وصفات أمير المؤمنين (عليه السلام) الطبية – الصدقة أنموذجًا

مقالات وبحوث

وصفات أمير المؤمنين (عليه السلام) الطبية – الصدقة أنموذجًا

1K مشاهدة

عمَّار حسن الخزاعي:

الحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا كما يستحقُّه وكما هو أهله، والصلاة والسلام على خير خلقه محمَّد وآله الطاهرين..

شرَّع الإسلامُ نظمًا تعمل على ترصين العلاقات بين أفراد المجتمع، وتشيع روح التعاون فيما بينهم، ومن تلك النظم تشريع الصدقة والندب إليها بصورٍ شتَّى؛ لما لها من أثرٍ في تعزيز الأواصر المجتمعيَّة وتمتين علاقات المحبَّة والتعاون، وإشاعة روح المسؤولية العامَّة التي تتخطَّى النفس والأهل إلى أبناء المجتمع جميعهم، ومن هنا نرى تشديد الإسلام على الصدقة والدعوة إليها على مستويات مصادر التشريع جميعها، وممَّا ورد فيها من القرآن قوله تعالى: ((إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ)) [الحديد: 18]، وقوله تعالى: ((أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [التوبة: 104] . إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي دعت إلى الصدقة، ويكفي في الندب إليها ما تقدَّم من أنَّ الصدقة يقبضها الله تعالى، وتكون قرضًا عليه يردُّه إلى العبد مضاعفًا .

والصَّدقة بمعناها الشرعي يختلف عمَّا هو مستقرٌّ في أذهان عامَّة النَّاس، الذين يُحددونها بالمال على وفق الأفق الضَّيِّق من المعرفة، وأمَّا هي في حقيقتها فتشمل أمورًا كثيرة وسَّع الله تعالى بها على المؤمنين، فمن لا يملك المال يستطيع أن يتصَّدق بأمرٍ آخر غيره ممَّا يُتاح له، وهذا المعنى نجده في روايات رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته، وممَّا جاء في ذلك قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ))([1])، وممَّا ورد أيضًا عنه (صلى الله عليه وآله): (الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَة))([2])، وعنه أيضًا أنَّه قال: ((إِنَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةً . قَالَ رَجُلٌ:‏ مَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟! قَالَ (صلى الله عليه و آله): إِمَاطَتُكَ‏ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ إِلَى الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَعِيَادَتُكَ الْمَرِيضَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَرَدُّكَ السَّلَامَ صَدَقَةٌ))([3])، وعنه أيضًا: ((تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة))([4])، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): ((صَدَقَةٌ يُحِبُّهَا اللَّه إِصْلَاحٌ بَيْنِ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُوا، وتَقَارُبٌ بَيْنِهِمْ إِذَا تَبَاعَدُوا))([5]). وممَّا تقدَّم يظهر أنَّ أبواب الصَّدقة كثيرة لا تنحصر بالمال وحده، وإذا نظرنا إلى هذه الأبواب المتعدِّدة نجد أنَّنا كلَّنا باستطاعتنا أن نتصدَّق كلَّ يوم، فكلٌّ منَّا يستطيع أن يتكلَّم الكلمة الطيبة، ويستطيع أن يرفع الأذى عن طريق المسلمين، ويستطيع أن يتبسَّم في وجه أخيه، ويستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلى غير ذلك من أبواب الخير التي ذكرتها الروايات المتقدِّمة .

ومع هذا التوسُّع في أبواب الصدقة فإنَّ الله تعالى جعل لها أجرًا كبيرًا وفضلًا جزيلًا، ووعد المتصدِّق بالجزاء الأوفى وأن يردَّه عليه بأضعافٍ مضاعفه، ويدفع عنه شرور البلاء وأصنافٍ كثيرةٍ من السوء، وهذا المعنى نجده بروايات كثيرة وردت عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، وممَّا ورد عنه (صلى الله عليه وآله) في هذا المنحى ما جاء بقوله: ((الصدقة تدفع ميتة السوء عن صاحبها))([6])، وعنه أيضًا: ((إن الله لا إله إلا هو ليدفع بالصدقة الداء والدبيلة([7]) والحرق والغرق والهدم والجنون، وعد (عليه السلام) سبعين بابًا من الشر))([8])، وعن الصَّادق (عليه السلام): ((الصَّدَقَةُ بِالْيَدِ تَقِي مِيتَةَ السَّوْءِ، وتَدْفَعُ سَبْعِينَ نَوْعاً مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ، وتُفَكُّ عَنْ لُحِيِّ سَبْعِينَ شَيْطَاناً كُلُّهُمْ يَأْمُرُه أَنْ لَا يَفْعَلَ))([9])، ومن آثار الصَّدقة أنَّها تبارك بالرِّزق وعن طريقها يُنزل الله تعالى بركاته على عباده، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ((اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ))([10])، وبالصَّدقة يتمُّ الحفاظُ على الإيمان، فإذا أراد الشخص أن يحافظ على إيمانه من زيغ القلب والهوى فعليه أن يتصدَّق، وهذا المعنى أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: ((سُوسُوا إِيمَانَكُمْ بِالصَّدَقَةِ))([11])، و(سُوسُوا) من السياسة بمعنى حفظ الشيء ومداراته .

وهذا بعض ما جعله الله تعالى من جزاءٍ للصَّدقة، وهو جزاء عظيم للمتصدِّق يمنحه الله تعالى إليه بكرمٍ مغدق، ومن هنا نجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوصي أمير المؤمنين (عليه السلام) على الصَّدقة بقوله: ((وأَمَّا الصَّدَقَةُ فَجُهْدَكَ جُهْدَكَ حَتَّى يُقَالَ قَدْ أَسْرَفْتَ ولَمْ تُسْرِفْ))([12]) .

وممَّا تقدَّم عرفنا بعض أبواب الصَّدقة، وشيئًا من الأجر الذي أعدَّه الله (عزَّ وجلَّ) لفاعلها، وبعضًا من آثارها على المتصدِّق، وسنُخصِّص القول فيما يلي من الكلام على أثر الصَّدقة في علاج الأمراض، وكيف تكون وصفةً علاجيَّةً يُعالج بها المريض نفسه، وهذا الأمر وردت به عدَّة روايات، وممَّا ورد في ذلك ما جاء عن النبي محمَّد (صلى الله عليه وآله): ((داووا مرضاكم بالصدقة فإنَّها تدفع عنكم الأمراض والأعراض))([13])، وما ورد عن أمير المؤمنين نقلًا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((داووا مرضاكم بالصدقة))([14])، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضًا: ((الصَّدَقَةُ دَوَاءٌ مُنْجِحٌ))([15])، وعن النبي (صلى الله عليه وآله): ((الصدقة تدفع البلاء، وهي أنجح دواء، وتدفع القضاء وقد ابرم إبرامًا، ولا يذهب بالأدواء إلا الدعاء والصدقة))([16]) . فالصدقة دواء ناجح في معالجة الأمراض والقضاء عليها، وهي وصفة فاعلة في معالجة الأمراض والعلل والأسقام، وممَّا روي في هذا الصَّدد أيضًا أنَّ رجلًا شكا إلى الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) ((في كثرة من العيال كلهم مرضى، فقال له موسى بن جعفر (عليه السلام): داووهم بالصدقة فليس شيء أسرع إجابة من الصدقة، ولا أجدى منفعة على المريض من الصدقة))([17]) . فالصَّدقة خير علاج للمريض يدفع به مرضه وآلامه بنصِّ الإمام (عليه السلام)، وحتَّى تُثمر الصَّدقة في علاج الأمراض لابدَّ من اتِّباع بعض الأمور التي تجعل منها أكثر أثرًا في ذلك، وممَّا جاء في ذلك قول الإمام الصَّادق (عليه السلام): ((يُسْتَحَبُّ لِلْمَرِيضِ أَنْ يُعْطِيَ السَّائِلَ بِيَدِه، ويَأْمُرَ السَّائِلَ أَنْ يَدْعُوَ لَه))([18])، ومن الأمور التي تزكِّي الصَّدقة أن تكون سرًّا، وهذا المعنى أشار له الإمام الصادق عليه السلام) بقوله: ((لا تتصدق على أعين الناس ليزكوك، فإنك إن فعلت ذلك فقد استوفيت أجرك، ولكن إذا أعطيت بيمينك فلا تطلع علينا شمالك، فإن الذي تتصدق له سرًّا يجزيك علانية على رؤوس الاشهاد في اليوم الذي لا يضرك أن لا يطلع الناس على صدقتك))([19]) . أمَّا أفضل أنواع الصَّدقات فهي ما جاء على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله: ((أفضل الصدقة صدقة اللسان . قيل: يا رسول الله، وما صدقة اللسان؟ قال: الشفاعة تفك بها الأسير، وتحقن بها الدم، وتجر بها المعروف إلى أخيك، وتدفع عنه الكريهة))([20])، ومن أفضل الصَّدقات ما نصَّ عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: ((أفضل الصدقة أختك وابنتك، مردودة عليك ليس لهما كاسب غيرك))([21]) .

وممَّا تقدَّم يظهر جليًّا أثر الصدقة في علاج الأمراض والعلل والأسقام، وكيف أنَّها أسرع علاج لمداوة المرض، وقد سبق قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (الصَّدَقَةُ دَوَاءٌ مُنْجِحٌ)، وهذا نصٌّ في أنَّ الصدقة علاج فاعل وناجح في دفع الأمراض عن المتصدِّق، ومن هنا علينا أن ننتبه إلى هذا العلاج فندفع به العلل والأسقام عن أبداننا، وعن أهلنا وإخواننا . حمى الله تعالى الجميع من كلِّ سقم وبلاء بحقِّ محمَّدٍ وآله الأطهار .

الهوامش:
([1]) الدعوات - سلوة الحزين، قطب الدين الراوندي (ت: 573 هـ): 107 .
([2]) الوافي، الفيض الكاشاني: 26/195 .
([3]) الدعوات - سلوة الحزين، قطب الدين الراوندي (ت: 573 هـ): 98 .
([4]) صحيح ابن حبان، ابن حبان (ت: 354 هـ): 2/287 .
([5]) الكافي، الشيخ الكليني (ت: 329 هـ): 2/209 .
([6]) طب الأئمَّة، عبد الله وحسين بن سابور الزيات (ت: 401 هـ): 123 .
([7]) الدبيلة: الطاعون والخراج ودمل يظهر في البطن فيقتل
([8]) من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق (ت: 381 هـ): 2/67.
([9]) الكافي، الشيخ الكليني (ت: 329 هـ): 4/3 ، من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق (ت: 381 هـ): 2/66 .
([10]) نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح: 494 .
([11]) المصدر نفسه: 495 .
([12]) الكافي، الشيخ الكليني (ت: 329 هـ): 4/3 .
([13]) كنز العمال، المتقي الهندي (ت: 975 هـ): 10/23 .
([14]) طب الأئمَّة، عبد الله وحسين بن سابور الزيات (ت: 401 هـ): 123 .
([15]) الدعوات - سلوة الحزين، قطب الدين الراوندي (ت: 573 هـ): 181 .
([16]) بحار الأنوار، العلامة المجلسي (ت: 1111 هـ): 93/137.
([17]) بحار الأنوار، العلامة المجلسي (ت: 1111 هـ): 59/269.
([18]) الكافي، الشيخ الكليني (ت: 329 هـ): 4/3 – 4 ، من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق (ت: 381 هـ): 2/66 .
([19]) تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله)، ابن شعبة الحراني (ت: ق 4 هـ): 305
([20]) الرسالة السعدية، العلامة الحلي (ت: 726 هـ): 164 .
([21]) مستدرك الوسائل، ميرزا حسين النوري الطبرسي (ت: 1320 هـ): 7/194 .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1085 Seconds