باب الحوائج في سطور

مقالات وبحوث

باب الحوائج في سطور

106 مشاهدة

خُطَى الخزاعي
بسطوة سيف غاشم، ورواية مداد مأجور، وبريق مال منتهب، ورعاع طاب لهم النعيق، انتعشت جولة الظالمين أزمنة متطاولة فأوقعتهم في قيعة من وهم آسن، بأنَّ الحق أصبح مأسور باطلهم رهينة حكمه، جاعلة منهم أجسادًا محشورة بين تاج وكرسي تعالج هواجس الزحزحة المتواصلة بمزيد ملاحقة وسافر جرم.
وفي كل جولة يجود الحق بأضحية يحسبها الباطل نصرًا، وما هي إلًا مرحلة بناء لا بُدَّ منها في تعميد دولة حق قادمة ستغدو فيها كل تلك الجولات على أمدها كيوم أو بعضه، هكذا وعد الحق جلَّ وعلا.
ومع الكاظم تاسع أضاحي الحق، سابع أئمة عترة الهدى، وقفة نعطر بها أبجد السطور، مقتطفين حكمة على حسبنا من سيرته وخلقه وظلامته، فنتأسى بها-إن أمكننا- في زمان استشرى فيه الظلم وأصبح للقبيح فيه وجه مستحسن.
فهو الإمام موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) الكاظم العبد الصالح إمام المؤمنين، كنيته أبو الحسن ويكنى أبا إبراهيم ويكنى أيضًا أبا علي، ولد بالأبواء سنة ثمان وعشرين ومائة من الهجرة... وأمه أم ولد يقال لها حميدة البربرية (رضي الله عنها)([1]).
ترجم له غيرنا فقال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: ((الإِمَامُ، القُدْوَةُ السَّيِّدُ، أَبُو الحَسَنِ العَلَوِيُّ، وَالِدُ الإِمَامِ عَلِيِّ بنِ مُوْسَى الرِّضَى، مَدَنِيٌّ نَزَلَ بَغْدَادَ، وَحَدَّثَ بِأَحَادِيْثَ عَنْ أَبِيْهِ...))([2]) وأيضًا قَالَ الخَطِيْبُ البغدادي: ... كَانَ مُوْسَى بنُ جَعْفَرٍ يُدْعَى: العَبْدَ الصَّالِحَ مِنْ عِبَادتِه وَاجْتِهَادِه، رَوَى أَصْحَابُنَا: أَنَّهُ دَخَلَ مَسجدِ رَسُوْلِ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ فَسَجَدَ سَجْدَةً فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، فَسُمِعَ وَهُوَ يَقُوْلُ فِي سُجُوْدِه: عَظُمَ الذَّنْبُ عِنْدِي فَلْيَحْسُنِ العَفْوُ مِنْ عِنْدِكَ، يَا أَهْلَ التَّقْوَى وَيَا أَهْلَ المَغْفِرَةِ فَجَعَلَ يُرَدِّدُهَا حَتَّى أَصْبَحَ، وَكَانَ سَخِيّاً كَرِيْماً يَبلُغُه، عَنِ الرَّجُلِ أَنَّهُ يُؤذِيْه, فَيَبعَثُ إِلَيْهِ بِصُرَّةٍ فِيْهَا أَلفُ دِيْنَارٍ، وَكَانَ يَصُرُّ الصُّرَرَ بِثَلاَثِ مائَةِ دِيْنَارٍ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، وَمائَتَيْنِ، ثُمَّ يَقسِمُهَا بِالمَدِيْنَةِ، فَمَنْ جَاءتْه صُرَّةٌ، اسْتَغنَى..([3])، وقال ابن حجر في تهذيب التقريب: ((موسى ابن جعفر ابن محمد ابن علي ابن الحسين ابن علي أبو الحسن الهاشمي المعروف بالكاظم صدوق عابد))([4])، وأمَّا ابن طلحة الشافعي فقال عنه: ((هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكبير المجتهد، الجاد في الاجتهاد، المشهور بالعبادة، المواظب على الطاعات، المشهود له بالكرامات، يبيت الليل ساجدًا وقائمًا، ويقطع النهار متصدقًا وصائمًا، ولفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين عليه دعي كاظمًا، كان يجازى المسيء بإحسانه إليه ويقابل الجاني بعفوه عنه، ولكثرة عبادته كان يسمى بالعبد الصالح ويعرف بالعراق باب الحوائج إلى الله لنجح مطالب المتوسلين إلى الله تعالى به، كرامته تحار منها العقول، وتقضي بأن له عند الله تعالى قدم صدق لا تزل ولا تزول))([5])، وقال ابن حجر في صواعقه: ((مُوسَى الكاظم وَهُوَ وَارث أبيه علمًا وَمَعْرِفَةً وكمالًا وفضلًا سمي الكاظم لِكَثْرَة تجاوزه وحلمه وَكَانَ مَعْرُوفًا عِنْد أهل الْعرَاق بِبَاب قَضَاء الْحَوَائِج عِنْد الله وَكَانَ أعبد أهل زَمَانه وأعلمهم وأسخاهم))([6]).
فكان (صلوات الله عليه) مشتهرًا بالمناقب الرفيعة والرتب العالية التي راقت حتى خط أهل الخلاف فسطَّروا بعضًا منها وهو عندنا أجلُّ وأرفع؛ الأمر الذي جعل منه مصدر قلق وهاجس للسلطة الغاشمة آنذاك؛ فسعت لاحتوائه وعزله عن مريديه في سلسلة اعتداءات مارستها ضمن حملاتها المهووسة في حراسة عرشها، وقد عاصر إمامنا الكاظم (صلوات الله عليه) من حكام بني العباس كل من المهدي (158- 169هـ)، وموسى الهادي (169-170ه‍)، وهارون (170- 193ه‍)([7]).
وأول من أقدمه إلى بغداد المهدي ثم رده إلى المدينة، وأقام بها إلى أيام هارون، فقدم هارون منصرفًا من عمرة رمضان سنة تسع وسبعين، فحمله معه إلى بغداد وحبسه بها إلى أن توفي في محبسه هذا ما صرّح به الخطيب البغدادي([8])، فنال (صلوات الله عليه) أشد العذاب على يد هارون منقِّلًا إياه بين السجون محاولًا طمس نور إمامة إلهية في ظلمات من طوامير بشرية، إلى أن استشهد (صلوات الله وسلامه عليه) في سجن السندي بن شاهك في بغداد وقد تفنَّن الأخير(لعنه الله) في إيذائه وتعذيبه فقبض (عليه السلام) يوم الجمعة لست بقين من رجب، وقيل: لخمس خلون من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة وهو ابن أربع أو خمس وخمسين سنة وكانت مدة إمامته خمس وثلاثين سنة ودفن ببغداد في مقبرة قريش([9])، فأصبح قبره ملاذًا للمؤمنين يؤمونه مثقلين بحوائج شتى فيعودون محملين بنجحها وأكثر، وممَّا حكي في شأن بركة مزاره عن الإمام الرضا (صلوات الله وسلامه عليه) أنَّ البلاء يدفع عن أهل بغداد بقبر موسى بن جعفر (عليهما السلام)([10])، وعن إمام الحنابلة في عصره الحسن بن إبراهيم أبا علي الخلال يقول: ((ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به، إلا سهَّل الله تعالى لي ما أحب))([11])، وأيضًا: ((وهو المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج إلى الله، وذلك لنجح قضاء حوائج المسلمين، ونيل مطالبهم وبلوغ مآربهم وحصول مقاصدهم))([12]) وأيضًا قال القرماني: ((وهو المعروف بباب الحوائج؛ لأنَّه ما خاب المتوسل به في قضاء حاجته قط))([13])، وقد حثَّ الإمام الرضا (صلوات الله عليه) في أكثر من خبر على زيارته ومن هذه الروايات سئل مرةً: ((ما لمن زار قبر أبيك؟ قال: زره، فقلت: أي شئ فيه من الفضل؟ قال: فيه من الفضل كفضل من زار قبر والده يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله) قلت: فانِّي خفت ولم يمكنِّي أن أدخل داخلًا، قال: سلِّم من وراء الجسر))([14]).
 والختام توسل بباب الحوائج على أعتاب شهادته أن يدفع البلاء عن المؤمنين في بلدنا وسائر البلاد وأن يجود عليهم بحرز من أمن وعافية بظلامته وظلامة آبائه وأبنائه الطاهرين وببركة الصلاة على محمد وآل محمد.
الهوامش:
[1])) تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي ت(460): 6/81.
[2])) سير أعلام النبلاء، الذهبي (ت: 748هـ): 6/372.
[3])) ينظر: تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي (ت: 463هـ): 15/14.
[4])) تهذيب التقريب: بن حجر العسقلاني (ت: 852هـ): 550.  
[5])) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ( ع )، محمد بن طلحة الشافعي (ت:652): 447.
[6])) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيثمي (ت: 974هـ): 2/590.
[7])) ينظر: بصائر الدرجات، الصفار (ت: 290): 460-461.
[8])) ينظر: تاريخ بغداد: 15/14.
[9])) ينظر: الكافي، الشيخ الكليني (ت: 329): 1/476، ينظر: مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب، (ت: 588): 3/437.
[10])) ينظر: بحار الأنوار، العلامة المجلسي(ت: 1111): 57/220. 
[11])) تاريخ بغداد: 1/442. 
[12])) الفصول المهمة في معرفة الأئمة، ابن الصباغ المالكي (ت: 855): 2/932. 
[13])) شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة، السيد علي الحسيني الميلاني: 1/248.
[14])) تهذيب الأحكام: 6/82. 

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1164 Seconds