من الفكر الإداري عند الإمام علي (عليه السلام): الجيش: توجيهاته عليها السلام لأمراء الجيش

مقالات وبحوث

من الفكر الإداري عند الإمام علي (عليه السلام): الجيش: توجيهاته عليها السلام لأمراء الجيش

583 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 16-03-2022

بقلم: م. م. هدى ياسر سعدون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
فقد قدّم أمير المؤمنين عليه السلام بعض التوجيهات لأمراء الجيش والضوابط التي ينبغي اتباعها:

أولاً: أمر أمراء الجيش أن ينهضوا بمن أطاعهم كون المتقاعسين أو المتكارهين عدم حضورهم للقتال أفضل من حضورهم وهم كارهون:
«فَإِنْ عَادُوا إِلَى ظِلِّ الطَّاعَةِ فَذَاكَ الَّذِي نُحِبُّ، وَإِنْ تَوَافَتِ الاُْمُورُ بِالْقَوْمِ إِلَى الشِّقَاقِ وَالْعِصْيَانِ فَانْهَدْ بِمَنْ أَطاعَكَ إِلَى مَنْ عَصَاكَ، وَاسْتَغْنِ بِمَنِ انْقَادَ مَعَكَ عَمَّنْ تَقَاعَسَ عَنْكَ، فَإِنَّ الْمُتَكَارِهَ[1]مَغِيبُهُ خَيْرٌ مِنْ شُهُودِهِ، وَقُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ»[2].

ثانياً: على المقاتلين أن يختاروا المكان المناسب لقتال العدو حيث أشار عليهم في سفوح الجبال أو أثناء الأنهار:
«فَإذَا نزَلتُمْ بِعَدُوّ أَوْ نَزَلَ بِكُمْ، فَلْيَكُنْ مُعَسْكَرُكُمْ فِي قُبُلِ الاَْشْرَافِ، أَوْ سِفَاحِ الْجِبَالِ، أَوْ أثْنَاءِ الاَْنْهَارِ، كَيْما يَكُونَ لَكُمْ رِدْءاً، وَدُونَكُمْ مَرَدّاً، وَلْتَكُنْ مُقَاتَلَتُكُمْ مِنْ وَجْه وَاحِد أَوِ اثْنيْنِ واجْعَلُوا لَكُمْ رُقَبَاءَ فِي صَيَاحِي [3] الْجِبَالِ، وَمَنَاكِبِ الْهِضَابِ، لِئَلاَّ يَأْتِيَكُمُ الْعَدُوُّ مِنْ مَكَانِ مَخَافَة أَوْ أَمْن»[4].

ثالثًا: على المقاتل أن يتقي الله وأن لا يقاتل إلا من قاتله:
«وَلاَ تُقَاتِلَنَّ إِلاَّ مَنْ قَاتَلَكَ، وَسِرِ الْبَرْدَيْنِ[5]،غَوِّرْ بِالنَّاسِ، وَرَفِّهْ فِي السَّيْرِ، وَلاَ تَسِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ اللهَ جَعَلَهُ سَكَناً، وَقَدَّرَهُ مُقَاماً لاَ ظَعْناً، فَأَرِحْ فِيهِ بَدَنَكَ، وَرَوِّحْ ظَهْرَكَ، فَإِذَا وَقَفْتَ حِينَ يَنْبَطِحُ السَّحَرُ، أَوْ حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ...»[6].

خامسًا: أوصى الإمام (عليه السلام) بأن لا يكثر المقاتلون من النوم فقال:
«وَإِذَا غشِيكُمُ اللَّيْلُ فَاجْعَلُوا الرِّمَاحَ كِفَّةً، وَلاَ تَذُوقُوا النَّوْمَ إِلاَّ غِرَاراً أَوْ مَضْمَضَةً[7]»[8].

سادساً: أمرهم أن لا يأخذوا مال المصلي أو المعاهد فيما استثنى الفرس والسلاح الذي يعتدي به العدو على المسلمين:
«وَلاَ تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَد مِنَ النَّاسِ، مُصَلٍّ وَلاَ مُعَاهَد، إِلاَّ أَنْ تَجِدُوا فرَساً أَوْ سِلاَحاً يُعْدى بِهِ عَلَى أَهْلِ الاْسْلاَمِ، فَإِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الاْسْلاَم، فَيَكُونَ شَوْكَةً عَلَيْهِ»[9].

سابعاً: حث الأمراء على أن لا يبدأوا القتال حتى يبدأهم العدو فإن ذلك حجة عليهم:
«لاَ تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللهِ عَلَى حُجَّة، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ، فَإذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِإذْنِ اللهِ فَلاَ تَقْتُلُوا مُدْبِراً، وَلاَ تُصيِبُوا مُعْوِراً»[10].

ثامناً: أمرهم بأن لا يقتلوا جريحاً ولا يؤذوا النساء حتى لو شتمن أعراضكم:
«وَلاَ تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيح، ولاَ تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذىً، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالاَْنْفُسِ وَالْعُقُولِ، إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ»[11].

تاسعاً: يحدد الإمام (عليه السلام) كيفية اختيار القادة الميدانيين:
«فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لله وَلِرَسُولِهِ وَلاِِمَامِكَ، [وَأَنْقَاهُمْ]جَيْباً، وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً مِمَّنْ يُبْطِىءُ عَنِ الْغَضَبِ، وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ، وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ، وَيَنْبُو عَلَى الاَْقْوِيَاءِ، وَمِمَّنْ لاَ يُثِيرُهُ الْعُنْفُ، وَلاَ يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ»[12].
عاشراً: فيما أشار الإمام (عليه السلام) الى أمور أخرى:
«فإن تضييع المرء ما وُلّي وتكلفه ما كفي لعجز حاضر ورأي متبر وإن تعاطيك الغارة على أهل قرقيسيا[13]وتعطيلك مسالحك التي وليناك ليس بها من يمنعها ولا يرد الجيش عنها لرأيٌ شعاعٌ فقد صرت جسراً لمن أراد الغارة من أعدائك على أوليائك غير شديد المنكب، ولا مهيب الجانب، ولا ساد ثغرة ولا كاسر لعدو شوكةً ولا مغنٍ عن أهل مصره، ولا مجز عن أميره»[14].
فضلاً عن ذلك فقد أوصى الإمام (عليه السلام) الجيش بعدم التفرق وإذا نزلوا يجب أن ينزلوا جميعاً، وإذا ارتحلوا كذلك:
«وَاعْلَمُوا أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْقَومِ عُيُونُهُمْ، وَعُيُونَ الْمُقَدِّمَةِ طَلاَئِعُهُمْ[15] وَإِيَّاكُمْ وَالتَّفَرُّقَ، فَإِذَا نَزَلْتُمْ فَانْزِلُوا جَمِيعاً»[16].
فيما يشدد الإمام (عليه السلام) بأنهم يجب أن لا ييأسوا ولا يضعفوا إذا خسروا جولة صغيرة فيقول:
«لاَ تَشْتَدَّنَّ عَلَيْكُمْ فَرَّةٌ بَعْدَهَا كَرَّةٌ، وَلاَ جَوْلَةٌ بَعْدَهَا حَمْلَةٌ»[17].
أي ينبغي لهم أن لا يستطعموا الفرار الذي لا كرار بعده.
ثم يقول لهم:
«وَأَعْطُوا السُّيُوفَ حُقُوقَهَا، وَوَطِّئُوا لِلْجُنُوبِ مَصَارِعَهَا، وَاذْفرُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الطَّعْنِ الْدَّعْسِيِّ[18]، وَالضَّرْبِ الطِّلَحْفِيِّ [19]»[20].
فضلاً عن ذلك ان الإمام (عليه السلام) يوصي القائد بالخلق الحسن مع الجند فيقول لزياد:
«فإني قد وليتك هذا الجند، فلا تستطيلن عليهم، وإن افضلكم عند الله أتقاكم، وتعلم عن عالمهم وعلم جاهلهم وأحلم عن سفيههم»[21].
لقد كان تدبير الإمام وحكمته الإدارية لإدارة الجيش تتمثل في أمور عديدة منها أن يكون قائد الجيش قوياً ويقوي من كان ضعيفًا من جيشه ويشجع جبانها بالنصر ويراقب راياتهم ليشد عزيمتهم للقتال وغيرها وقد أشار الأسكافي لهذا المعنى بقوله: «وكان [عليه السلام] في تلك الأحوال يباشر الحرب بنفسه، ويقومها برأيه ويجبر صدعها ببأسه ويقوي ضعيفها بكلامه ويشجع جبانها البشارة والحجة، ويدور على الرايات فيقوم أودها، ويقاتل مع المتأخرين عنها حتى تلحق مكانها»[22] )[23].
قد تبين لنا جلياً أن الحرب (القتال) عند الإمام (عليه السلام) لم تكن غاية وهدفاً بل وسيلة لتحقيق الأهداف المنشودة[24].

الهوامش:
[1] المتكاره: كرهت الشيء أكرهه، كراهة وأكراهية، والكريهة: الشدة في الحرب، وأكرهته على كذا: حملته عليه كرهاً، الجوهري، تاج اللغة، مادة (كره)، 6/2247.
[2] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، خطبة (243)، 9/594.
[3] صياحي: صياح الصوت، تقول يصيح القوم بعضهم ببعض، الجوهري، تاج اللغة، مادة (صيح)، 7/384.
[4] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، خطبة (15)، 1/259.
[5] سر البردين: هما الغداة والعشي لبرد الهواء فيهما بالنسبة الى وسط النهار وأراد بهما الصبح والعصر، ابن منظور، لسان العرب، مادة (سر)، 3/93 – 94.
[6] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، خطبة (251)، 14/225.
[7] مضمضة : يقال : ما مضمضت عيني بنوم، أي ما نمت وتمضمض النعاس في عينه، الجوهري، تاج اللغة، مادة (مضمض)، 3/110.
[8] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، قصار الكلامات (104)، 18/312.
[9] ابن أبي الحديد، خطبة (290)، 15/212.
[10] المصدر نفسه، خطبة (253)، 13/275.
[11] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، خطبة (292)، 15/235.
[12] قرقيسيا : معرب كركيسيا، وهو مأخوذ من كركيس وهي بلد على نهر الخابور قرب رحبة ملك ابن طوق على ستة فراسخ، الحموي، معجم البلدان، 4/308.
[13] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، خطبة (33)، 2/204.
[14] المصدر نفسه، كتاب (53)، 17/61.
[15] الطلائع الطلع بالكسر، الاسم من الاطلاع، كقول منه: أطلع، طلع العدو، وطليعة الجيش من يبعث ليطلع طلع العدو، الجوهري، تاج اللغة، مادة (طلع)، 3/125.
[16] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، خطبة (63)، 7/207.
[17] ابن أبي الحديد، قصار الكلمات (55)، 18/514.
[18] الدعسي: المداعسة، المطاعنة، والمدعس: الرمح، يدعس به، ويقال: المداعس: الصم من الرماح، الجوهري، تاج اللغة، مادة (دعس)، 3/929.
[19] الطلحفي: ضربته ضرباً طلحفياً، وطلحاف مثل قرطاس، أي ضرباً شديداً، الزبيدي، تاج العروس، مادة (طلحف)، 12/357.
[20] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، خطبة (117)، 5/315.
[21] المصدر نفسه، 8/213؛ المنقري، وقعة صفين، ص121 – 122.
[22] وقد ذكرت المصادر بأن الإمامg كان يشيد بأصحابه ويشجعهم على القتال وينبّههم بأن النصر والثبات من عند الله : «فلما كان يوم الخميس انهزم الناس من قبل الميمنة، فجاءنا علي حتى انتهى إلينا ومعه بنوه، فنادى بصوت عال جهير كغير المكترث لما فيه الناس: لمن هذه الرايات؟ قلنا رايات ربيعة: فقال بل هي رايات الله عزوجل، عصم الله أهلها فصبرهم وثبت أقدامهم، ثم قال لي يا فتى ألا تدني رايتك هذه ذراعاً؟ قلت : بلى والله وعشرة أذرع فقمت بها فأدينتها حتى قال: إن حسبك مكانك وثبت حيث أمرني، وأجتمع أصحابي »، الخوارزمي، المناقب، ص156؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 2/354.
[23] المعيار والموازنة، ص153.
[24] لمزيد من الاطلاع ينظر: الفكر الإداري عند الامام علي عليه السلام في نهج البلاغة، هدى ياسر سعدون، طبعة مؤسسة علوم نهج البلاغة، العتبة الحسينية المقدسة: ص 257 – 262.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1724 Seconds