ليلة القدر... بين القرآن والولاية وفاطمة

مقالات وبحوث

ليلة القدر... بين القرآن والولاية وفاطمة

428 مشاهدة

عمار حسن الخزاعي
خلق الله تعالى الخلق على درجات، وجعل بعضه أفضل من بعضٍ على وفق تقديرات اقتضتها حكمته تعالى، فرفع بعضها على بعضٍ واختصَّ بعضها بفضلٍ من دون بعض، وممَّا درجت به سُنَّة التفاضل الزمان، وقد جعله الله تعالى متفاضلًا مع بعضه بعضًا، ويمكن أن نردَّ علة التفاضل فيه إلى الحوادث التي تجري في أوقاته، فيأخذ كلُّ وقتٍ فضيلته من أهميَّة الحدث الذي يحتويه، ومثال ذلك شهر رمضان الذي أصبح سيِّد الشهور بسبب وجود ليلة القدر التي نزل فيها القرآن الكريم، وقد أشار الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) إلى هذا المعنى بقوله: ((أما إنَّه ما أنزل الله تعالى كتابًا ولا خلق خلقًا إلا وجعل له سيِّدًا، فالقرآن سيد الكتب المنزلة، وشهر رمضان سيد الشهور، وليلة القدر سيدة الليالي، والفردوس سيد الجنان، وبيت الله الحرام سيد البقاع، وجبرئيل (عليه السلام) سيد الملائكة، وأنا سيد الأنبياء، وعلي سيد الأوصياء، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ولكلِّ امرئ من عمله سيد، وحبي وحب علي بن أبي طالب سيد الأعمال، وما تقرب به المتقربون من طاعة ربهم))([1]) . وسنحاول في هذه العجالة تسليط الضوء على سيادة ليلة القدر، وذلك عن طريق بيان ماهيَّتها ووقتها وأسباب سيادتها، وفي كلِّ ذلك سننهج سبيل الإيجاز والاختصار وسنتكلَّم بحسب ما يسمح به المقام .

الْقدر لغة، الْقَضَاء وَالْحكم([2])، ((وَهُوَ مَا يُقَدِّره اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) مَنْ الْقَضَاءِ وَيَحْكُمُ بِهِ مِنَ الأُمور))([3])، ومن هنا سُمِّيت ليلة القدر بهذا الاسم، وذلك لأنَّ الله تعالى يُقدِّر فيها كلَّ الأمور إلى ما يكون من السَّنة القابلة، قال تعالى: ((فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)) [الدخان: 4]، وفي تفسير هذه الآية المباركة قال الإمام الباقر (عليه السلام): قَالَ يُقَدَّرُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ إِلَى مِثْلِهَا، مِنْ قَابِلٍ خَيْرٍ وشَرٍّ وطَاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ ومَوْلُودٍ وأَجَلٍ أَوْ رِزْقٍ، فَمَا قُدِّرَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وقُضِيَ فَهُوَ الْمَحْتُومُ، ولِلَّه (عَزَّ وجَلَّ) فِيه الْمَشِيئَةُ))([4]) . فليلة القدر، هي اللية التي توزَّع الأدوار فيه على الخلق بحسب قدراتهم ودرجاتهم، وبحسب ما يُقدِّمونه لله تعالى من طاعةٍ وتزكية للنفوس، وقد أسماها الله تعالى بلية القدر وجعلها خير من ألف شهر بقوله تعالى: ((لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)) [القدر: 3]، ومعنى أنَّها خير من ألف شهر، أي العبادة فيها خير من ألف شهر، وهذا المعنى يُشير إليه الإمام البَاقِر (عليه السَّلَام) بجوابه لحمران عندما سأله بقول: ((أَيُّ شَيْءٍ عُنِيَ بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا مِنَ الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ وأَنْوَاعِ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، ولَوْلَا مَا يُضَاعِفُ اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَا بَلَغُوا؛ ولَكِنَّ اللَّه يُضَاعِفُ لَهُمُ الْحَسَنَاتِ بِحُبِّنَا))([5])، وبهذا المعنى أجاب الإمام الصادق (عليه السَّلَام) عندما سأله أحد أصحابه بقوله: ((كَيْفَ يَكُونُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْراً مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ؟ قَالَ: الْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ))([6]) .

أمَّا وقت ليلة القدر فيمكن أن نتلمَّس ذلك من متابعة جملةٍ من الآيات الكريمة، قال تعالى: ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)) [القدر: 1]، والهاء في (أَنْزَلْنَاهُ) تعود إلى القرآن الكريم، وعلى ذلك يكون نزول القرآن الكريم في ليلة القدر، وهنا نحتاج إلى آيةٍ أُخرى تُبيِّن الشهر الذي نزل فيه القرآن، وهذا الأمر نجده في قوله تعالى: ((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)) [البقرة: 185]، وعلى ذلك تكون ليلة القدر في شهر رمضان، وهي ليلة مباركة بنصِّ القرآن الحكيم، قال تعالى: ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ)) [الدخان: 3]، وهنا علينا أن نبحث عن أيِّ جزءٍ من الشهر تكون فيه هذه الليلة المباركة، وسنجد الجواب عند أمير المؤمنين عَلِيّ (عليه السَّلَام) بقوله: ((التمسوها في العشر الأواخر))([7])، ولو بحثنا عن تحديد أكثر فسنجده عند الإمام الصَّادِق (عليه السَّلَام) عندما أجاب سائلًا عن وقت ليلة القدر فقال: ((اطلبها في تسع عشرة، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين))([8])، ولو بحثنا عن تضيق أكثر فسنجده في جواب الإمام الصَّادِق (عليه السَّلَام) لأحد أصحابه عندما سأله عن تحديد ليلة القدر: ((الْتَمِسْهَا فِي لَيْلَةِ إِحْدَى وعِشْرِينَ أَوْ لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وعِشْرِينَ))([9])، وهناك من أصحاب الأئمَّة من حاول أن يعرف وقتها بالتحديد؛ ولكن كانت إجاباتهم (عليهم السَّلَام) بأن يطلبها المسلم في كلا الليلتين، ومن ذلك ما ورد عن الإمام البَاقِر (عليه السَّلَام) عندما سأله أحد أصحابه بقوله: ((سألته عن ليلة القدر قال: هي ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، قلت أليس إنما هي ليلة ؟ قال بلى، قلت: فأخبرني بها فقال: وما عليك أن تفعل خيرًا في ليلتين))([10])، وهذا المعنى نجده أيضًا في جوابٍ آخر للإمام الصَّادِق (عليه السَّلَام) سأله أبو بصير بقوله: ((جُعِلْتُ فِدَاكَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يُرْجَى فِيهَا مَا يُرْجَى؟ فَقَالَ: فِي إِحْدَى وعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وعِشْرِينَ، قَالَ فَإِنْ لَمْ أَقْوَ عَلَى كِلْتَيْهِمَا؟ فَقَالَ: مَا أَيْسَرَ لَيْلَتَيْنِ فِيمَا تَطْلُبُ))([11])، أي ما أيسر أن تقوم لله تعالى عابدًا في ليلتين في قبال الأجر الذي أعدَّه الله تعالى لمن يتقرَّب إليه في ليلة القدر. ويبدو أنّض هناك تعالق بين الليالي الثلاث (التاسعة عشرة والحادية والعشرين والثالثة والعشرين)، بأن أُوكل إلى كلٍّ منها دور في تقدير الأعمال في ليلة القدر، وهذا المعنى أوضحه الإمام الصَّادِق (عليه السَّلَام) بقوله: ((التَّقْدِيرُ فِي لَيْلَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ، والإِبْرَامُ فِي لَيْلَةِ إِحْدَى وعِشْرِينَ، والإِمْضَاءُ فِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وعِشْرِينَ))([12]).

أمَّا خصوص ليلة القدر فهناك قصديَّة في إخفائها؛ وذلك حتَّى يسعى المؤمن إلى التقرُّب إلى الله تعالى بأكثر من ليلةٍ فيزداد تمسُّكه به ويطول اتِّصاله به، وفي كلِّ ذلك الخير للعبد، وقد أوضح هذا المعنى أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) عندما سئل عنها بالتحديد فقال: ((أخلو من أن أكون أعلمها، ولستُ أشكُّ أنَّ الله إنَّما يسترها عنكم نظراً لكم؛ لأنَّكم لو أعلمتموها عملتم فيها وتركتم غيرها، وأرجو أن لا تخطئكم إنّ شاء الله))([13])

أمَّا سبب فضيلتها وشرفها فيمكن أن نقارب ذلك بثلاثة أسباب، وأمَّا العلَّة الكبرى فيبقى علمها عند الله تعالى، والأسباب هي:

أولًا: نزول القرآن الكريم فيها، وهذا الحدث أعطاها من الشرف والفضيلة ما لا يمكن أن نحدَّه بحدودٍ معيَّنة، وقد اقترن اسم هذه الليلة بالقرآن الكريم فكانت ليلته التي نزل فيها، وقد أشرنا فيما سبق إلى الآيات التي دلَّت على ذلك، ويكفيها فخرًا أن يعبِّ القرآن عنها بالليلة المباركة كما في قوله تعالى: ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ)) [الدخان: 3] . وليلة القدر باقية متكررة في كلِّ عامٍ على مدى الأيَّام لا تنقطع، وتلازمها مع القرآن ثابت مستمر، وإلى هذا المفهوم أشار الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: ((لَوْ رُفِعَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَرُفِعَ الْقُرْآنُ))([14]) .

ثانيًا: إنَّها الليلة التي قُدِّرت فيها ولاية أمير المؤمنين، والأئمَّة من ولده (عليهم السَّلَام)، وقد وردت في ذلك روايات منها ما جاء عن أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) بقوله: ((يا عَلِيّ، أتدري ما معنى ليلة القدر؟ فقلت: لا يا رسول الله، فقال: (صلَّى الله عليه وآله): إنَّ الله تبارك وتعالى قدَّر فيها ما هو كائن إلى يوم القيامة، فكان فيما قدَّر (عزَّ وجلَّ) ولايتك وولاية الأئمة من ولدك إلى يوم القيامة))([15])، وهذا المعنى أيضًا يؤكِّده أمير المؤمنين عَلِيّ (عليه السَّلَام) في خطبةٍ له قال فيها: ((وهو شهرٌ فيه ليلةٌ نزلت الملائكةُ فيها من السَّماء، فتُسلِّم على الصَّائمين والصَّائمات بإذن ربّهم إلى مطلع الفجر وهي ليلةُ القدر، قدَّر فيها ولايتي قبل أن خُلِقَ آدم (عليه السلام) بألفَي عام، صيامُ يومِها أفضلُ مِن صيام ألفِ شهر، والعملُ فيها أفضلُ من العملِ في ألف شهر))([16])، وفي رواية أُخرى تذكر صراحةً سبب فضل ليلة القدر هو ولاية أمير المؤمنين (عليه السَّلَام)، وذلك بما روي عن الإمام الصَّادِق (عليه السَّلَام) في جوابه لمن سأل عن سبب فضلها فقال: ((نزلت ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) فيها قلت: في ليلة القدر التي نرجيها في شهر رمضان؟ قال: نعم هي ليلة قدرت فيها السماوات والأرض وقدرت ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) فيها))([17]) .

ثالثًا: ليلة القدر فَاطِمَة (عليه السَّلَام)، وهذا المعنى نجده في رواية للإمام الصَّادِق (عليه السَّلَام) يقول فيها: ((﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ اللَّيْلَةُ فَاطِمَةُ وَالْقَدْرُ اللَّهُ فَمَنْ عَرَفَ فَاطِمَةَ حَقَّ مَعْرِفَتِهَا فَقَدْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ))([18]) .

وهكذا تدور ليلة القدر بين القرآن والولاية وفاطمة (عليه السَّلَام)، فمن عرف هذه الأركان الثلاثة واعتقد بها وقدَّرها منازلها التي تستحقُّها كان ممَّن رضي الله تعالى عنه ووفَّقه لأن يحظى بثواب ليلة القدر التي تعادل العبادة فيها ألف شهر، والله يُضاعف الأجر لمن يشاء. جعلنا الله تعالى وإيَّاكم ممَّن ينال ثواب ليلة القدر ويُوفَّق في الاعتقاد بأركانها الثلاثة.
الهوامش:
([1]) بحار الأنوار، العلامة المجلسي (ت: 1111 هـ): 40/54 .
([2]) ينظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده المرسي (ت: 458 هـ): 6/300 .
([3]) لسان العرب، ابن منظور الإفريقى (ت: 711 هـ): 5/74 .
([4]) الكافي، الشيخ الكليني (ت: 329 هـ): 4/157 – 158 .
([5]) الكافي: 4/158 .
([6]) من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق (ت: 381 هـ): 2/158 .
([7]) مستدرك الوسائل، ميرزا حسين النوري الطبرسي (ت: 1320 هـ): 7/469 .
([8]) مجمع البيان في تفسير القرآن، الشيخ الطبرسي (ت: 548 هـ): 10/407 .
([9]) الكافي: 4/156 .
([10]) تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي (ت: 460 هـ): 3/58 .
([11]) الأمالي، الشيخ الطوسي (ت: 460 هـ): 690 .
([12]) الوافي، الفيض الكاشاني (ت: 1091 هـ): 11/385 .
([13]) بحار الأنوار: 34/346 .
([14]) الكافي: 4/158 .
([15]) معاني الأخبار، الشيخ الصدوق (ت: 381 هـ): 315 .
([16]) فضائل الأشهر الثلاثة، الشيخ الصدوق (ت: 381 هـ): 108 .
([17]) بحار الأنوار: 94/18 .
([18]) تفسير فرات الكوفي، فرات بن إبراهيم الكوفي (ت: 352 هـ): 581 .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1458 Seconds