الإمام الصَّادِق (عليه السَّلَام) كوكب دري أنار الدّنيا بعلمه.

مقالات وبحوث

الإمام الصَّادِق (عليه السَّلَام) كوكب دري أنار الدّنيا بعلمه.

179 مشاهدة

الباحث: علي عباس فاضل

الحمد لله رب  العالمين والصَّلَاة والسَّلَام على خير خلق الله أجمعين أبي القاسم مُحَمَّد وآلهِ الطَّيِّبين الطَّاهرين، وبعد.
لم يختلف بنو العباس عن سابقيهم بني أمية في ظلم آل بيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فالمنهج لديهما واحد في سلب حق أهل البيت (عليهم السَّلَام) واتباع الأساليب الخاصة في مضايقتهم ومن ثم قتلهم بأي صورة كانت، فالمشروع التهديمي للدولتين العباسية وقبلها الأموية واجه جدارا صلبًا من الإسلام المحمدي الأصيل المتمثل بالأئمة الأطهار من آل بيت رسول الله (صلوات الله عليهم)، فقد وقفوا بوجه الظّلم والعدوان وسلب الحقوق، وضحوا بكل شيء من أجل إعلاء كلمة الحق، حتى بذلوا مهجهم دون ذلك، والجود بالنفس اقصى غاية الجود، فضموا إلى لقاء ريهم شهداء بين مضرج بدمه أو مسموم.
وفي هذه الأيام تمر علينا ذكرى أليمة وهي شهادة الإمام الصادق (عليه السَّلَام) ذلك الإمام الذي أرسى علوم الدين في المجتمع الإسلامي حتى فاضت علومه كل أرجاء المعمورة، إذ رافقت أيام ولايته (عليه السَّلَام) انهيار الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية، فقد عاصر من حكام الأُمويين خمسة: هشام بن عبد الملك، الوليد بن يزيد بن عبد الملك، يزيد بن الوليد بن عبد الملك، إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، مروان بن محمّد المعروف بالحمار.

ومن العبّاسيين اثنان: أبو العباس عبد الله المعروف بالسفّاح؛ لفرط جوره وظلمه، وكثرة ما سفح من دم وقتل من الناس كثير، وأبو جعفر المنصور، المعروف بالدوانيقي([1]). وقد فسح هذا الانتقال المجال للإمام (عليه السلام) لبث علومه بين الناس التي لا زالت تنير طريق الحق ومن اتبع الهدى.
بعد أن أحكم بنو العباس سيطرتهم على الحكم وتشبثوا به، بدأوا بتصفية كل من يشكل خطرا عليها، وهم آل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) لأنهم يعلمون أن الأئمة (عليه السلام) هم أحق بالولاية، لذا بدأوا بالتضييق عليهم وعلى أتباعهم وقتل كثر منهم، فكان الإمام الصادق (عليه السلام) ممن ناله ذلك التضييق ومن ثم القتل، على يد أبي جعفر الدوانيقي، الذي لم ينفك أبدا عن تهديده بقتل الإمام حتى فعل ذلك.
(روى ابن بابويه وابن شهرآشوب وغيرهما أنه: أرسل أبو جعفر الدوانيقي إلى الإمام جعفر بن محمد عليهما السلام ليقتله وطُرح له سيفاً ونطعاً وقال: يا ربيع إذا أنا كلمته ثم ضربت بإحدى يدي على الأخرى فاضرب عنقه، فلّما دخل جعفر بن محمد عليهما السلام ونظر إليه من بعيد تحرّك الدوانيقي على فراشه، وقال: مرحباً وأهلاً بك يا أبا عبد الله ما أرسلنا اليك الاّ رجاء أن نقضي ذمامك.
ثم سأله مسألة لطيفة عن أهل بيته، وقال: قد قضى الله حاجتك ودينك وأخرج جائزتك، يا ربيع لا تمضين ثلاثة حتى يرجع جعفر إلى أهله، فلما خرج قال له الربيع: يا أبا عبد الله رأيت السيف؟ انما كان وضُع لك والنطع، فأي شيء رأيتك تحرّك به شفتيك؟ قال جعفر بن محمد عليه السلام: نعم يا ربيع، لما رأيت الشرّ في وجهه قلت: «حسبي الله الربّ من المربوبين، حسبي من هو حسبي، حسبي من لم يزل حسبي، حسبي الله لا اله الا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم)([2]).

وعلى رواية أخرى: انّ الربيع قال للمنصور: ... لقد كنت من أشدّ الناس عليه غيظاً فما الذي أرضاك عنه؟ قال يا ربيع لما حضرت الباب رأيت تنّيناً عظيماً يقرض بأنيابه وهو يقول بألسنة الآدميين: إن أنت أشكت ابن رسول الله لأفصلن لحمك من عظمك، فأفزعني ذلك وفعلت ذلك وفعلت به ما رأيت)([3]).
وحاول الدوانيقي كسب ود الإمام (عليه السلام) والتقرب إليه ليحقق بذلك مكاسب دنيوية وليظهر أمام الناس بمظهر المحب، لكن الإمام (عليه السلام) كان على معرفة بنواياه، وقد ذكر ابن حمدون (كتب المنصور إلى جعفر بن محمد عليهما السلام: لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس؟ فأجابه: ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنئك، ولا تراها نقمة فنعزيك بها، فما نصنع عندك!؟ قال : فكتب إليه: تصحبنا لتنصحنا فأجابه: من أراد الدنيا لا ينصحك ومن أراد الآخرة لا يصحبك، فقال المنصور: والله لقد ميز عندي منازل الناس، من يريد الدنيا ممن يريد الآخرة، وإنه ممن يريد الآخرة لا الدنيا)([4]).
كان الإمام الصادق (عليه السلام) شجي يعترض في حلق الطاغية الدوانيقي، فقد ضاق ذرعاً منه، ويزداد غيظا على الإمام الصادق (عليه السلام) لكنه (يخشى مركزه وموقفه، إلى درجة أصبح المنصور معها حائرا عاجزا عن تحديد موقف من الإمام الصادق (عليه السلام) حتى قال فيه. هذا الشجن المعترض في حلوق الخلفاء الذي لا يجوز نفيه، ولا يحل قتله، ولولا ما تجمعني وإياه من شجرة طاب أصلها، وبسق فرعها، وعذب ثمرها، وبوركت في الذرية، و قدست في الزبر، لكان منى ما لا يحمد في العواقب، لما بلغني من شدة عيبه لنا، وسوء القول فينا)([5]).

وبدأ الدوانيقي بحملته في التضييق على الإمام، وأحاط داره بالعيون وهم يسجّلون كل بادرة تصدر من الإمام، ويرفعونها له، وقد حكى الإمام (عليه السلام) ما كان يعانيه من الضيق، حتى قال: (عزّت السلامة، حتى لقد خفي مطلبها، فإن تكن في شيء فيوشك أن تكون في الخمول، فإن طلبت في الخمول فلم توجد فيوشك أن تكون في الصمت، والسعيد من وجد في نفسه خلوة يشتغل بها)([6]).
وبعد كل هذا، كاد عدو الله الدوانيقي كيده، وأطاع الدنيا الفانية، وباع حظه بالأرذل الأدنى، وشرى آخرته بالثمن بالأوكس، وتغطرس وتردى في هواه، فدسّ الى إمامنا الصادق (عليه السلام) سمّاً فاتكاً على يد عامله فسقاه به، ولمّا تناوله الإمام (عليه السلام) تقطّعت أمعاؤه وأخذ يعاني الآلام القاسية، وأيقن بأن النهاية الأخيرة من حياته قد دنت منه. ولمّا شعر الإمام (عليه السلام) بدنوّ الأجل المحتوم منه أوصى بعدّة وصايا ومنها قوله لبعض الأقارب والجيران: (إن شفاعتنا لا تنال مستخفا بالصلاة)([7])، وهي من وصايا الأنبياء (عليهم السلام)، ثم مضى شهيدا مسموما كآبائه (عليهم السلام)، في الخامس والعشرين من شهر شوال من سنة ثمان وأربعين ومائة للهجرة، ودفن في بقيع الغرقد وقبره شاخص فيها نالته يد الغد الوهابية التي هدمت قبابه الطاهرة بحقد أجدادهم بني أمية وبني العباس.
وختاما: نسأل الله العلي القدير أن يرزقنا شفاعة محمد وآل محمد، وأن يجعلنا معهم في الدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب.

الهوامش:
([1]) ينظر: الأخبار الطوال: 370- 385، تاريخ الطبري: 7/ 412- 422.
([2]) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 273.
([3]) بحار الأنوار: 47/ 178.
([4]) بحار الأنوار: 47/ 184- 185.
([5]) رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ: 194.
([6]) التحصين، ابن فهد الحلي: 14، بحار الأنوار: 75/ 202-203.
([7]) الأمالي، الشيخ الصدوق: 572.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1129 Seconds