من الفكر السياسي عند الإمام علي (عليه السلام): الحلقة الأولى: تعامله عليه السلام مع طلحة والزبير

مقالات وبحوث

من الفكر السياسي عند الإمام علي (عليه السلام): الحلقة الأولى: تعامله عليه السلام مع طلحة والزبير

921 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 02-03-2022

بقلم: د. جليل منصور العريَّض – الجامعة الأولى/ تونس

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

وبعد:
النكث بفتح الفاء ـ لغة: هو المخالفة بعد اظهار الاتفاق و«نكث العهد والحبل فانتكث، أي نقضه فانتقض»[1] والناكثون الذين يعنيهم علي (عليه السلام) «هم أهل وقعة الجمل لأنهم كانوا بايعوه ثم نقضوا بيعته وقاتلوه»[2]، إذ لم يقبل طلحة والزبير سياسة علي (عليه السلام) التي لا تتفق ومصالحهما التي من اجلها ثورا الناس على عثمان، ومهدوا لقتله، لاستئثار اسرته بالثروات وولاية الامصار، ثم ان علياً (عليه السلام) لم يحقق لهما ما كان يطمحان إليه من ولاية فاستنجدا «في محاربته وتاليب الناس عليه بعائشة»[3] بحجة استبداده بالحكم دون مشورة المسلمين، وإيوائه قتلة عثمان، فكان التظاهر عليه بقصد خلعه ورد الأمر شورى ليختار المسلمون خليفتهم[4]، والثأر لعثمان، ولكن أبعاد القضية ـ كما يراها علي (عليه السلام) ـ ليست حسب ما يدعيان، لأن الهوى، وعدم التبصر في العواقب هو الذي جعلها العوبة في يد الشيطان، «فركب بهم الزلل وزين لهم الخطل»[5]. وتسيير امور الناس والحكم فيهم ـ في فكر علي (عليه السلام) ـ لا يكون وليد تحقيق الرغبات الجامحة والميول الذاتية، لأن أية سياسة تنبني على رغبات فئة معينة همها المحافظة على امتيازاتها ومصالحها، تؤدي بالمجتمع إلى التناقضات الطبقية التي ينجر عنها في نهاية الأمر تصدع في بنيته الأساسية. فتغليف الفتنة بشعارات براقة لا يغير من كونها فتنة القصد منها تفتيت وحدة المجتمع بضرب فئاته بعضها ببعض. فموقف الناكثين ـ من وجهة نظر علي (عليه السلام) ـ ليس موقفاً اجتهاديا لأنهم قد سبق أن طلبوا منه الاقتصاص من قتلة عثمان، فوافقهم على ذلك، وطلب المهلة حتى يستتب الامن، وتعود الأمور إلى مجاريها، فينجلي الغموض، وتتبدد غيوم الفتنة كيلا يؤخذ البريء بالمذنب[6]، الا انهم ـ فيما يبدو ـ لم يكونوا جادين فيما طلبوه، لأن القصد الحقيقي من سخطهم كما يقول علي (عليه السلام) طلب «هذه الدنيا حسدا لمن افاءها الله عليه»[7].

فطلحة والزبير حين بايعا علياً (عليه السلام)، كانا يظنان انه سيستجيب لرغباتهما في الإمرة، ولكنه رفض شرطهما عارضاً عليهما ان يكونا شريكاه «في القوة والاستقامة و(عوناه) على العجز والاود»[8]، لأن المشاركة في الإمامة غير مقبولة لا عقلاً ولا شرعاً إذ «لا يجوز الاشتراك فيها»[9]. كما ان دوافعهما شخصية، فحين لم يحقق رغبتهما اظهرا التأليب عليه، بحجة انهما بايعا مكرهين[10]، وان كانت الوقائع التاريخية تشكك في ذلك، فالزبير ـ من وجهة نظر علي (عليه السلام) ـ قد أضمر في بيعته غير ما كان يظهر. وهو ادعاء متهافت إذا ما وضع في صور مناظرة، لأن الحجة تكون عليه لا له، وفي ذلك يقول علي (عليه السلام) «يزعم أنه قد بايع بيده، ولم يبايع بقلبه، فقد اقر بالبيعة، وادعى الوليجة فليأت عليها بأمر، والا فليدخل فيما خرج منه»[11] لأن من واجب المدعي اثبات صحة ادعائه، وإلا فإن ما يدعيه باطل، فبيعة الزبير لعلي (عليه السلام) ملزمة وصحيحة، وما دام مقرا بها فمن المحتم عليه ان يقبل الحق، واذا ما احتمى كل من الزبير وطلحة بالسلطة التي يسعيان في الحصول عليها، فانهما سينأيان بنفسهما ـ كما يبدو من قول علي (عليه السلام) ـ من العقاب لمشاركتهما في دم عثمان[12]، ولما لم يتمكنا من ذلك، اختلقا شبهة تلبس على الناس ما اقترفاه في حق عثمان تبرئهما من دمه، فالسياسة في مثل هذه الظروف تقتضي التمويه، فلم يكن بداً من الحرب، بعد ان حاول علي (عليه السلام) ان يثنيهما عن ذلك بالتفاهم وتحكيم العقل بقوله «واني لراض بحجة الله عليهم وعلمه فيهم...»[13]ولكنهما أبيا إلا الحرب)[14].

الهوامش:
[1] صحاح الجوهري 1/295.
[2] ابن منظور: لسان العرب المحيط 3/714.
[3] أحمد امين: يوم الإسلام ص 57.
[4] راجع بشأن ذلك ما ورد عند ابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1/68.
[5] خطب 7.
[6] راجع في ذلك الخطبة ـ 169.
[7] خطب 170 ـ فقرة 2.
[8] حكم 200.
[9] الأحكام السلطانية ص 9.
[10] راجع ما قالاه بشأن ذلك في تاريخ الطبري 4/426، وايضاً في كامل ابن الأثير 3/98.
[11] خطب 8.
[12] رجع خطب 22، فقرة2.
[13] السابق.
[14] لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور خليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص245 – 247.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1529 Seconds