نسقية المسار لمفهوم الأمن الإنساني بين القرآن والعترة (عليهم السلام)

مقالات وبحوث

نسقية المسار لمفهوم الأمن الإنساني بين القرآن والعترة (عليهم السلام)

1K مشاهدة

بقلم: السيد نبيل الحسني.

الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ولا يحصـى نعمائه العادون، ولا يؤدي حقه المجتهدون، وازكى صلواته واتم سلامه على المبعوث رحمة للعالمين وآله المنتجبين أساس الدين وعماد اليقين...
إن قراءة المرحلة التاريخية للإسلام منذ عام (36هـ) إلى عام (51) للهجرة النبوية والمتضمنة تولي أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) الخلافة والحكم ومن بعده تولي الإمام الحسن (عليه السلام) الخلافة ترشد إلى وجود نسق واحد في تحقيق الأمن الإنساني ضمن الأطر والحدود والمفاهيم التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
إلاّ أن الفارق بين هذه المرحلة التاريخية وبين مرحلة البعثة النبوية لا سيما مرحلة بناء الحكومة الإسلامية في المدينة المنورة، أي منذ الهجرة إلى وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هي الوسائل التي اتبعها النبي (صلى الله عليه  وآله وسلم) في تحقيق الأمن الإنساني وتباينها عن الوسائل التي اتبعها أمير المؤمنين وولده الإمام الحسن (سلام الله عليهما)، ويمكن أن نجمل هذه الوسائل ضمن مجموعة من النقاط، منها:
1ـ إنّ النظرة إلى الفعل النبوي ترتكز على ألتصاقه وتلازمه بالوحي والرسالة، ومن ثم فالمرتكز في أذهان الناس هو النبوة والدين الإسلامي، وليس تحقيق الأمن للإنسان والذي ينساق مع مفهوم (الأمن الإنساني) في عالمنا اليوم.
2ـ إن وسيلة الحرب والسلم في فترة النبوة كانت تستخدم في تحقيق الأمن الإنساني في حين كان الصلح هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الأمن الإنساني في خلافة الإمام الحسن (عليه السلام).
3ـ انتقال مفهوم الأمن من خصوصيات الرسالة والنبوة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مفهوم الخلافة والسلطة في عهد الخلفاء الثلاثة، بمعنى بدء النظر إلى الأمن عموماً على أنه من ضرورات السلطة والخلافة وإن هذا المفهوم أخذ بالتطور ومن ثم يلزم إعادة تقديمه بمفهومه الشرعي وأنه من رحم الرسالة المحمدية وهو ما عمل عليه الإمام علي وولده الإمام الحسن (عليهما السلام).
بمعنى: إن الوسائل التي استخدمها الإمام علي (عليه السلام) كانت تسير باتجاهين معاً، الأول: إعادة أذهان الناس إلى أن الخلافة هي امتداد للنص التعيني من قبل الله تعالى ومن ثم فإن مسؤوليتها كمسؤولية النبوة في تحقيق الأمن الإنساني؛ وذلك أن وظيفتهما هو إصلاح الإنسان، فالإنسان أولاً وآخراً.
والثاني: هو إن السلطة هي الوسيلة لتحقيق الأمن الإنساني وليس الإنسان هو الوسيلة لأمن السلطة كما حدث لدى أبي بكر وعمر وعثمان ومن سار على نهج الخلافة السلطوية. وما قاموا به من سائل لبلوغ السلطة حالة الأمن[1].
وهذا الفارق في المفهوم والمصداق تبلور في خلافة الإمام الحسن (عليه السلام) الذي جمع فيه نتاج جده النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وذلك عبر جملة من المصاديق التي كانت حاكية عن هذا النتاج الرسالي في تحقيق الأمن للإنسان في الدنيا والآخرة أو كما يعرف اليوم اصطلاحاً بـ(الأمن الإنساني).
فقد عمل الإمام الحسن (عليه السلام) على تثبيت أن الخلافة مرتبطة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن ثم فهي ليست خاضعة للشورى أو الانتخاب أو التصويت (وصناديق الاقتراع) كما نشهده اليوم.
أو كما حرص على تغيير هذا المفهوم أقطاب السقيفة التي عقدت بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
فالإمام الحسن (عليه السلام) قد تم تنصيبه من قبل أبيه في منصب الخلافة بحدودها التي عينها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم الغدير حينما نصب علي بن أبي طالب (عليه السلام)
أما دور البيعة التي كانت بينه وبين المسلمين فهي على لزوم الطاعة والامتثال لأمر الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولمن نصبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي ملزمة كما أن الشهادة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ملزمة بالطاعة والامتثال وكذاك حال الشهادة لله بالوحدانية. ومن ثم فهذا الدور لا يسقط عن عاتق الأنبياء أو عاتق أوصيائهم وخلفائهم، ولو اعترض أهل الأرض أجمعهم.
وهذا الذي أثبته الإمام الحسن (عليه السلام) فقد فرق عملياً بين الخلافة التي حددها الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنها امتداد للنبوة كما نص عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث المنزلة المتواتر والمشهور، وهو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام):
«أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي من بعدي»[2].
وبين الخلافة بمفهومها السلطوي الذي تمخض عن مشـروع السقيفة وأثبتته الوسائل والتطبيقات للأمن الفكري التي مارسها أبو بكر وعمر وعثمان عبر توليهم الحكم على المسلمين.
إذن: عملية تحقيق (الأمن الإنساني) ونسيقة مساره القرآني والنبوي تبدأ عبر تصحيح المفاهيم والمعطيات الفكرية وحركة التصحيح في الواقع الحياتي المشترك بين السلطة والإنسان، بين الراعي والرعية، لنصل إلى حقيقة مفادها: (إن الأمن الإنساني يكون بتصحيح المفاهيم والأفكار والسلوك.
وهو ما حرص على تثبيته الإمام الحسن (عليه السلام) عبر خلافته قولاً وعملاً وليتوج ذلك في إقدامه على الصلح مع معاوية، والذي أثبت فيه القيم والحريات الأساسية لقيام الأمن الإنساني ومن ثم فقد حدد المسار لمفهوم الأمن الإنساني وآلية تطبيقه)[3]

 الهوامش:
[1] لمزيد من الاطلاع، ينظر: الأمن الفكري في نهج البلاغة للمؤلف.
[2] الكافي للكليني (رحمه الله)، باب: إذا بلغ المؤمن اربعين: ج8، ص107؛ الأمالي للصدوق: ص101؛ كفاية الأثر للخزاز: ص135؛ مسند أ؛مد بن حنبل: ج1، ص17؛ صحيح البخاري، باب: غزوة تبوك: ج5، ص129؛ صحيح مسلم، باب: من فضائل علي عليه السلام: ج7، ص120؛ سنن الترمذي: ج5، ص302؛ فضائل الصحابة للنسائي: ص13؛ مستدرك الحاكم: ج2، ص337؛ السنن الكبرى للبيهقي: ج9، ص40.
[3] لمزيد من الاطلاع ينظر: الأمن الإنساني في خلافة الإمام الحسن (عليه السلام) بين مفاهيم الامم المتحدة ومفاهيم القرآن والعترة (عليهم السلام): ص 92 – 95ط العتبة الحسينة.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1430 Seconds