من شعرة إلا وفي أصلها شيطان جالس، وإنَّ في بيتك لسخلًا يقتل الحسين ابني، وعمر بن سعد يومئذ يدرج بين يديه))([7])، والسخل هو الحمل الصغير .
فأمير المؤمنين (عليه السلام) مدح شخصًا وذمَّ آخر، وكلاهما كان طفلًا صغيرًا، ولذلك فمن غير الانصاف أن نعتمد ذمَّه في عمر بن سعدٍ الذي تحقَّق بقتله ابن بنت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ونترك مدحه للمختار بن عبيد، وكذلك هو تحقق بطلبه لثأر الحسين (عليه السلام) وهو عين التعقُّل، وممَّا يدلُّ على فطنته ودرايته وسياسته للأمور أنَّه استطاع أن يصمد أمام معسكرين كبيرين في دولةٍ فتيَّةٍ صغيرة في الكوفة، وهما معسكر الزبيريين ومعسكر المروانيين، وقد استطاع أن يثبت أمامهم لما يقارب خمسة أعوام، محققًا عليهم انتصارات كبيرة .  وقد قال فيه العلامة المجلسي (رحمه الله) (ت: 1111 هـ): ((نشأَ المختار مِقْدَاماً شُجَاعاً لا يَتَّقِي شَيْئاً وتعاطَى معاليَ الأُمُور))([8])، وممَّا يدلُّ على حسن معالجته للأمور وعقله الراجح ما قاله فيه المحدثون من قبيل فلهاوزن الذي قال فيه: ((إنَّه الرجل الجدير بالثناء اللائق بالمدح، لسبقه في معرفة الواقع الاجتماعي والسياسي الذي كان يعيشه، وتشخيصه المشكلة مبكرًا، وأنَّه لا يمكن أن يستمر الوضع على ما هو عليه كثيرًا، وذلك لانفراد العنصر العربي بالامتيازات والحقوق على المستويين الفردي والاجتماعي))([9])، وممَّا قيل فيه أيضًا: ((كان المختار عادلاً أرسى قواعد حكمه على العدل والمساواة بين الناس، ورغم المشاكل والمعوقات الكثيرة التي كانت تواجهه كان يتصدّى للقضاء وفكّ الخصومات بنفسه، وكان يعمد إلى فكِّ الأسرى وإطلاق سراحهم ويعفو عما اقترفوه من جرائم مكتفيًا باشتراط عدم الثورة والتحرك ضدّه مرّة أخرى))([10]) .
ومن هنا فإنَّنا نرى أنَّ المختار نال تزكيةً من أمير المؤمنين (عليه السلام) فحواها الشهادة له بالعقل والدراية، وهذه الشهادة ترفعه إلى مرتبة المدح وتجلُّه عن الذَّمِ والاتِّهام، وقد أثبت الواقع ما حكم به أمير المؤمنين (عليه السلام) على المختار .
الهوامش:
([1]) اختيار معرفة الرجال، الشيخ الطوسي: 1 / 341 ، ذوب النضار، ابن نما الحلي ، بحار الأنوار، العلامة المجلسي: 45/344 .
([2]) الزاهر في معاني كلمات الناس، أبو بكر الأنباري: 1/111 ، الإبانة في اللغة العربية، سَلَمة بن مُسْلِم العَوْتبي الصُحاري: 4/102 .
([3]) غريب الحديث، أبو سليمان الخطابي (ت: 388 هـ): 2/186 .
([4]) مجمل اللغة لابن فارس، ابن فارس: 1/775 .
([5]) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس: 5/149
([6]) تاج العروس من جواهر القاموس، مرتضى الزَّبيدي (ت: 1205هـ): 16/464 .
([7]) الأمالي، الشيخ الصدوق: 196 – 197 ، الإرشاد، الشيخ المفيد: 1/330 – 331 .
([8]) بحار الأنوار، المجلسي: ‏45/350 .
([9]) مختار ثقفي، كريوتلي: 6.
([10]) المصدر نفسه:24.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1769 Seconds