سفير الإمام الحسين مسلم بن عقيل

مقالات وبحوث

سفير الإمام الحسين مسلم بن عقيل

125 مشاهدة

علي فاضل الخزاعي

هنالك نجوم لامعة أفدوا بكل ما يملكون من الغالي والنفيس في الدفاع عن النبي وأهل بيته (عليهم أفضل الصلاة والسلام)، صحابة أجلَّاء وعبّاد أتقياء، كعمّار، وذي الشهادتين، وأُويس القرني، وهاشم المرقال، ومحمد بن أبي بكر، وغيرهم كثير، فلا يشك أحد في فضلهم وبلائهم الحسِن، ومن هؤلاء الليوث الغضنفر الذي وقف بوجه الظلم للدفاع عن أهل بيت النبوة (عليهم السلام)، حتى فدى بنفسه في سبيل الحق هو الصحابي (مسلم بن عقيل بن أبي طالب) (عليه السلام).

ولد مسلم عام 22 هـ بالمدينة المنوّرة، وأُمّه: السيّدة علية، وأما زوجته: فهي السيّدة رقية بنت الإمام علي (عليه السلام).

كان مسلم (عليه السلام) من أجِلاء بني هاشم، وكان عاقلاً عالماً شجاعاً، وكان الإمام الحسين (عليه السلام) يلقّبه بثقتي، وهو ما أشار إليه في رسالته إلى أهل الكوفة.

ولشجاعته اختاره عمُّه أمير المؤمنين (عليه السلام) في حرب صفّين، ووضعه على ميمنة العسكر مع الحسن والحسين (عليهما السلام)[1].

كان مسلم بن عقيل محاربا فذًا اتصف بالقوة البدنية، فتصفه بعض المصادر (وكان مثل الأسد، وكان من قوته أنه يأخذ الرجل بيده فيرمي به فوق البيت)[2].

 فضلا عن ذلك كان يشبه الرسول محمد، فعن أبي هريرة أنه قال: (ما رأيت من ولد عبد المطلب أشبه بالنبي (صلى الله عليه وآله) من مسلم بن عقيل)[3].

وتذكر لنا كتب التاريخ بأنه بعد وفاة معاوية بن أبي سفيان، وتنصيب يزيد بن معاوية خليفةً من بعده، كان للإمام الحسين (عليه السلام) موقفٌ رافضٌ معارضٌ لهذا التنصيب، وبعد رفض الإمام الحسين (عليه السلام) طلب حاكم المدينة المنورة من الإمام الحسين (عليه السلام) مبايعة يزيد، بقوله الشهير (مثلي لا يبايع مثله)، ورأى أن الوضع داخل المدينة أصبح خطرا عليه وعلى أهله، الأمر الذي استدعى مغادرته للمدينة على وجه السرعة، فانتقل منها إلى مكة[4].

وبقيت الأحداث تتوالى في الكوفة الى أن استقبل الكوفيون مسلم بن عقيل بكثير من الحفاوة، وتلا ابن عقيل عليهم كتاب الإمام الحسين فخنقتهم العبرات وتعالت نداءات المناصرة للحسين، فتروي المصادر أن عدد المبايعين في ذلك اليوم كان ثمانية عشر ألف، فأرسل مسلم برسالة للحسين يطلب منه القدوم إلى الكوفة[5].

كانت هذه الأحداث تصل إلى مسامع والي الكوفة الأموي النعمان بن بشير، فلم يكن يقوم بشيء غير نصح الناس على المنبر بترك مبايعة الحسين، وكان الأمويين من أهل الكوفة يرون أن النعمان إما ضعيف أو أنه يتظاهر بالضعف بفعل عدم اتخاذه اجراءات عسكرية ضد الملتفين حول ابن عقيل.

حتى وصل الأمر أن اتهموه وهو على المنبر بالضعف فأجابهم: "أن أكون من المستضعفين في طاعة الله، أحب إليّ من أن أكون من الأعزين في معصية الله" فقام بعض أهل الكوفة بإرسال رسالة إلى يزيد يخبرونه بمجريات الأمور وبما رأوه تقاعسًا لأميرهم من والي الكوفة[6].

الى أن حانت لحظات الوداع الأخيرة في هذه الدنيا الفانية لمسلم بن عقيل؛ إذ يروى أنَّه (لما أدخل مسلم على عبيد الله لم يسلم عليه فقال له الحرس، سلم على الأمير فقال له: اسكت ويحك؛ والله ما هو لي بأمير، فقال ابن زياد: لا عليك، سلمت أم لم تسلم فإنَّك مقتول، فقال له مسلم: إن قتلتني فلقد قتل من هو شر منك من هو خير منى، وبعد فإنَّك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السريرة ولوم الغلبة لأحد أولى بها منك، فقال ابن زياد: يا عاق يا شاق خرجت على إمامك وشققت عصا المسلمين وألحقت الفتنة، فقال مسلم: كذبت يا بن زياد، إنَّما شق عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد، وأما الفتنة فإنما ألحقها أنت وأبوك زياد بن عبيد عبد بني علاج من ثقيف، وأنا أرجو أن يرزقني الله الشهادة على يدي شر بريته، فقال ابن زياد: منتك نفسك أمرا حال الله دونه وجعله لأهله، فقال له مسلم: ومن يا ابن مرجانة؟ فقال أهله يزيد بن معاوية، فقال مسلم: الحمد لله رضينا بالله حكما بيننا وبينكم، فقال له ابن زياد: أتظن أن لك في الأمر شيئا، فقال له مسلم: والله ما هو الظن؛ ولكنه اليقين، فقال ابن زياد: أخبرني يا مسلم بماذا أتيت هذا البلد وأمرهم ملتئم فشتت أمرهم بينهم وفرقت كلمتهم، فقال مسلم: ما لهذا أتيت ولكنكم أظهرتم المنكر ودفنتم المعروف وتآمرتم على الناس بغير رضى منهم، وحملتموهم على غير ما أمركم الله به، وعملتم فيهم بأعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر فيهم بالمعروف وننهى عن المنكر، وندعوهم إلى حكم الكتاب والسنة، وكنا أهل ذلك فجعل زياد يشتمه ويشتم عليا والحسن والحسين (عليهم السلام)، فقال له مسلم: أنت وأبوك أحق بالشتيمة، فاقض ما أنت قاض يا عدو الله، فأمر ابن زياد بكير بن حمران أن يصعد به إلى أعلى القصر فيقتله، فصعد به وهو يسبح الله تعالى ويستغفره ويصلى على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فضرب عنقه فنزل مذعورا، فقال له ابن زياد ما شأنك ؟ فقال: أيها الأمير رأيت ساعة قتله رجلًا أسود سيء الوجه حذا مني عاضا على اصبعه أو قال على شفته، ففزعت منه فزعًا لم أفزعه قط، فقال له ابن زياد (لعنة الله عليه) لعلك دهشت)[7].

وممَّا سبق تبين لنا موقف هذا الصحابي الجليل مع ابن زياد ودفاعه عن الحسين (عليه السلام)؛ إذ برهن على أنه ليس رجلًا اعتياديًّا؛ بل هو ولي من الأولياء، وعظيم من العظماء، وشهيد نال أعلى مراتب الشهداء السعداء، حتى صار مثلًا للبطولة والفداء، لنصرته لابن سيدة النساء.

وفي الختام نسأل الله أن لا يحرمنا زيارة مسلم في الدنيا وشفاعته في الآخرة، بفضل الصلاة على محمد وآل محمد. والحمد لله رب العالمين..

الهوامش


[1] ينظر: معجم رجال الحديث، الخوئي: 19 / 165؛ أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين: 1/591.

[2] التاريخ الكبير، البخاري: 7/266 ، بحار الأنوار للمجلسي: 44/354 .

[3]  التاريخ الكبير: 7/226.

[4] تاريخ الطبري: 3/280.

[5]  اللهوف على قتلى الطفوف، ابن طاووس: 109

[6]  تاريخ الطبري: 4/ 265.

[7] اللهوف على قتلى الطفوف: 35.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1196 Seconds