من خصائص نهج البلاغة: 21- المنهج السياسي

مقالات وبحوث

من خصائص نهج البلاغة: 21- المنهج السياسي

1K مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 13-03-2022

بقلم: الدكتور علي الفتال

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
من خلال قراءتي ((نهج البلاغة)) بتأملٍ وتأنٍ ورويَّة، وجدت في محتواه خصائص هي بمجموعها تشكل قوانين الحياة بمفاصلها الحيوية، وأنا بتحديدي تلك الخصائص لا يعني ذلك أنني توفرت على خصائص ((النهج)) كلها بل هي بعض ما تراءى لي بعد قراءتي المتأنية تلك. لذلك أطلقتُ عليها ((من خصائص))، والتبعيض هذا الذي دلّت عليه الأداة (مِن) يعني أن ثمة خصائص أخرى يضمها كلام علي عليه السلام فاكتفيت بالذي وجدت.

وإليك قارئي العزيز هذه الخصائص:
المنهج السياسي:
المنهج السياسي للإمام علي عليه السلام اعتمد الكتاب والسنة المحمدية بكل تفصيلاتها، كما هو في الإدارة والمالية، فلا زوغان عن ذلك المنهج ولا حلول وسطية في معالجة أمور المسلمين ومفاصل دولة الإسلام، وكعادتنا سنختار عينات للتدليل على ما نقول.

لما أراده الناس على البيعة - بعد قتل عثمان - قال عليه السلام:
((دعوني والتمسوا غيري فأنتم مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول. وإن الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغِ إلى قول القائل، وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم منيأميراً)).
وبعد أن بويع للخلافة قال له قوم من الصحابة:
- لوعاقبت قوماً ممن أجلبوا على عثمان.
فقال عليه السلام:
((يا إخوتاه! إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف لي بقوةٍ والقوم المجلبون (المعنيون) على حد شوكتهم (شدتهم) يملكوننا ولا نملكهم! وهاهم قد ثارت معهم عبدانهم، والتفت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاؤوا، وهل ترون موضعاً لقدرةٍ على شيء تريدونه! إن هذا الأمر أمر جاهلية؛ وإن لهؤلاء القوم مادة (عواناً) إن الناس من هذا الأمر - إذ حُرِّك - على أمور:
فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا ذاك، فاصبروا حتى يهدأ الناس، وتقع القلوب مواقعها، وتؤخذ الحقوق مُسمَحةً (مُيَسّرةً) فاهدؤوا عني، وانظروا ماذا يأتيكم به أمري، ولا تفعلوا فعلة تضعضع (تهدم) قوةً، وتسقط مُنّة (قدرة)، وتورث وهناً وذلةً، وسأمسك الأمر ما استمسك، وإذ لم أجد بدّاً فآخر الدواء الكي (أي: القتل).

ومن كلام له عليه السلام كلّم به طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة وقد عتبا عليه من ترك مشورتهما، والاستعانة بالأمور بهما قال عليه السلام:
((.. والله ما كانت لي بالخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة (غرض) ولكنكم دعوتموني إليها، وحملتموني عليها، فلما أفضت إليّ نظرتُ إلى كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته، وما استن النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم فاقتديته، فلم أحتج في ذلك إلى رأيكما، ولا إلى رأي غيركما، ولا وقع حكم جهلته فأستشيركما، وإخواني من المسلمين، ولوكان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما، وأما ما ذكرتما من أمر الأسوة (التسوية) فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي، ولا وُلِّيته هوى مني، بل وجدت - أنا وأنتما - ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم قد فُرغ منه، فلم أحتج إليكما في ما قد فرغ الله من قَسْمِهِ وأمضى فيه حكمه، فليس لكما - والله - عندي ولا لغيركما في هذا عتب أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق، وألهمنا وإياكم الصبر.
.. رحم الله رجلاً رأى حقاً فأعان عليه، أورأى جوراً فردّه، وكان عوناً بالحق على صاحبه))[1].

الهوامش:
[1] لمزيد من الاطلاع ينظر: أضواء على نهج البلاغة بشرح ابن أبي الحديد في استشهاداته الشعرية، د. علي الفتال، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ج1، ص 338-340.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2190 Seconds