ثقافة الدّعاء الكنز الدّنيوي العظيم

مقالات وبحوث

ثقافة الدّعاء الكنز الدّنيوي العظيم

151 مشاهدة

الأستاذ الدكتور: سيّد هاشم حسين ناصر المحنَّك.

الحمدُ لله ربّ العالمين، وصلَّى الله تعالى على سيِّدنا مُحَمَّدٍ وآله الطَّيِّبين الطَّاهِرِين...
أما بعد...
ينتقل أمير المؤمنين الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) الإنسان إلى أجواء نفسية متمثلة في متعة المناجاة، والآفاق الواسعة لنعمة الدعاء ودروسه البليغة العظيمة في تنمية ثقافة المعلومة والثقافة الفكرية، وتنمية البناء الروحي، بما يحمله الدعاء من الوقاية والعلاج لذات الإنسان، وأدبيات الدعاء بحد ذاتها مما تشمل على أسلوب ومنهج ورسالة، ونصوص ثقافية تتضمن توصيف ووصف ما يحيط بالإنسان، وما يحمله الدعاء من جمالية وأدب مخاطبة المخلوق للخالق، ومنه ما يظهر فاعليته ضمن قوله: (واعْلَم أَنَّ الَّذِيِ بِيَدِهِ خَزَائِن السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ قَدْ أَذنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ)[1].
ومما يشمل الدعاء على؛ الاستغاثة بالخالق (عزَّ وجلّ) من ملمَّات الدّهر، وتوجهات عبادية، فضلاً عن أن الدعاء لله على ثلاثة أوجه:
 فضـرب منها توحيده والثناء عليه، والثاني مسألة الله العفو الرحمة وما يقرب منه، والضرب الثالث مسألة الحظ من الدنيا، وأن دعاء أهل الجنة تنزيه الله وتعظيمه (عزّ وجلّ)، روي عن النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، أنه قال: ((الدّعاء هو العبادة، ثم قرأ: وقال ربكم اد عوني أستجب لكم...))[2].
ومن مكونات الدّعاء؛ الرّؤيا والرَّسائل وتهذيبهما وتهذيب الأهداف والغايات، وما بعدهم جميعاً، وقنوات الاتصالات الروحية، ومنفذ طمأنينة النفس وترويضها ودعمها بالعلم والمعرفة والصبر والعلم والمثابرة..
والدعاء هو: رسالة المخلوق في مناجاة الخالق تعالى، وبشرطه وشروطه تفتح أبواب الرحمة الإلهية، فهو مفتاح أبواب رحمته سبحانه وتعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)[3].
ودرس آخر من الدروس البليغة البالغة الأهمية؛ (وتكفل لك بالإجابة)، رحمة الإجابة المرهونة بوحدة التوجه، ويقظة الحواس والجوارح؛ (وأمرك أن تسأله ليعطيك، وتسترحمه ليرحمك)، وتواصل عظيم رحمته عز وجل؛ (ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه)، المبني على أساس معرفته جل جلاله، وسبل الارتقاء ونقاوة الروح والبدن والنفس والملبس والمقصد، كل ذلك وغيره المبني على الكسب الحلال الطيب ومجرياته، وما يحققه من بناء الشخصية والطمأنينة المنتجة..
ومبدأ آخر، وأصل من الأصول الداعية؛ (ولم يلجئك الى من يشفع لك إليه)، وهي علاقة بلا حواجز بين الخالق و المخلوق، المبني على أسس الإقدام وعودة الإنسان للأخلاقيات الداخلة بتشريعاتها في عروق الحياة وسلامتها، والتوبة مستمرة طالما الدنيا قائمة وقلمها يمضي..
وتواصل عظيم رحمته سبحانه وتعالى؛ (ولم يمنعك إن أسأت من التوبة)، وما تحمله من عظيم الدروس، ومنها دروس العطاء في استراتيجية الفلسفة وفلسفة الاستراتيجية غير المتناهية، التي لا يحدها حدود، المستمدة من واسع رحمة الله تعالى..
هذه المساحة الواسعة الخصبة الأرض للحد من الإساءة وعدم اليأس من أجل أن لا يكون الإنسان مشروعا ومرتعا للرذيلة والجرائم، ولكي يتجه بالعودة للعقل وسلامة المعلومة والفكر والنفس والسلوك وعمل الخير، ومنه وضع العلاجات العميقة والمصالحة مع النّفس المطمئنَّة وملازمتها، وحماية الذَّات والنَّاس والبيئة من مخاطر اليأس وتواصل التَّدمير.
والدليل على ذلك؛ (ولَمْ يُعَاجِلْكَ بِالنِّقْمَةِ، ولَمْ يُعَيِّرْكَ بِالإِنَابَةِ ولَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ الْفَضِيحَةُ بِكَ أَوْلَى)[4]..
ومن مضامين النص المبارك، يتبين رعاية الخالق وحرصه على المخلوقات لتنظيم الحياة وإعادة ترتيبها، وهو ما يحقق التغيير وإعادة هندسة الفكر والنفس والسلوك، ومنه الإسهام وشغل الموقع والدور البناء داخل منظومة الحياة.
(ولم يشدد عليك من قبول الانابة)، والإنابة؛ الرجوع الى الله سبحانه، وهو ما يحقق التعزيز النفسي وعدم اليأس من رحمة الله تعالى، ولم يتم قطع الطريق للعودة ضمن منظومة الخير والعطاء والحياة الطيبة..
(ولم يناقشك بالجريمة)، لكون الحياة الدّنيا، دار عمل ولا حساب فيها، والآخرة هي دار حساب وجزاء..
وبذات الوقت بناء استراتيجية القوة المثمرة -  الفرص الواقية والمعالجة من الضعف و اليأس – التحديات والمخاطر والتهديدات، وتنقية البيئة الداخلية والبيئة الخارجية والفضائية واستدامتها بمنافع الإنسان وخصوبة استثماراته..
وبذات الوقت الدليل؛ (ولم يؤيسك من الرَّحمة)[5]، وهو منهج في سبل معالجة النفس من ترسبات الماضي وعقده النفسية، ومنه تنمية ارتقاء الإنسان نحو تنقية دواخله، وبناء الروح الإنسانية وتنميتها لديه..
والحد من مخاطر ما يواجه الإنسان من اليأس الذي يدخل بتفاصيله ضمن الجوانب الفكرية والنفسية، والحد مما ينعكس بإفرازاتها من التمادي في التوجهات السلوكية المختلفة، ونوازع الأعمال الفردية والجمعية، وما يؤثر فيه على أمن المجتمع وأمن الدولة..
والحمد لله رب العالمين...
الهوامش:
([1]) نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح: 398.
([2]) ابن منظور/ لسان العرب/ ضمن كلمة (دعا).
([3]) سورة البقرة، الآية: 186
([4]) نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح: 399.
([5]) نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح: 399.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1076 Seconds