ِقراءة في شرح منهاج البراعة للرَّاوندي

مقالات وبحوث

ِقراءة في شرح منهاج البراعة للرَّاوندي

161 مشاهدة

عمَّار حسن الخزاعي

الحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا كما يستحقُّه وكما هو أهله، والصلاة والسلام على خير خلقه محمَّد وآله الطاهرين..
نهج البلاغة، اسم وضعه الشريف الرضي (ت: 406هـ) على الكتاب الذي جمع فيه المختار من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في جميع فنونه، ومتشعبات غصونه، وجعله يدور على ثلاثة أقطاب: الخطب والمواعظ، والعهود والرسائل، والحكم والآداب، وفيها تصوير لحياة الإمام (عليه السلام) سواء أكان ذلك قبل الخلافة أم بعدها([1])، وقد وِفِّق الشريف الرَّضي في اختياره لهذا الاسم أيَّما توفيقٍ؛ بحيث لا نحتمل أنَّ هناك اسمًا أكثر انسجامًا مع محتوى هذا الكتاب الشريف، وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد عبدة: ((لا أعلم اسما أليق بالدَّلالة على معناه منه، وليس في وسعي أن أصف هذا الكتاب، بأزيد ممَّا دلَّ عليه اسمه، ولا أن آتي بشيء في بيان مزيته فوق ما أتى به صاحب الامتياز))([2]) . وهذا الأمر ممَّا وفَّق الله تعالى به الشريف الرضي، الذي أقدم على مشروعٍ سيظلُّ خالدًا أبد الدَّهر، لا تمحيه السُّنون ولا تمحقه تتابع الأعقاب والدُّهور، شغل العلماء على اختلاف مناهلهم الفكريَّة، وحار الأدباء في سمو بلاغته، وتاه الشعراء في ميادين فصاحته، ومن هنا لزمه جمع من العلماء على اختلاف العصور بالشرح والمتابعة والبيان حتَّى انتهوا إلى جملةٍ من الشروحات، ومن تلك الشروحات ما يُسمَّى بمنهاج البراعة في شرح نهج البلاغة للعالم الجليل قطب الدِّين الرَّاوندي (عليه الرحمة والرِّضوان)، وسنعمل في هذه المقالة على التعريف بشكل موجز بهذا الشرح وصاحبه عبر مجموعةٍ من الفقرات نرتِّبها على الشكل الآتي:

أوَّلًا/ التعريف بالمؤلِّف:
هو الشيخ الإمام قطب الدين أبو الحسين سعيد بن هبة الله الراوندي ، يُعرف اختصاراً بسعيد بن هبة الله الراوندي نسبة إلى جده ([3])، وكنيته أبو الحسين([4])، وأمَّا نسبته (الرَاوَنْديّ) فهي ترجع إلى راوند، وهي من قُرى قاشان إحدى نواحي أصبهان، وأصلها راهاوند ومعناها الخير المضاعف([5]) . وقد انحدر هذا العالم الجليل من بيتٍ معروفٍ بالعلم والفضل والشرف والوَقار، وعائلته سلسلةٌ من العلماء والفقهاء، فجدّه وأبوه وإخوته من العلماء الأجلَّاء([6]) .
ولو تصفَّحنا أقوال من ذكر الرَّاوندي من العلماء فسنجدهم يُثنون عليه بأرقى الكلمات، وممَّا قيل فيه: ((فقيه، عين، صالح، ثقة))([7])، ووصف بأنَّه: ((العالم المتبحر المفسر والفقيه المحدّث صاحب المؤلفات الرشيقة))([8])، وقيل عنه أيضًا: ((عالم، أديب، مشارك في أنواع من العلوم))([9]) . وكيف لا يكون الرَّاوندي كذلك وقد تتلمذ على فحول علماء عصره([10])، ومنهم: أبو نصر الحسن بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن علي اليونارتي الأصبهاني (ت: 527 هـ)([11])، والسيد عماد الدين أبو الصمصام ذو الفقار بن محمد بن معبد الحسني المروزي (ت: 536 هـ)([12])، وفخر الزمان مسعود بن علي بن أحمد البيهقي (ت: 544 هـ)([13])، والشيخ أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي صاحب مجمع البيان في تفسير القرآن (ت: 548 هـ)([14]) . ثمَّ إنَّ الرَّاوندي نقل علوم أساتذته إلى تلامذته الذين نهلوا على يديه، ومنهم: الخليل بن حمزة الحلبي (ت: 590 هـ)([15])، والشيخ نصير الدين أو ناصر الدين أبو ابراهيم راشد بن ابراهيم بن اسحاق بن إبراهيم بن محمد البحراني (ت: 605هـ)([16]) .
أمَّا آثاره العلميَّة فقد ترك الرَّاوندي تراثًا علميًّا متنوِّعًا ما بين التفسير والفقه والشعر والفلسفة وغيرها من صنوف العلوم الأخرى، ومن آثاره التي وصلت إلينا: الإغراب في الإعراب، تفسير القرآن الكريم، الدعوات وهو المسمى (سلوة الحزين)، شرح الكلمات المائة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فقه القرآن، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة . وقد توفِّي هذا العالم الجليل في سنة 573هـ([17])، ودُفن بقم في إيران بجوار الحضرة الفاطمية (عليها السلام)([18]) .

ثانيًا/ التعريف بشرح منهاج البراعة للرَّاوندي:
يُعدُّ شرح منهاج البراعة من أقدم شروح نهج البلاغة، وهو أقدم شرح عند ابن أبي الحديد (ت: 656 هـ)، وقد نصَّ على ذلك بقوله: ((ولم يشرح هذا الكتاب قبلي فيما أعلمه إلَّا واحد، وهو سعيد بن هبة الله بن الحسن، الفقيه المعروف بالقطب الراوندي))([19])، إلَّا أنَّ الحقيقة أنَّ هذا الشرح هو ثاني الشروح، وقد سبقه شرح معارج نهج البلاغة لأبي الحسن البيهقي (ت: 566 هـ)([20]) . وقد كرَّر فيما بعد عنوان شرح الرَّاوندي حبيب الله الخوئي بشرحٍ جديدٍ أسماه منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة مكرِّرًا تجربة الرَّاوندي على مستوى العنوان، وأمَّا من ناحية الشرح فكانت له طريقته وأسلوبه .

أمَّا منهج الرَّاوندي في شرحه فيمكن أن نُجمل بعض مرتكزاته في النقاط الآتيه:
1. اعتمد الرَّاوندي في شرحه على طريقةٍ تكاد أن تكون مسيطرة على عموم الشرح، وهي أن يذكر الخطبة كاملةً، ثمَّ يعمد إلى شرحها تحت عنوان (بيانه)، فيشرع في بيان المفردات والجمل كاشفًا أصل المعنى بطريقةٍ تميل إلى اليسر والسهولة, وفي بعض الأحيان يركِّز على مواضع معيَّنة من النصِّ الشريف، ثمَّ يترك الباقي؛ لكونه واضح البيان في نظره، ويشير إلى ذلك بعبارة (وما سواه ظاهر) .
2. كان يعتمد ذكر سلسلة السَّند لبعض الخطب، فيذكر سلسة سندها ورواتها .
3. اهتمَّ الرَّاوندي بالتَّصحيح، فكان يُحدِّد الخطأ ويشير إلى الضبط اللغوي السليم، ومسار التصحيح كان يجري على عدَّة نوافذ، منها ما كان مختصًّا بالروايات التي ذكرت كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في حال الاختلاف فيها، وفي هذا الصَّدد كان الشارح يجري مفاضلةً بين الرِّوايات ثمَّ يوجِّه ما يختاره ويستحسنه، ومن ذلك ما جاء في توجيهه لقوله (عليه السلام): ((وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى))، فقال في توجيه هذا النَّص: ((وقوله (بُطُونٌ غَرْثَى) على الإضافة في هذه الراوية أحسن))([21]) . ومن جهةٍ أُخرى اهتمَّ بتصحيح متن النهج واختيار الصورة السليمة لغويًّا في النطق([22])، وفي بعض الأحيان كان يعتمد في التصحيح على نُسخة الرَّضي ممَّا يعني أنَّ نسخته كانت متوفِّرة في عصره، ومن ذلك قوله: ((وقوله: (غير مستكرهين) بفتح الراء وكسرها . وبخط الرضي - رضي الله عنه – بالكسر))([23]).
4. أمَّا من ناحية اللغة فقد اهتمَّ كثيرًا بالإعراب، فيعرب متن النَّهج ويوضِّح المحذوف بعد أن يُبيِّن مرجعيَّته([24])، وعني أيضًا بضبط المستوى الصَّرفي للألفاظ فكان يبيِّن الوزن الصَّرفي لبعض الكلمات([25])، ولم يخلُ الشرح من الإشارة إلى المعرَّب والدَّخيل([26]) .
5. اهتمَّ الشارح ببيان الآيات القرآنيَّة التي استشهد بها أمير المؤمنين (عليه السلام) في شرحه، وكذلك تطرَّق في بعض الأحيان للقراءات القرآنية ببيان أهميَّتها ومدلولها([27])، وكذلك نبَّه إلى الاقتباسات القرآنيَّة التي اقتبس منها أمير المؤمنين (عليه السلام) المعاني والأفكار الدِّلاليَّة([28]) .
 هذه أهمُّ النقاط التي يمكن أن نؤشِّرها على المنهج الذي اتَّبعه الرَّاوندي في شرحه للنهج الشريف في هذا المقام، وفي الختام يبقى هذا الشرح له من الأهميَّة العلميَّة والمعرفيَّة ما يجعله ضمن الشروح المتصدِّرة للنهج الشريف بما ضمَّنه مؤلِّفه من بعدٍ معرفيٍّ ودراسةٍ محكمة . أسأل الله تعالى أن يتقبَّل عمل الشارح بأحسن قبول وأن يجعله في ميزان أعماله مضاعفًا، وأن يمنَّ علينا بنعمة الخدمة لهذا الكتاب الشريف إنَّه سميع مجيب .

الهوامش:
([1]) ينظر: مصادر نهج البلاغة وأسانيده: 1/ 95 .
([2]) نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده: 1/ 11.
([3]) ينظر: أعيان الشيعة : 7 / 239 .
([4]) ينظر: معالم العلماء: 90 ، ولسان الميزان : 3 / 48 .
([5]) ينظر: معجم البلدان : 3 / 19 .
([6]) ينظر: الكنى والألقاب : 3 / 72 .
([7]) فهرست منتجب الدين : 68 .
([8]) معالم العلماء : 15 .
([9]) معجم المؤلفين : 4 / 225 .
([10]) ينظر: أعيان الشيعة: 7 / 240 .
([11]) ينظر: سير أعلام النبلاء: 19 / 621 ، والوافي بالوفيات : 12 / 135 .
([12]) ينظر: جامع الرواة : 1 / 314 .
([13]) ينظر: الذريعة : 5 / 212 .
([14]) ينظر: معالم العلماء : 14 ـ 15 .
([15]) ينظر: بغية الطلب : 7 / 3377 .
([16]) ينظر: أمل الآمل : 2 / 117 .
([17]) ينظر: معالم العلماء: 16 .
([18]) ينظر: الكنى والألقاب : 3 / 72 ، والغدير : 5 / 384 .
([19]) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد : 1 / 5 .
([20]) ينظر: كتاب معارج نهج البلاغة: 34 .
([21]) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة : 3 / 151 .
([22]) ينظر: المصدر نفسه: 2 / 158 .
([23]) المصدر نفسه: 3/14 .
([24]) ينظر: المصدر نفسه: 3 /186 .
([25]) ينظر: المصدر نفسه: 2 /41 .
([26]) ينظر: المصدر نفسه: 1 /459 .
([27]) ينظر: المصدر نفسه: 2/286 .
([28]) ينظر: المصدر نفسه: 1/25 - 26 .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1169 Seconds