قصدية المواساة للإمام الحُسَين (عليه السَّلَام) ومراتبها في دعائه لأخوين تركا جيش الكوفة وتحولا لنصرته.

مقالات وبحوث

قصدية المواساة للإمام الحُسَين (عليه السَّلَام) ومراتبها في دعائه لأخوين تركا جيش الكوفة وتحولا لنصرته.

1K مشاهدة

السَّيِّد: نبيل الحَسَنِيّ الكربلائِيّ.

الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على خير خلقه أجمعين، مُحمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهِرِين...
وبعد:
قال (عليه السَّلَام):
«جزاكم الله يا ابني أخي بوجدكما في ذلك ومواساتكما أياي بأنفسكما أحسن جزاء المتقين».
أسباب الدعاء:
أولا: إنّ الظاهر من رواية الطبري أنهما ممن التحق بجيش عمر بن سعد رغماً عنهما كما هو واضح في قولهما لسيد الشهداء: (حازنا العدو إليك فأحببنا أ ن نقتل بين يديك نمنعك وندفع عنك)([1]).
ثانيا: إنهما كانا يبكيان حينما جاءا لنصرة الإمام الحسين عليه السلام وهذا يكشف عن صدق مشاعرهما وحبهما لسيد الشهداء عليه السلام وإنهما كانا يتمنيان لو يستطيعان أن يدفعا عنه بأكثر من تقديم نفسيهما؛ بمعنى يبكيان على غربته وقلة ناصره.
ولذلك قال لهما:
«أدنوا مني».
فدنوا منه وهما يبكيان، فقال لهما:
«يا ابني أخي ما يبكيكما؟ فوالله إني لأرجو أن تكونا عن ساعة قريري العين».
فقالا: جعلنا الله فداك، لا والله ما نبكي على أنفسنا ولكن نبكي عليك، نراك قد أحيط بك ولا نقدر على أن نمنع عنك، فدعا لهما([2]).
التعريف بهما
هما: عبد الله وعبد الرحمن أبناء عزرة([3])، وقيل: عروة([4]) الغفاريان؛ أي كانا أخوين، ولم أعثر على ترجمة لهما في كتب الرجال.
درجات المواساة للعترة النبوية ورتب استحقاقها من الأجر
يُظهر الدعاء مراتب استحقاق الأجر ضمن درجات المواساة للعترة النبوية + في نطاق سنة إلهية مرتبة بالأعمال التي يقوم بها الإنسان، وهو يسير ــ أي هذا الدعاء ــ جنبا إلى جنب مع قوله تعالى:
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}([5]).
بمعنى: أنّ الله تعالى يجازي العامل على عمله حسبما يقدمه من مكنوناته القلبية والنفسية والجسدية، فقد يُعبّر الإنسان من خلال نعمة قوة البدن عن الطاعة لله وقلبه منصرف لغير الله، وقد يتفاوت الانصراف لغير الله تعالى، كما يتفاوت التوجه إليه أيضا.
كما يدل عليه الأثر النبوي، حينما دخل . إلى المسجد ورأى مصلياً يصلي وهو يعبث بلحيته، فقال:
«أما إنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه»([6]).
فهنا أجر المصلي يتناسب مع إقبال قلبه وخشوع جوارحه، فكل شيء بقدر، كما أن عوائد هذه الأعمال مختلفة أيضا فمن كان دامع العين منصرفاً بكله إلى الله تعالى وهو يصلي فإن العوائد الإيمانية والبدنية والقلبية التي تعود عليه مختلفة أيضا.
وحينما ننظر إلى هذه السنة الإلهية وما دلت عليه الأحاديث الشريفة في معرض بيانها لتفاوت درجات المواساة لأهل البيت (عليهم السَّلَام) نجد أنّ المقبل إليهم بقلبه وعقله ونفسه له من الأجر والثواب ما يتناسب مع تقديمه هذه النعم في طاعة الله تعالى، ومشرك هذه النعم من خلال مواساة أهل بيت رسول الله.
 وان التفاوت في الأجر يرجع إلى التفاوت في النعم الإلهية التي تصرف في طاعة الله تعالى، فمن استعان بنعمة البدن يختلف في استحقاقه للأجر عن الذي استعان بنعمة البدن والقلب معاً في طاعة الله تعالى ومواساة رسوله وأهل بيته (عليهم السَّلَام).
بمعنى: أنّ من أشرك الدمع والحزن بوصفهما ألمين متربطين بالقلب والنفس في مواساة العترة (عليهم السَّلَام)، يختلف من حيث الاستحقاق الأخروي عند الله تعالى من الذي قدم المواساة بالنفس فقط. وهذا يدل على عظم هذه النعمة عند الله تعالى، أي: نعمة الموالاة لأهل البيت (عليهم السَّلَام)، ولذلك يثيب الله تعالى عليها بأجر لا يعلمه إلا هو عزّ شأنه، كما يدل على عظم منزلة أهل البيت (عليهم السَّلَام) عند الله تعالى.
ومن هنا: جاءت الأحاديث الشريفة لتبين هذه الرتب في الاستحقاق الأخروي والدنيوي وعوائدهما في كلا الدارين؛ فمنها:
1ــ عن الحسن بن محبوب، عن أبي الحَسَن الرِّضا (عليه السَّلَام) قال، قال لي:
«لابد من فتنة صماء صيلم([7]) يسقط فيها كل بطانة ووليجة([8])، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي يبكي عليه أهل السماء وأهل الأرض وكل حرى وحران وكل حزين لهفان.
ثم قال بأبي وأمي:
«سمّي جدي، شبيهي وشبيه موسى بن عمران ــ عليه السلام ــ عليه جيوب النور، تتوقد بشعاع ضياء القدس كم من حرى مؤمنة، وكم مؤمن متأسف حيران، حزين عند فقدان الماء المعين»([9]).
2ــ عن أبي عبد الله (عليه السَّلَام) أنه قال:
«نفس المهموم لنا، المغتم لظلمنا تسبيح، وهمه لأمرنا عبادة، وكتمانه لسرنا جهاد في سبيل الله»([10]).
قال محمد بن سعيد أحد رواة الحديث: أكتب هذا بالذهب فما كتبت شيئا أحسن منه.
3ــ عن مسمع كردين البصري، قال: قال أبو عبد الله (عليه السَّلَام):
«يا مسمع أنت من أهل العراق أما تأتي قبر الحُسَين (عليه السَّلَام)»؟.
قلت: لا، أنا رجل مشهور عند أهل البصرة، وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة وعدونا كثير من أهل القبائل من النصاب وغيرهم، ولست آمنهم أن يرفعوا حالي عند ولد سليمان فيمثلون بي. قال لي:
«أفما تذكر ما صنع به»؟.
قلت: نعم، قال:
«فتجزع؟».
قلت: إي والله، واستعبر لذلك حتى يرى أهلي اثر ذلك علي، فامتنع من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي، قال:
«رحم الله دمعتك، أما انك من الذين يعدون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمنا، أما انك سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيتهم ملك الموت بك وما يلقونك به من البشارة أفضل، وملك الموت ارق عليك وأشد رحمة لك من الام الشفيقة على ولدها».

الهوامش:
([1]) تاريخ الطبري: ج4، ص337. الكامل في التاريخ: ج4، ص72.
([2]) بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج45، ص29. العوالم، الإمام الحسين (عليه السَّلَام): ص273. الكامل لابن الأثير: ج4، ص72. أعيان الشيعة: ج1، ص607.
([3]) تاريخ الطبري: ج4، ص337.
([4]) الكامل، ابن الأثير: ج4، ص72.
([5]) سورة الزلزلة، الآية: 7.
([6]) منتهى المطلب للعلامة الحلي: ج1، ص312. المصنف لابن أبي شيبة الكوفي: ج2، ص191. ميزان الحكمة، محمد الريشهري: ج2، ص1636، برقم2286.
([7]) الصيلم: الأمر الشديد.
([8]) بطانة الرجل ووليجته: خاصته.
([9]) الإمامة والتبصرة، لابن بابويه القمي: ص114، ح102. عيون أخبار الرضا، للشيخ الصدوق: ج1، ص10، ح14.
([10]) الكافي، للشيخ الكليني: ج2، ص226، ح16. وسال الشيعة (آل البيت عليهم السَّلَام)، للحر العاملي: ج16، ص250.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1282 Seconds