قراءة في شرح نهج البلاغة لكمال الدِّين البحراني

مقالات وبحوث

قراءة في شرح نهج البلاغة لكمال الدِّين البحراني

185 مشاهدة

عمَّار حسن الخزاعي:

الحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا كما يستحقُّه وكما هو أهله، والصلاة والسلام على خير خلقه محمَّد وآله الطاهرين...
أمَّا بعد؛ فكتاب نهج البلاغة يُعدُّ من مفاخر الإسلام بما حواه من فكرٍ لامع وأدبٍ رفيع وبلاغةٍ متعاليةٍ ونظم متقن، وكيف لا يكون كذلك وهو من نسج باب مدينة العلم، ومفتاح علم وحي الرِّسالة، ومن هنا فقد دأبت الأقلام على تتبُّع هذا الأثر الخالد، وانقطع على دراسته العلماء قاضين من أعمارهم أشطرًا واسعة، يبحثون فيها عن كنوز هذا الكتاب الجليلة، ومع جلالة قدر من بحث في هذا الكتاب علمًا وفهمًا ودرايةً إلَّا أنَّهم لم ينتهوا فيه إلى القاع، ولم يأتوا على آخر ما فيه من العلم؛ بل إنَّهم اغترفوا من معينه ما استطاعوا وما زال بحره زاخرًا ينضخ بالعلم والمعرفة والعقيدة والأخلاق . وقد قال فيه العلماء أقوالًا كثيرةٍ وممَّا قيل فيه ما قاله الدكتور زكي مبارك: ((إنِّي لأعتقد أنَّ النظر في كتاب نهج البلاغة يورث الرجولة والشهامة وعظمة النفس؛ لأنَّه من روح قهار واجه المصاعب بعزائم الأسود))([1])، ومنهم أيضًا الأستاذ عباس محمود العقاد الذي قال فيه: ((في كتاب نهج البلاغة فيض من آيات التوحيد والحكمة الإلهيَّة، تتسع به دراسة كلِّ مشتغل بالعقائد وأصول التأليه وحكم التوحيد))([2]) .
وهناك من العلماء من عكف على شرح هذا الكتاب الجليل فشرح النهج وتتبَّع معارفه، ومن أولئك العالم الجليل كمال الدِّين البحراني الذي قدَّم شرحًا مهمًّا لنهج البلاغة، وشرحه ممَّن تصدَّر قائمة الشروح لهذا الكتاب بما يحمل من وعي أرساه مؤلِّفه في كيفيَّة التعامل مع النصِّ الشريف . وسنعمل في هذه العجالة على التعريف بشرح كمال الدِّين البحراني بشكلٍ موجز وبحسب التسلسل الآتي:

أولًا/ المؤلِّف: كمال الدين ميثم البحراني
هو كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم بن المعلي البحراني العالم المحقق والفيلسوف المتبحر([3])، لم تنص التراجم على تاريخ ولادته إلَّا أنَّ أقرب الاحتمالات لذلك أنَّه وِلد قبل عام خمس وثلاثين وستمائة لوفاة أحد مشايخه في تلك المدّة([4])، وقد بلغ هذا العالم من الفضل والشرف الغاية حتَّى قيل فيه: الشيخ الأعظم، والمولى المعظم، العلامة الفيلسوف، والمحقق، والحكيم المدقق، قدوة المتكلمين، وزبدة الفقهاء والمحدثين، العالم الرباني، غواص بحر المعارف، ومقتنص شوارد الحقائق واللطائف، ضمَّ إلى الإحاطة بالعلوم الشرعية واحراز قصبات السبق في العلوم الحكمية والفنون العقلية، ذوقًا جيدًا في العلوم الحقيقية والأسرار العرفانية، وكان ذا كرامات باهرة، ومآثر زاهرة، ويكفيك دليلًا على جلالة شأنه وسطوع برهانه، اتفاق كلمة أئمة الاعصار وأساطين الفضلاء في جميع الأمصار على تسميته بالعالم الرباني([5])، وقد تتلمذ هذا العالم الكبير على ثلة من أكابر العلماء، ومنهم: أ بو القاسم جعفر بن الحسن الهذلي الحلي المعروف بالمحقق صاحب كتاب شرائع الاسلام، ومن مشايخه أيضًا أبو السعادات أسعد بن عبد القاهر الأصفهاني، وكمال الدين علي بن سليمان البحراني صاحب كتاب (الإشارات)، وغيرهم([6]) . أمَّا وفاته (رضوان الله عليه) فقد كانت في عام (679 هـ)، ودفن في مقبرة جدِّه المعلي في قرية (هلتا)([7]) .

ثانيًا/ منهج المؤلِّف في الشرح:
اعتمد الشارح في كتابه على منهجيَّةٍ سار عليها في مجمل كتابه . ويمكن أن نُلخِّص أهمِّ مفاصل منهجه بالنقاط الآتية:

1.     تصدير الشرح بمقدِّمة بلاغيَّة:
عرض الشارح في مقدِّمته البلاغية ببيان مفهوم البلاغة والفصاحة ثمَّ تعريفهما بتعريفاتٍ متنوِّعة، بعد ذلك انتقل إلى الحديث عن طبيعة الكلام ومراتبه في البلاغة، وذهب إلى أنَّ الكلام الأعلى بلاغة هو الذي يكون شديد التناسب والاعتدال في النظم؛ ممَّا يجعله مفيدًا لمعناه بصورة كاملة، والكلام الذي على غير هذه الصفة يكون مستواه أدنى، ثمَّ تكون التراتبيَّة بحسب شدَّة التناسب والتناسق والإفادة للمعنى، وعلى أساس ذلك تكون درجات الكلام([8])، وهذا المعنى نجده بقول: ((ثمّ للتركيب المفيد مراتب كثيرة، ولها طرفان ووسط، فالطرف الأعلى، هو أن يقع ذلك التركيب على وجه يمتنع أن يوجد ما هو أشدّ تناسبًا واعتدالًا منه في إفادة ذلك المعنى، والطرف الأدنى هو أن يقع على وجه لو صار أقلّ تناسبًا منه لخرج عن كونه مفيدًا لذلك المعنى، وبين هذين الطرفين مراتب واختيار أحسنها يقتضي الفصاحة في النظم))([9]) .

2.   الاستشهاد بأقوال علماء البلاغة:
تطرَّق الشارح إلى مصطلحي علم المعاني وعلم البيان ولم يُفصِّل القول فيهما نظرًا لكون بحثه غير مختص بعلوم البلاغة ومباحثها، وكانت غايته من ذلك الإشارة إلى هذين العلمين من دون تفصيل؛ ولذلك لجأ إلى الاستشهاد بقول الرازي فيهما، الذي ذكرهما بصورةٍ مجملةٍ عندما تحدَّث عن وصف الخبر: (( الخبر هو الذي يتصور بالصور الكثيرة وتظهر فيه الدقائق العجيبة والاسرار الغريبة من علم المعاني والبيان))([10])، وعندما تحدَّث عن النظم استشهد بقول عبد القاهر الجرجاني في قوله: ((وهذا معنى قول عبد القاهر الجرجاني - رحمه اللَّه - النظم عبارة عن توخّي معاني النحو فيما بين الكلم))([11]) .

3.   عدم التفصيل في المباحث البلاغية:
لم يكن الشارح مهتمًّا بعرض المباحث البلاغيَّة بتفصيلاتها المعروفة وأقسامها المعهودة بقدر ما كان متتبِّعًا ومدقِّقًا في صياغة التعريفات وإحكامها، وهذا الأمر لم يكن عيبًا لدى الشارح؛ لأنَّه وكما سبق بيانه لم يكن من وكده متابعة علوم البلاغة ومباحثها بقدر ما كان مهتمًّا بمتابعة كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) وقصدياتها، وهذا كان همَّه الأكبر وهدفه الأسمى من الشرح .

4.   التأثُّر بالمنطق والفلسفة:
سبق أن بيَّنا في ترجمة المؤلِّف أنَّه كان فيلسوفًا مشهورًا، وهذا الأمر جعله يبثُّ نواحي فلسفته المعتمدة على الأمور العقليَّة والمباحث المنطقيَّة في ثنايا شرحه وتقسيماته، وهذا الأمر نجده في تقسيم الأشياء بحسب وجودها وذلك بقوله: ((فاعلم أنّ للأشياء في الوجود أربع مراتب الأوّل وجودها وتحقّقها في الأعيان ، الثاني وجودها في الذهن ، الثالث وجودها في اللفظ الدالّ على ما في الذهن ، الرابع وجودها في الكتابة الدالَّة على ما في اللفظة))([12]) .

5.   اهتمام الشارح ببيان أهميَّة المنتج وعمله الإبداعي:
من يتصفَّح المقدِّمة البلاغيَّة التي صدَّرها المؤلِّف لشرحه يجده قد أفاض في بيان الكلام البليغ وأهمِّ الأدوات التي تجعله بليغًا، ودرجات البلاغة([13])، ثمَّ انتقل إلى بيان خصائص المنتج وهو أمير المؤمنين (عليه السلام) المعرفيَّة والنفسيَّة والعقليَّة التي جعلته بهذه الرِّفعة من الصياغة البلاغيَّة وعلوِّ المنزلة في الفصاحة البيانيَّة([14])، ثمَّ لا يترك الحديث عن الأجناس الأدبيَّة فتكلَّم عمَّا هو بصدده، وهو الخطابة فبيَّن حقيقتها وأقسامها وخصائصها ومحسّناتها([15]) .

6.   العناية بالاستشهاد بالآيات القرآنيَّة والأحاديث الشريفة وتفسيرهما:
أكثر الشارح من الاستشهاد بالآيات القرآنية في شرحه لأساليب البلاغة وبيانه لفنون الفصاحة، ثمَّ أثر البلاغة القرآنية في أمير المؤمنين (عليه السلام)، وخصوصًا في المواضع التي كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يستشهد بها في القرآن الكريم . وكذلك اعتنى بالاستشهاد بالأحاديث النبويَّة وبأحاديث الأئمَّة المعصومين، وكان يوردها أمَّا للبيان وأمَّا للحجَّة والدّليل وغير ذلك .

7.   الدِّفاع عن النهج الشريف:
وطَّد الشارح قلمه في الدِّفاع عن النهج مثبتًا صحَّة نسبة ما فيه من خطب بمجملها لأمير البيان والفصاحة أمير المؤمنين (عليه السلام) في كثيرٍ من مفاصل شرحه، وكان يتتبَّع الشبهات التي أُثيرت بالتشكيك فيه فيقف عندها ويردُّ عليها([16]).

8.   الآليَّة المعتمدة في الشرح:
بعد أن يعرض الشارح كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) يبدأ ببيان المعنى العام منه، ثمَّ يتطرَّق إلى الأساليب البلاغيَّة والفنون البديعيَّة فيبين ما ورد منها، ثمَّ بعد ذلك يتطرَّق إلى بيان الحادثة التي ورد الكلام فيها، وكثيرًا ما كان يُتابع كلام من سبقه من الشُّراح وخصوصًا ابن أبي الحديد المعتزلي فيردُّ عليه في كثيرٍ من الأحيان، وأحيانًا ينتصر للرَّاوندي فيرد على ابن أبي الحديد نقده الموجَّه ضدِّ الرَّاوندي بأسلوبٍ علميٍّ متقن .
وختامًا يبقى لهذا الشرح قيمته المعرفيَّة المتصدِّرة التي لا يمكن أن نُحيط بها في هذه العجالة التي ابتغينا من ورائها مجرَّد التعريف الموجز بهذا السفر المعرفيِّ الفذ . وخير ما نختم به هذا المقام هو الدُّعاء للشارح بالمغفرة والرِّضوان، وأن يجعل الله تعالى عمله خالصًا لوجهه تعالى، وأن يُجزيه خير ما يجزي عباده الصَّالحين، وأن يجعلنا وإيَّاكم سيدي القارئ الكريم ممَّن يحذون هذا الطريق فيكشفون عن مكنون أسرار كلام أهل البيت (عليهم السلام)، وبذلك يكونون من الدَّاعين إليهم والسائرين على نهجهم . 
الهوامش:
[1] عبقرية الشريف الرضي 1 / 218
[2] عبقرية الإمام علي/ 127
([3]) ينظر: مصادر نهج البلاغة: 1/271-272 ، وروائع البيان في خطب الامام :98 .
([4]) ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني (ت: 679 هـ)، مقدِّمة مؤسسة النصر لشرح نهج البلاغة للبحراني: ز
([5]) ينظر: طرائف المقال، السيد علي البروجردي (ت: 1313 هـ): 2/449 – 450 .
([6]) ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني، مقدِّمة مؤسسة النصر لشرح نهج البلاغة للبحراني: ي .
([7]) ينظر: الذخيرة التراثية: حسن عريبي الخالدي:1/395.
([8]) شرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني (ت: 679 هـ): 1/20.
([9]) ينظر: المصدر نفسه .
([10]) ينظر: المصدر نفسه: 1/27.
([11]) ينظر: المصدر نفسه: 1/21 .
([12]) شرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني (ت: 679 هـ): 1/21 .
([13]) المصدر نفسه: 1/4 – 60 .
([14]) ينظر المصدر نفسه:1/75 – 89 .
([15]) ينظر المصدر نفسه: 1/60 – 75 .
([16]) ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني (ت: 679 هـ):1/83 –85 .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1087 Seconds