من الفكر السياسي عند الإمام علي (عليه السلام): طريق انعقاد الإمامة - الحلقة الثانية

مقالات وبحوث

من الفكر السياسي عند الإمام علي (عليه السلام): طريق انعقاد الإمامة - الحلقة الثانية

151 مشاهدة

بقلم: د. جليل منصور العريَّض – الجامعة الأولى/ تونس

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.
وبعد:
من خلال ترتيبنا لنصوص (نهج البلاغة) التي عالجت شروط انعقاد الإمامة، نجد ان علياً عليه السلام يقرر بما لا يدعو إلى الشك إلى أن الأرض لا تخلو (من قائم لله بحجة، اما ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وأنبيائه»[1]، ووجود الحجة في الفكر الشيعي ـ لطف من الله بعباده ـ يقربهم من ا لطاعات ويبعدهم عن المعاصي، وعليه بنى الإمام جعفر الصادق عليه السلام قوله «لو لم يبق في الأرض اثنان لكان احدهما الحجة»[2]، لذلك يعد علي عليه السلام نفسه مبلغاً عن النبي صلى الله عليه وآله، قائما مقامه قائلا بلسانه، يقول لأصحابه «والله ما اسمعكم الرسول شيئاً الا وها أنا ذا اليوم مسمعكموه، وما اسماعكم اليوم بدون اسماعكم بالامس»[3]، وهو حين يقوم بذلك الا لأنه يعتقد بأن مكانته في الإسلام تاتي تالية بعد الرسول صلى الله عليه وآله في المنزلة استناداً لروايته عنه صلى الله عليه وآله حين ابتداء نزول الوحي إذ قال له «انك تسمع ما اسمع، وترى ما أرى، الا انك لست بنبي، ولكنك لوزير، وانك لعلى خير»[4]. إذ يفهم مما أثر عنه من اقوال انه حين يقوم بامر المسلمين، فليس لأنه خليفة منتخب من قبل جمهور المسلمين، ولكن لكونه يعتقد بأنه امام منصوص عليه من قبل الله سبحانه، كما يتضح مما ورد في وصيته لعماله على الصدقات «ارسلني اليكم ولي الله وخليفته، لآخذ منكم حق الله في اموالكم»[5]، فنصه على أنه ولي الله يلقي ضوءًا على تفكيره في ان الإمامة لا تكون مطلقة يرشح لها أهل الحل والعقد من يرونه صالحاً لها، لأن رؤيتهم مهما اتسعت في شموليتها فهي دون رؤية الخالق سبحانه في مصالح عباده، فالأئمة في فكر علي عليه السلام «قوّام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده، لا يدخل الجنة الا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار الا من انكرهم وانكروه»[6]، وهنا يستوقفنا تفسير المقولة بين المعتزلة والشيعة، فابن أبي الحديد ـ من المعتزلة ـ يؤولها في ضوء قوله تعالى:
﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾[7]، أي «ينادي كل قوم باسم امامهم»[8]. اما ميثم البحراني من متكلمي الشيعة فيرى ان كلام علي عليه السلام يعني به نفسه والأئمة من ولده، وقد استند في رأيه ذاك على نقطتين[9]:
الأولى: ان الشريعة بما حوته من اوامر ونواه محتاجة إلى من يوضح كيفية العمل بها لتسلك بالانسان طريق الخير والجنة، ولا يتأتى ذلك الا بمعرفة من يعمل بها، وهم الأئمة الواجب الإفتداء يهديهم.

الثانية: وهو المشهور عن علي عليه السلام ان الأئمة الذين يريدهم هم أهل بيته عليهم السلام ومعرفة امامتهم ركن من اركان الدين يؤدي إلى الجنة ويبعد عن النار. ولعل رأي ميثم هو الارجح، فالأئمة الذين يعنيهم علي عليه السلام ـ كما نعتقد ـ هي العترة من آل بيت النبوة، على اعتبار انهم احق الناس بولايته دون الخلق اجمعين في كل منقول معقول، لأنه «لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله من هذا الأمة احد، ولايسوى بهم من جرت نعمتهم عليهم ابداً، هم أساس الدين، وعماد اليقين... ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة»[10]. وقد تأول ابن أبي الحديد الولاية في الشاهد بأنها «حق ولاية الرسول صلى الله عليه وآله على الخلق»[11]، فلا يقصد بها الإمامة كما تزعم الشيعة، وتأول (الوصية والوراثة) بأنها ليست «النص والخلافة ولكن أموراً أخرى لعلها ـ إذا لمحت ـ أشرف واجل»[12]، ومع تجاوزنا عن قول ابن أبي الحديد، فإنه «لا يعدم كل أحد أن يستنبط من كل كلام ما يوافق غرضه وإن غمض»[13]، فعلى أي محمل يمكن تأويل قول علي عليه السلام بعد كلامه السابق، وفي نفس الفقرة «الآن إذ رجع الحق إلى أهله ونقل إلى منتقله»[14]، فالحق الذي رجع إلى أهله باتفاق جميع تفاسير النهج هو الخلافة[15]، والسياق يشير لذلك ولا مجال فيه إلى التأويل. ثم اننا لو قبلنا قول ابن أبي الحديد بأن المقصود من الوراثة وراثة العلم، فعلى أي محمل يمكننا تأويل قول علي عليه السلام «كانت في ايدينا فدك، من كل ما اظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم الله»[16] فعليعليه السلام يؤكد حقهم في فدك[17] مما يجعل مقولة اقتصار وراثة آل البيت عليهم السلام على العلم دون سواه من لوازم الوراثة الأخرى ـ في فكر علي عليه السلام ـ غير مقبولة، وان لم تكن الوراثة هي الحجة التي اعتمد عليها علي عليه السلام في المطالبة بالخلافة، لأنه في اعتقاده أن النص هو الأساس وهو ما اعتمده كحجة لا تقبل الجدل، فلا يجوز له وهو أول من آمن برسالة محمد صلى الله عليه وآله ان يكذب عليه ويدعي ما ليس له، فلو لم يكن واثقا ان الخلافة من حقه بالنص لما جادل دونها ولما طالب بها، وما قوله «اتراني اكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله؟ والله لانا أول من صدقه، فلا اكون أول من كذب عليه، فنظرت في امري، فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي واذا الميثاق في عنقي لغيري»[18]، وتكاد تتكرر كلمة الحق في الخلافة بمرارة في ثنايا الكثير من خطبه من ذلك قوله «فو الله ما زلت مدفوعاً عن حقي مستأثراً علي منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله حتى يومنا هذا»[19]، وفي معرض رده على احدى رسائل معاوية إليه يقول «وقلت اني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش، حتى ابايع، لعمر الله لقد اردت ان تذم فمدحت وان تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في ان يكون مظلوماً ما لم يكن شاكاً في دينه، ولا مرتاباً بيقينه، وهذه حجتي إلى غيرك قصدها، ولكني اطلعت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها»[20]، فالشاهد يوضح بجلاء ـ كما نعتقد ـ ان علياً عليه السلام كان يطالب بحق، لا يرتاب في انه له، وان تنازله عن ذلك الحق لم يكن بمحض ارادته وسكوته عن ذلك لا يعني اقتناعه بصلاحية حكم من سبقه بدلالة قوله «لو قد استوت قدماي من هذه المداحض لغيرت اشياء»[21]، فالأشياء التي كان يتوق إلى تغييرها هي وضع قائم لابد من نسفه واحلال مكانه ما يراه الاصلح من وجهة نظر دينية بحته[22].

الهوامش:
[1] حكم ـ 145، فقرة 6، وقد علق ابن أبي الحديد على قول علي عليه السلام ذاك بأنه «يكاد يكون تصريح بمذهب الإمامية، على ان اصحابنا ـ أي المعتزلة ـ يحملون على ان المراد به الأبدال الذين وردت الأخبار النبوية عن انهم في الأرض سائحون» شرح النهج 18/351، ويرى ميثم البحراني ـ شرح النهج 5/336 «انه تصريح منه عليه السلام بوجوب الإمام بين الناس في كل زمان ما دام التكليف قائماً»، ونحن نميل إلى رأي ميثم لخلوه من التأويل ولان علياً عليه السلام في كثير من نصوص (نهج البلاغة) يعتبر نفسه وآل البيت عليهم السلام هم الحجة على الخلق عند الخالق سبحانه من ذلك قوله «أنا حجيج المارقين وخصيم الناكثين ـ خطب 74»وقوله أيضاً «بقيه من بقايا حججه وخليفة من خلائف أنبيائه ـ خطب 189».
[2] الكليني ـ اصول الكافي 1/179.
[3] خطب ـ 88.
[4] خطب ـ 90، فقرة 27. ويروى ابن أبي الحديد لعلي عليه السلام ـ 20/216 «انا من رسول الله صلى الله عليه وآله كالعضد من المنكب، وكالذراع من العضد، كالكف من الذراع، رباني صغيراً، وآخاني كبيراً ولقد علمتم اني كان لي منه مجلس سر لا يطلع عليه غيري، وانه اوصى لي دون أصحابه وأهل بيته، ولأقولن ما لم اقله لاحد قبل هذا اليوم، سألته مرة ان يدعو لي بالمغفرة فقال: افعل، ثم قام فصلى، فلما رفع يده للدعاء استمعت إليه، فإذا هو يقول: اللهم بحق علي عبدك اغفر لعلي، فقلت: يارسول الله، ما هذا ؟ فقال أو أحد اكرم منك عليه فاستشفع به إليه؟».
[5] رسائل ـ 25.
[6] خطب ـ 152 فقرة 2.
[7] الإسراء /71.
[8] ابن أبي الحديد 9/152.
[9] راجع شرح نهج البلاغة 3/235، 236.
[10] خطب ـ 2 ـ فقرة 3.
[11] ابن أبي الحديد 1/139.
[12] المصدر السابق نفسه 1/140.
[13] المصدر نفسه ـ 8/266.
[14] خطب ـ 2.
[15] راجع الراوندي ـ منهاج البراعة 1/114، ابن أبي الحديد 1/140، فقد فسر الحق بالخلافة ثم تأول المعنى حسب القائلة بجواز تولية المفضول مع وجود الافضل، ميثم البحراني ـ شرح النهج 1/248، محمد عبده ـ شرح النهج 1/38، الخوئي ـ منهاج البراعة 2/343، مغنية في ظلال النهج 1/82.
[16] رسائل ـ 45.
[17] فدك: قرية بالحجاز، بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة، افاؤها الله على رسوله صلى الله عليه وآله في سنة سبع صلحاً ـ معجم البلدان 4/238. وجاء في كتاب فضائل الخمسة في صحاح الستة للفيروز آبادي 3/168 عن السيوطي في (الدر المنثور) في ذيل تفسير قوله تعالى: Pوَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُO... قال: وأخرج البزاز وأبو يعلى وابن أبي حاكم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت هذه الآية...دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فاعطاها فدكا. وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله جاءت فاطمة عليها السلام حينئذ تطلب صدقة النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا نورث ما تركناه صدقة... فأبى أبو بكر ان يدفع إلى فاطمة عليها السلام منها شيئا، فوجدت عليه حتى توفيت ـ طبقات ابن سعد2/315. ويبدو من كلام علي عليه السلام خلاف ما أثر عن أبي بكر وانه كان يقول بتوريث النبي صلى الله عليه وآله كل ما يورثه المسلم لاهله ـ لتفصيل ذلك وتضارب الآراء فيه، راجع: ابن أبي الحديد 16/205 وما بعدها ـ الطبرسي ـ الاحتجاج ص90، وراجع أيضاً تعليقات شراح النهج لقول علي عليه السلام عند دفنه السيدة فاطمةعليها السلام «وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها، فاحفها السؤال واستخبرها الحال، هذا ولم يطل العهد، ولم يخل منك الذكر» خطب ـ196.
[18] خطب ـ 37، 6.
[19] المصدر السابق نفسه.
[20] رسائل ـ35، فقرة 4.
[21] حكم 280
[22] لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور خليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 186 – 191.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1338 Seconds