من مرويات الإمام علي (عليه السلام) في لسان العرب: قوله (عليه السلام): ((أَيُّها العَبْدُ الأَبْظَرْ))

مقالات وبحوث

من مرويات الإمام علي (عليه السلام) في لسان العرب: قوله (عليه السلام): ((أَيُّها العَبْدُ الأَبْظَرْ))

362 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 15-05-2022

بقلم: د. سعيد عكاب عبد العالي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من اصطُفي من الخلق، وانتُجب من الورى، محمد وآله أُلي الفضل والنُّهى.
وبعد:
فان الصفة المشبهة، هِي من المُشتقَّات الَّتي يُوصفُ بها على وجهِ الدّوامِ، وأشار إلى ذلك كثير من القدماء([1])، وعرَّفها ابن هشام بقولِهِ: «هي الصِّفةُ المَصوغَةُ لغيرِ تفضيلٍ؛ لإفادةِ الثُّبوتِ»([2])، وهى لفظٌ مَصُوغٌ من مصدرِ اللَّازمِ([3])، وتكونُ صياغَتُهَا بكثـرةٍ من الفعلِ اللَّازمِ من بابِ(فَعِـل) المكسور العين في الماضي، وباب(فَعُـل) المضموم العين في الماضي، وتَقلُّ في نحو(فَعَـل) المفتوح العين في الماضي، وتُقاسُ من غيرِ الثُّلاثيِّ على زِنةِ اسـمِ الفاعلِ أو المفعولِ من ذلكَ الفعلِ، بشرطِ أنْ يكونَ المعنى على جهةِ الدّوامِ والثُّبوتِ؛ للفرقِ بينه وبينها([4]).
  ومن أبنيةِ الصِّفةِ المُشبَّهةِ الَّتي وردتْ في المرويَّات، ما يأتي:
(أفْعَل) ومؤنَّثه(فَعْلَاء)، وهو ما دلَّ على حليةٍ ظاهرةٍ، أو عيبٍ، أو لونٍ مثلُ (أكْحَل، وأعْرَج، وأحْمَر)([5])، ويُصاغُ من(فَعِل) اللَّازمِ، قياسًا مطَّردًا، أي: (الباب الرَّابع). وقدْ جاءَ هذا البناءُ(أفْعل) فــــي المرويَّــات، بدلالتِهِ الَّتي عُرِف بـــها فـي مواطنَ عددها(ستّ) مرَّاتٍ. منها ما يأتي:
  قال ابنُ منظور في بيانِ معنى لفظةِ(أبْظَر): «ورَجُلٌ أَبْظَر: في شَفَتِهِ العُليَا طُولٌ مَعَ نُتُوء في وسَطِهَا، وهِيَ الحِثْرِمَةُ مَا لَمْ تُطِلْ، فإِذا طَالَتْ قَلِيلًا فَالرَّجُلُ حِينَئِذٍ أَبْظر. ورُوِيَ عَن عَلِيٍّ أَنَّه أَتى في فَرِيضَةٍ وعِنْدَهُ شُرَيْحٌ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: مَا تَقُولُ فيهَا أَيُّها العَبْدُ الأَبْظَر؟»([6]).
ومعنى الأَبْظَر، «النَّاتِئ الشَّفَة العُلْيا مَعَ طُولها»([7])، وقالَ ابنُ دريد، في البُظَارَةِ: «والبُظَارَةُ: اللَّحمةُ في الشَّفَةِ العُليا إِذا عظُمتْ قَلِيلاً»([8]). ولفظةُ(الأبْظَر) جاءتْ من (بَظِر، يَبظَرُ)، فهو(أبْظَر) ومؤنَّثهُ(بَظْرَاء) ويدلُّ على عيبٍ لا يُفارقُ صاحبَهُ، ولها معانٍ أخرى، قالَ ابنُ فَارس: «فَالبُظَارَةُ اللُّحْمَةُ المُتَدَلِّيَةُ مِنْ ضَرْعِ الشَّاةِ، وهِيَ الحَلَمَةُ»([9])، وتدلُّ على الرَّجُلِ الصَّخَّاب، أي: الطَّويل اللِّسان([10]).
المتأمِّلُ في الحديثِ، يرى في ظاهرِ كلامِ الإمامِ(عليه السَّلام)، صفتينِ، هما (العبد، والأبظرُ)، فأمَّا نعته بـ(العبد)؛ فـ«لِأَنَّهُ وقع عليه سبيٌ في الجَاهِلِيَّة»([11])، وأمَّا نعْتُه بـ(الأبْظَر)؛ فهيَ توحي بوجودِ عيبٍ عند شريح، ولكنْ لا جزمَ بمعرفةِ ذلكَ العيبِ، فقدْ يكونُ العيبُ تلكَ الزَّائدةَ اللَّحميةَ في الشَّفَةِ، أو رُبَما قصدَ الإمامُ بـ(الأبْظَر) طول اللِّسانِ وهو الراجح لدى الباحث؛ لأنَّ الإمام لا يعيب شخصًا بخلقته، وعلى كلِّ حالٍ، فهي صفةٌ لا تنفكُّ عن صاحِبِها، ولو عبَّر الإمامُ بصيغةِ(فَعِل)، وقَالَ: (بَظِر)، لصحَّتِ العبارةُ([12])، ولكنَّ هذه الصِّيغةَ(فَعِل) لا تلزمُ الموْصوف بها دائمًا، ولا تَستمرُّ فيهِ كما هي الحال في صيغةِ(أفْعَل)([13])؛ فنراهُ عدلَ عنهـا، واستعمل صيغةَ(أفْعَل)، فقالَ: (الأبْظَر)([14]).

الهوامش:
[1]   ينظر: المفصل في صنعة الاعراب: 293، وشرح الكافية الشافية: 2/1054، وتوضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك، للمرادي: 2/875.
[2]   قطر الندى وبل الصدى: 277.
[3]   ينظر: شذا العرف في فن الصرف: 63.
[4]   ينظر: أوضح المسالك: 3/219-220، وشرح ابن عقيل: 3/141، وحاشية الصبان على شرح الأشموني، محمد بن علي الصبان(ت1206هـ): 3/5.
[5]   ينظر: شرح الشافية، للرضي: 1/144.
[6]   لسان العرب(بظر): 4/70.
[7]   العين(بظر): 8/160، والمخصص، لابن سيده: 1/124، وأساس البلاغة (ب ظ ر): 1/66.
[8]   الجمهرة(بظر): 1/316.
[9]   ينظر: المقاييس(بظر): 1/262.
[10]   ينظر: المغرب في ترتيب المعرب(بظر): 46، وتاج العروس(بظر)، للزبيدي(ت1205هـ) 10/217.
[11]   الفائق في غريب الحديث: 1/118، وينظر: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد:19/123.
[12]   ينظر: الكتاب: 4/25-26.
[13]   ينظر: شرح الشافية، للرضي: 1/27، وأوضح السالك: 3/243، وشرح التصريح على التوضيح، لزين الدين الجرجاوي(ت905هـ): 2/78.
[14] لمزيد من الاطلاع ينظر: مرويات الامام علي عليه السلام في لسان العرب: سعيد عكاب عبد العالي، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 63- 64.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1686 Seconds