واهبُ الضوءِ

مقالات وبحوث

واهبُ الضوءِ

112 مشاهدة

خُطَى الخُزَاعي
في جوف ظلمة زاد في عتمتها باصرةٌ كفيفة، كان يدور في خربته حبوًا بجسد خائر بلا هدى، مسائلًا بضربات واهنة ممزوجة بغزارة دمع وشحة من صوت ما يصادفه من أنصاف جدران مهترئة، عن حضور مضيء لمؤانس ما كان التأخر دأبه، ولا النسيان من ديدنه.

منذ ثلاثة أيام والظلمة آخذة في التطاول، إذ راحت تشتبك خيوطها غَزْلًا وتجتاح الفضاء دثارًا، مُجْهزة عند ذروتها على بقية من ضوء، ومنعشة بصمتها الأسود روح وحشة على طَلل من طيف أُنس.

على ثقل عجزه كان يفتش بين ثنايا دائرته المفرغة -إلّا من لوعة- عن أثرٍ من رسم خطاه، عسى أن يهديه إلى ما صار إليه من وجهة، ثم يستعطف مرة أُخرى صدوع الجدران فيناشدها عن عبق من ضوعه تمنى لو تشبّثت به قبل النفاد طياتها، عن شيء منزو من تفاصيل ظله عسى قد استبقته للأيام ذاكرتها، عن سقط حرف من صدى تسبيحه ربَّما انتشلته قبل التلاشي خلسة نسائمها، عن خيط ضوء لعله قد تسرَّب من أشعة ضوءه وفرَّ من جند الظلام فخبأته ذراتها.

ناءت الجدران المتهالكة بطرقاته المرتعشة وكلماته المتوسلة، فلم تملك إلّا أن تواسيه بنثار غبرة يحكيها هي الأخرى فقدًا زادها تصدُّعًا ووهنًا.

وعند خاتمة اللاجدوى تحمله الركبتان مع اليدين صوب ركن كان آخر عهده به، فيتوسد تربته ويواصل أنينه كاسًرا من جديد هجيع الصمت، مردِّدًا ما الذي حلَّ بك يا واهب الضوء؟

لن يأتي مجدَّدًا، غيلة أرداه شقي الظلام، انسابت تلك الكلمات مع عبق مبتعث على جناح غبرة  من المثوى الأخير.

لم يقوَ الفاقد على شيء، ابتلعت الفاجعة كلمه وحركته، ورأى أنَّ الشقي قد ألقاه خاصة في ظلام محبك لا ينفذ منه إليه شعاع إذ حرمه من مفيض الضوء..

هلموا بي إليه، مراهنًا على وهنه بدحر الظلام المطبق عند الضوء الموارى.

وعند الخطوة الخاتمة حيث تراب القبر راحت روحه تستجمع شتات بعثرتها فتكسّر قضبان الظلمة مستقوية عليها بقبضة ندية من تراب مثواه وتحلِّق بعيدًا كفراشة بإثر الضوء.

من وحي رواية فحواها: عندما رجع الحسنان (صلوات الله عليهما) ومن معهما من دفن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، مروا على مكان خرب من الكوفة، فسمعوا أنينا، فقفوا أثره، فإذا به رجل قد توسد لبنة وهو يحن حنين الثكلى الوالهة، فوقف عنده الحسنان وسألاه عن حاله، فقال: إني رجل غريب لا أهل لي قد أعوزتني المعيشة، وأتيت إلى هذه البلدة منذ سنة، وكل ليلة يأتيني شخص إذا هدأت العيون بما أقتات به من طعام وشراب، ويجلس معي يؤنسني ويسليني عما أنا فيه من الهم والحزن، وقد فقدته منذ ثلاثة أيام، فقالا له وهما يبكيان: صفه لنا، فقال: إني مكفوف البصر ولا أبصره، فقالا: ما اسمه؟ قال: كنت أسأله عن اسمه فيقول: إنما أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، فقالا له: أسمعنا من حديثه، قال: دأبه التسبيح والتقديس والتكبير والتهليل وإن الأحجار والحيطان تجيب بإجابته، وتسبح بتسبيحه، وتكبر بتكبيره، وتهلل بتهليله، وتقدس بتقديسه، فقالا له: هذه صفات سيدنا ومولانا أمير المؤمنين فقال الرجل الغريب: ما فعل الله به ؟ فقالا وهما يبكيان: قد أفجعنا فيه أشقى الأشقياء ابن ملجم المرادي، وها نحن راجعون من دفنه، فلما سمع ذلك منهما لم يتمالك دون أن رمى بنفسه على الأرض وجعل يضرب برأسه الأشجار، ويحثو على رأسه التراب، ويصرخ صراخ المعولة الفاقدة، فأبكى من كان حاضرًا، ثم قال لهما: بالله ما اسمكما واسم أبيكما؟ فقالا له: أبونا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأنا الحسن وهذا أخي الحسين، وهؤلاء بقية أولاده وأقربائه وجملة من أصحابه راجعين من دفنه، فقال: سألتكما بالله وبجدكما رسول الله وأبيكما ولي الله إلا ما عرجتما بي على قبره لأجدد به عهدًا، فقد تنغص عيشي بقتله وتكدرت حياتي بعد فقده، فأخذه الحسن بيده اليمنى، والحسين بيده اليسرى، والناس من ورائهما بالبكاء والعويل المقرح للأكباد، حتى أتوا إلى القبر المنور، فجثى عليه وجعل يمرغ نفسه عليه ويحثو التراب على رأسه، حتى غشي عليه وهم حوله يبكون، وقد أشرفوا على الهلاك من كثرة البكاء والنحيب، فلما أفاق من غشوته رفع كفيه إلى السماء وقال: اللهم إني أسألك بحق من سكن هذه الحفرة المنورة أن تلحقني به وتقبض روحي إليك، فإنِّي لا أقدر على فراقه ولا أستطيع التحمل لوجده واشتياقه، فاستجاب الله دعاؤه، فما وجدوه إلا مثل الخشبة الملقاة فجهزوه، وقيل دفنوه بجنب أمير المؤمنين (عليه السَّلَام)([1]).
الهوامش:
[1])) ينظر: وفيات الأئمة: 70، الأنوار العلوية: 391.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1815 Seconds