من فاته سلب فاطمة (عليها السلام)  في المدينة سلب بضعتها في كربلاء

مقالات وبحوث

من فاته سلب فاطمة (عليها السلام) في المدينة سلب بضعتها في كربلاء

1K مشاهدة

بقلم السيد نبيل الحسني

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم من عموم نعم ابتدأها وسبوغ آلاء اسداها والصلاة والسلام على محمد وآله خير الانام والهداة إلى الإسلام.
أما بعد:
فإن إستحضار ما أخرجه ابن ابي شيبة الكوفي (ت 235هـ) وابن ابي عاصم (ت 287هـ) وغيرهما في دخول خليفة المسلمين عمر بن الخطاب على فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله ) وقوله لها عليها السلام: (والله ما من أحد أحب إلينا من أبيك، وما من أحد أحب الينا بعد أبيك منك، وأيم الله ما ذاك بمانعي أن اجتمع هؤلاء النفر عندك، أن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت)!!![1]
ليتبعه بعد مرور نصف قرن يزيد بن معاوية وقد جلس على كرسي الخلافة ورأس ابن فاطمة (عليها السلام) بين يديه مخاطباً بضعتها زينب (عليها السلام):
(إنما خرج من الدين أبوك وأخوك)[2]. ليثير جملة من التساؤلات الكثيرة التي أرتبطت بواقعة كربلاء على نحو العموم وبالعقيلة زينب (عليها السلام) على نحو الخصوص.
حتى كادت أن تكون هي الوحيدة التي أصيبت من بين أخواتها العشر اللاتي أخرجهن الإمام الحسين (عليه السلام) معه الى كربلاء.
أو لعل القارئ لواقعة الطف وسيرة سيد الشهداء (عليه السلام) يرتكز في ذهنه بأن العقيلة زينب (عليها السلام) هي الوحيدة التي أخرجها الإمام الحسين (عليه السلام) معه إلى كربلاء.
فما هي العلة التي جعلت هذا المعنى يرتكز في ذهن القارئ لفاجعة الطف؟
وأقول: إن ذلك يعود لجملة من الأسباب:
1 ــ إن زينب الكبرى هي أكبر أخواتها سناً فقد ولدت في السنة السادسة للهجرة النبوية في المدينة المنورة[3]، ومن ثم فهي أكبر بنات أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام).
2 ــ إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد أوكل إليها أمر العيال من بنات النبوة ونساء الانصار الثكالى وايتامهن، وهذه واحدة من خصائصها (عليها السلام)، فكانت كقطب الرحى يدور من حولها النساء والاطفال بين صارخ وباك وصامت ومذهول.
3 ــ إنها برتبة من الفهم والعلم ما جعلها المؤهلة لتحمل تلك الخطوب العظيمة والرزايا الجسيمة التي تندك من حملها الجبال.
ولقد نص على ذلك قول حجة الله تعالى الإمام زين العابدين (عليه السلام) لها:
«أنت بحمده عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة».
4 ــ إنها الوحيدة من بين بنات أمير المؤمنين عليه السلام كانت أمها فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومما يدل عليه:
أ: إن أختها أم كلثوم التي أشارت المصادر إلى وجودها في كربلاء وتناولت خطبتها في الكوفة لم يقطع المؤرخون أو النسابة أو غيرهم من الباحثين نسبة انتسابها لفاطمة (عليها السلام).
نعم هناك من الروايات ما تدل على وجود هذه الشخصية، أي: أم كلثوم بنت علي (عليه السلام) لكن لم يجزم أحد بأنها ابنة فاطمة (عليها الصلاة والسلام).
ب: ذهب كثير من المحدثين والباحثين إلى أن أم كلثوم بنت فاطمة (صلوات الله عليها) قد توفيت في المدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان وقد شيعها الحسن والحسين (عليهما السلام) مما يرجح عدم وجودها في الطف وأن أم كلثوم التي خرجت إلى كربلاء هي إحدى بنات علي (عليه السلام) وأمها أم ولد.
عليه: فإن المقصودة في هذه الحرب هي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فمن لم يكن مع السلف في الهجوم على بيت فاطمة (عليها السلام)، فها هم الخلف اليوم قد هجموا على  بضعتها، ومن فاته سلب فاطمة (عليها السلام) في المدينة فقد سلب ابنتها في كربلاء.
ولذلك: نجدها ــ بأبي وأمي ــ لما قام عبيد الله بن زياد بإدخال عيال الحسين (عليه السلام) إلى قصر الإمارة في الكوفة (دخلت زينب العقيلة في جملتهم متنكرة وعليها أرذل ثيابها، فمضت حتى دخلت ناحية من القصر، وحفت بها إماؤها، فقال ابن زياد:
من هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها؟ فلم تجبه زينب، فأعاد ثانية وثالثة يسأل عنها، فقال له بعض إمائها:
هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
فأقبل عليها ابن زياد وقال لها: الحمد لله الذي فضحكم، وقتلكم، وأكذب أحدوثتكم فقالت: زينب عليها السلام:
«الحمد الذي أكرمنا بنبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وطهرنا من الرجس تطهيرا، وإنما يفتضح الفاسق، ويكذّب الفاجر، وهو غيرنا والحمد لله»)[4].
إذن:
لكونها ابنة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الوحيدة في كربلاء كما صرح بذلك إماؤها توجه إليها عدو الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الكلام، ولكونها ابنة رسول الله توجه يزيد إلى ضرب شفتي ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقضيب كي يحرق قلبها، وقلب أمها فاطمة، وقلب جدها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ وقلب أبيها علي أمير المؤمنين (عليه السلام).
بقي أن أقول:
إنّ إلتفاف النساء والأطفال حولها، وأهتمام سيد الشهداء بها، وحرصه الشديد عليها، وتفاني العباس وأخوته في صونها، وتسابق الأنصار للذود عنها، إنما لكونها بضعة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنها البقية الباقية من أمها، بمعنى: إن وجودها  يمثل وجوداً (لقلب) رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وروحه التي بين جنبيه فكيف لا يحرص أخوتها على صونها ورضاها وهو السبيل إلى  إحراز رضا فاطمة واجتناب غضبها، فسلام على زينب العقيلة يوم ولدت ويوم رزيت وفجعت وسبيت، ويوم ماتت ويوم تبعث حية لتشكو إلى ربها وجدّها ما نزل بها.
فلتلك الخصوصية وغيرها ارتكز في ذهن كل متتبع لمأساة كربلاء أنّ العقيلة زينب (عليها السلام)، كأنها هي الوحيدة التي كانت من بنات أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم عاشوراء[5].

 الهوامش:
[1] المصنّف لابن ابي شبية: ج8 ص 572؛ المذكر والتذكير لابن ابي عاصم ص 91.
[2] تاريخ الطبري: ج4 ص 353؛ البداية والنهاية لابن كثير: ج8 ص 212.
[3] مستدرك سفينة البحار: ج4، ص316.
[4] الإرشاد للشيخ المفيد: ج2، ص116.
[5] سبايا آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) للسيد نبيل الحسني طبع الاعلمي.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1240 Seconds