من الفكر السياسي عند الإمام علي (عليه السلام) شروط استحقاق الإمامة -الحلقة الأولى-

مقالات وبحوث

من الفكر السياسي عند الإمام علي (عليه السلام) شروط استحقاق الإمامة -الحلقة الأولى-

244 مشاهدة

بقلم: د. جليل منصور العريَّض – الجامعة الأولى/ تونس

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

وبعد:

الإمامة في فكر علي عليه السلام كما يبدو في النهج، ولاية مطلقة عامة، يتحمل الإمام بمقتضاها مسؤولية صيانة الاعراض والدماء والأموال، وتطبيق الشريعة بمقتضى الانصاف والعدل اللذين نص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة عليهما، فلا «ينبغي ان يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وامامة المسلمين، البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف فيها دون المقاطع، ولا المعطل للسنة فيهلك الامة»[1]. فالإمامة ليست منصباً تشريفيا يتوصل عن طريقه الفرد لتحقيق مارب خاصة على حساب حقوق العباد الدينية والدنيوية، لأنها في جوهرها رعاية مصالح المؤمنين بما يؤمن لهم الحياة السعيدة في الدنيا والنعيم الدائم في الاخرة، فالأسس التي يجب ان تقام الإمامة عليها هي الكرم والعدل والنزاهة في تنفيذ الأحكام بما يصون حقوق الأفراد، لذلك يرى علي عليه السلام «ان أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله»[2] فقد حصر الاستحقاق في شرطين هما:

1ـ الأقوى على الأمر.

2ـ الأعلم بأمر الله.

أما شرط الأقوى على الأمر فيمكن اعتباره جامعاً مانعاً لكل ما يمكن توفره من شروط الإستحقاق المدينة، إذ يجب أن يكون المستحق «هو الأكمل قدرة على السياسة، والأكمل علما بمواقعها وكيفية تدبير المدن والحرس وذلك يستلزم كونه أشجع الناس»[3]. وبالشرط الثاني تستكمل حلقة الاستحقاق في فكر الإمام علي عليه السلام، لأن الاعلم بأمر الله يجب ان يكون محيطاً إحاطة تامة ومتناهية في الدقة بأصول الدين وفروعه ليتمكن من معالجة المستجدات في الحياة بما يتناسب تماما والشريعة الإسلامية. ومن الملاحظ ان علياً قد استخدم في ذكره لشرطي الاستحقاق افعل التفضيل «الأحق والأقوى»، وقد علق ابن أبي الحديد على ذلك بقوله «وهذا لا ينافي مذهب اصحابنا البغداديين في صحة امامة المفضول، لأنه ما قال: ان إمامة غير الأقوى فاسدة، ولكنه قال: أن الأقوى أحق»[4]. وكما يبدو لنا من السياق، ان الشرطين لا يحتاجان إلى تأويل بحسب فكرة الزيدية[5]، وبعض المعتزلة، والقائلة (بجواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل)، لأن علياً يعني ان المؤهل الوحيد المستحق للإمامة هو: الأقوى والأعلم، ويمكن تفسير ذلك بناء على ما ورد في موضع اخر من النهج «ان أولى الناس بالأنبياء اعلمهم بما جاءوا به»[6]، فلاحق للناس بنيابة الأنبياء والقيام مقامهم، الا للعالمين برسالاتهم العاملين بها الناصرين لها في جميع المواطن، فلا مجال للمفاضلة في الأسلوب إذ يمكننا القول باقتصار فكر علي عليه السلام في الاستحقاق على الأقوى والأعلم دون غيره من الناس فالقول بتقديم المفضول مع وجود الأفضل من الحجج الكلامية التي يقول بها الزيدية وبعض المعتزلة، هو من باب الاحتجاج باقتضاء المصلحة بتقديم أبي بكر وعمر وعثمان على علي عليه السلام من أجل الإسلام والخوف من فتنة قريش إذا ولي علي عليه السلام مع انه الأفضل في نظر أولئك، لكن السنة والاشاعرة يرفضون الفكرة، وبناء على رفض المقولة يقول أبو الحسن الاشعري بوجوب كون «الإمام أفضل أهل زمانه... ولا تنعقد الإمامة لاحد مع وجود من هو افضل منه فيها»[7]، وعلى هذا فإن ترتيب الخلفاء كان بحسب الافضلية، وان جوزوا المفاضلة فلا تدخل فيها خلافة أبي بكر ولا خلافة عمر إذ تنحصر المفاضلة عندهم بين عثمان وعلي عليه السلام [8] فوضع المفاضلة في الخلافة ـ من وجهة نظر الاشاعرة والسنة ـ يتخذ من التسلسل التاريخي نصاً شرعيا، لكون جمهور من الصحابة قد اقروه واتفقوا عليه. كما يرفض الشيعة الإمامية القول بتقديم المفضول مع وجود الافضل لمصلحة اقتضتها الظروف، لما في القول من منافاة لمنطق العقل، لأن عدم قبول الأفضل من لدن فئة معينة تقدم مصلحتها الذاتية على مصلحة الأمة باكملها مما يأباه العقل ولا يقره القرآن الكريم، لأن «العقل يقبح تقديم المفضول وإهانة الفاضل، ورفع مرتبة المفضول وخفض مرتبة الفاضل، والقرآن الكريم، قد نص على إنكار ذلك، فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾[9]. ثم إن علياً عليه السلام ذاته لا يقبل المفاضلة، إذ يجد نفسه الأحق والأفضل، يقول لمعاوية ضمن رده على احدى رسائله «زعمت ان افضل الناس في الإسلام فلان وفلان... وما أنت والفاضل والمفضول، والسائس والمسوس... فدع عنك من مالت به الرمية فإنا صنائع ربنا، والناس صنائع لنا»[10]، إذ لا فضل لأحد علينا سوى فضل الله سبحانه، اما فضلنا فقد عم جميع الناس لأنهم اهتدوا بنا إلى الإسلام. وعلى نفس المعنى يمكن حمل قوله في موضع آخر من النهج «اين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وادخلنا واخرجهم، بنا يستعطى الهدى، ويستجلى العمى»[11]. فهو رد صريح على أولئك الذين يقولون بالمفاضلة على أهل البيت عليهم السلام ، فالعلم المؤهل للهداية والقيادة هو المتمثل فيه، وفي عترة الرسول صلى الله عليه وآله من صلبه فموقفه ـ على ما يبدو ـ من قضية جواز تقديم المفضول على الافضل هو موقف الرافض، بحيث يمكن القول تجازواً باسبقيته إلى نفي تلك المقولة قبل ان تبرز على سطح السياسة الإسلامية. فاستخدامه لاسم التفضيل (أحق وأعلم) يعني حصر استحقاق الإمامة في من يتوفر الشرطان فيه دون أية مفاضلة، واستخدامه في السياق (إنّ) المشددة التي تعني التوكيد[12].

الهوامش:


[1] خطب ـ 131، 175.

[2] السابق.

[3] ميثم البحراني ـ شرح النهج 3/340.

[4] ابن أبي الحديد 9/328.

[5] الزيدية: هم اتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة عليها السلام ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلا أنهم جوزوا أن كل فاطمي عالم شجاع سخي خرج بالإمامة أن يكون إماما واجب الطاعة سواء أكان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين عليه السلام... وكان من مذهب زيد «جوز إمامة المفضول مع قيام الأفضل فقال: كان علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل الصحابة، الا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة وتطييب قلوب العامة» الشهرستاني الملل والنحل 1/155 وكذلك قال بهذا الرأي معتزلة بغداد ـ راجع ابن أبي الحديد 9/328، وأحمد محمدود صبحي ـ الزيدية ص 225.

[6] حكم ـ 96.

[7] عبد القاهر البغدادي ـ أصول الدين ص 252، وراجع أيضا: ابن حزم ـ الفصل في الملل والنحل 4/105 فقد رفض القول بالمفاضلة وشنع على القائلين بها، وقال بأفضلية بحسب ترتيبهم في خلافتهم.

[8] راجع عبد القاهر البغدادي، اصول الدين ص 293.

[9] المطهر الحلي: نهج الحق ص 188 والآية موضع الشاهد من سورة يونس/35.

[10] رسائل ـ28.

[11] خطب ـ 144.

[12] لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور خليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص172 – 176.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1243 Seconds