من تفسير الإمام علي (عليه السلام): تفسيره سورة الفاتحة

مقالات وبحوث

من تفسير الإمام علي (عليه السلام): تفسيره سورة الفاتحة

301 مشاهدة

بقلم: الدكتور خليل خلف بشير

((الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.
وبعد:
يروى عن أمير المؤمنين(عليه السلام) مقولة مشهورة في تفسيره سورة الفاتحة، وهي قوله: ((لو شئت لأوقرتُ سبعين بعيرا في تفسير فاتحة الكتاب، ولما وجد المفسرون قوله لا يأخذون إلا به))[1]، ويبدو أنه فسّر فاتحة الكتاب تفسيراً موجزاً؛ لأنّ لكل مقام مقالاً فالمقام لا يسمح في الإطالة، وذلك في كتابه إلى قيصر الروم جوابا عن مسائله في أنّ  ((عمر لما جلس في الخلافة جرى بين رجل من أصحابه يقال له الحارث بن سنان الأزدي وبين رجل من الأنصار كلام ومنازعة فلم ينتصف له عمر فلحق الحارث بن سنان بقيصر وارتد عن الإسلام ونسى القران كله إلا قول الله عز وجل {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }[2] فسمع قيصر هذا الكلام قال سأكتب إلى ملك العرب بمسائل فإن أخبرني بتفسيرها أطلقت من عندي من الأسارى فعرضت عليهم النصرانية فمن قبل منهم استعبدته ومن لم يقبل قتلته وكتب إلى عمر بن الخطاب بمسائل أحدها سؤاله عن تفسير الفاتحة ...، ولما وردت هذه المسائل على عمر لم يعرف تفسيرها ففزع في ذلك إلى علي (عليه السلام) فكتب إلى قيصر . من علي بن أبي طالب صهر محمد ووارث علمه وأقرب الخلق إليه ووزيره ومن  حقت له الولاية وأمر الخلق من أعدائه بالبراءة قرة عين رسول الله وزوج ابنته وأبي ولده أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو عالم الخفيات ومنزل البركات من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له ورد كتابك وأقرأنيه عمر بن الخطاب فأما سؤالك عن اسم الله تعالى فإنه اسم فيه شفاء من كل داء وعون عن كل دواء، وأما الرحمن فهو عون لكل من آمن به وهو اسم لم يسم به غير الله الرحمن تبارك و تعالى، وأما الرحيم فرحم من عصى وتاب وآمن وعمل صالحا وأما قوله الحمد لله رب العالمين فذلك ثناء منا على ربنا تبارك وتعالى بما أنعم علينا وأما قوله مالك يوم الدين فإنه يملك نواصي الخلق يوم القيمة وكل من كان في الدنيا شاكا أو جبارا ادخله النار ولا يمتنع من عذاب الله عز وجل شاك ولا جبار وكل من كان في الدنيا طائعا مديما محافظا إياه ادخله الجنة برحمته وأما قوله إياك نعبد وإياك نستعين فانا نستعين بالله عز وجل من ... الشيطان الرجيم لا يضلنا كما أضلكم وأما قوله اهدنا الصراط المستقيم فذلك الطريق الواضح من عمل في الدنيا عملا صالحا فإنه يسلك على الصراط إلى الجنة وأما قوله  صراط الذين أنعمت عليهم بتلك النعمة التي أنعمها لله عز وجل على من كان قبلنا من النبيين والصديقين فنسأل الله ربنا أن ينعم علينا كما أنعم عليهم، وأما قوله غير المغضوب عليهم فأولئك اليهود بدلوا نعمة الله كفرا فغضب عليهم فجعل منهم القردة و الخنازير فنسأل ربنا تعالى أن لا يغضب علينا كما غضب عليهم، وأما قوله ولا الضالين فأنت وأمثاله يا عابد الصليب الخبيث ضللتم من بعد عيسى بن مريم فنسأل الله ربنا أن لا يضلنا كما ضللتم ...))[3].
وثمة تفسير آخر للحمد أوردته بعض المصادر إذ يروون أن رجلاً جاء إلى الإمام الرضا عليه السلام فقال له : يا ابن رسول الله اخبرني عن قول الله عز وجل (الحمد لله رب العالمين) ما تفسيره؟ فقال : لقد حدثني أبي عن جدي عن الباقر عن زين العابدين عن أبيه عليهم السلام أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال : اخبرني عن قول الله عز وجل (الحمد لله رب العالمين) ما تفسيره؟ فقال : الحمد لله هو أن عرف عباده بعض نعمه عليهم جملا إذ لا يقدرون على معرفه جميعها بالتفصيل لأنها أكثر من أن تحصى أو تعرف فقال لهم : قولوا الحمد لله على ما أنعم به علينا رب العالمين وهم الجماعات من كل مخلوق من الجمادات والحيوانات وأما الحيوانات فهو يقلبها في قدرته ويغذوها من رزقه ويحوطها بكنفه ويدبر كلا منها بمصلحته وأما الجمادات فهو يمسكها بقدرته ويمسك المتصل منها أن يتهافت ويمسك المتهافت منها أن يتلاصق ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ويمسك الأرض أن تنخسف إلا بأمره انه بعباده لرؤوف رحيم وقال عليه السلام : رب العالمين مالكهم وخالقهم وسائق أرزاقهم إليهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون فالرزق مقسوم ...))[4]،وفسّر رب العالمين بقوله ((يعني مالك الجماعات من كل مخلوق وخالقهم وسائق أرزاقهم إليهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون يقلب الحيوانات في قدرته ويغذوها من رزقه ويحوطها بكنفه ويدبر كلا منها بمصلحته ويمسك الجمادات بقدرته ويمسك ما اتصل منا عن التهافت والمتهافت عن التلاصق والسماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه والأرض أن تنخسف إلا بأمره))[5] .
وفي قوله تعالى (اهدنا الصراط المستقيم) قال : ((أدم لنا توفيقك الذي به أطعناك في ما مضى من أيامنا، حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا، والصراط المستقيم هو صراطان : صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، فأما الطريق المستقيم في الدنيا فهو ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير، واستقام فلم يعدل إلى شيء من الباطل، وأما الطريق الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنة الذي هو مستقيم لا يعدلون عن الجنة إلى النار . ولا إلى غير النار سوى الجنة))[6]. وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ...} أي قولوا اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك لا بالمال والصحة فإنهم قد يكونون كفارا أو فساقا. وقال: هم الذين قال الله تعالى {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}[7]))[8]،وهنا يكون الإمام (عليه السلام) قد فسّر القرآن بالقرآن، وهو أول من نهج هذا النمط من التفسير بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)[9].

الهوامش:
[1]-  مناقب آل أبي طالب322.
[2]- الآية 85 من سورة آل عمران.
[3]- مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) 4/121.
[4]- عيون أخبار الرضا / الشيخ الصدوق 2/255،وبحار الأنوار 26/ 274،والتفسير الصافي/   1/83.
[5]-  التفسير الصافي 1/83.
[6]-  تفسير نور الثقلين / الشيخ الحويزي 1/22.
[7]- الآية69 من سورة النساء.
[8]- التفسير الصافي 1/94.
[9]لمزيد من الاطلاع ينظر: من النتاج الفكري لأمير المؤمنين عليه السلام تفسيره المغيب للقرآن الكريم وادعيته العلوية للدكتور خليل خلف بشير، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 58 –62.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1305 Seconds